
في الثاني والعشرين من مايو 2025، أعلنت مصادر فلسطينية استشهاد الدكتور زكريا إبراهيم حسن السنوار، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في الجامعة الإسلامية بغزة، متأثرًا بجراح أصيب بها إثر قصف استهدف خيمته في مخيم النصيرات، حيث كان يقيم بعد تدمير منزله. رحل السنوار بعد أيام من إصابته، في واقعة جسدت استهدافًا مباشرًا للأطر العلمية والمعرفية في قطاع غزة.
بالرجوع إلى تلك الصورة التي توثق عقد زواج يحيى السنوار بعد تحرره من الأسر في صفقة وفاء الأحرار شخصًا يقاربه في السن، يجلس بجواره، ويأخذ من ملامحه، إنه الدكتور زكريا السنوار أستاذ التاريخ المعاصر في الجامعة الإسلامية بغزة، والذي ولد بعد أخيه يحيى بثلاث سنوات وتحديدًا في السابع من مارس 1965، ومع الشبه القريب بينهما والتقارب في السن أيضًا جمعتهما القضية على قاعدتي التفاني الشديد والرؤية المتفردة، فإن كان يحيى السنوار قد سلك طريق المقاومة عبر الانخراط في العمل العسكري برؤية تولي أهمية للعمل الأمني باعتباره السياج الضروري لفضاء الفعل المقاوم، فقد سلك أخوه زكريا طريق المقاومة أيضًا لكن عبر الانخراط في الفعل المعرفي والتشريحي للاحتلال والأوضاع التاريخية التي رسخها في الأرض الفلسطينية، وقد اهتم الدكتور زكريا السنوار بشكل خاص بدراسة تاريخ المنظمات الأمنية في الكيان الصهيوني، وسياقات تشكلها، موافقًا بذلك لاهتمام أخيه يحيى السنوار بالموضوع نفسه؛ فقد ترجم كتبًا أمنية وهو في الأسر، وكتب كتبًا في القواعد الأمنية للعمل المقاوم.
تعود أصول أسرة السنوار إلى بلدة المجدل التابعة لقضاء غزة، وقد هجر أهالي تلك البلدة في نكبة 1948، فاستقرت في مخيم خان يونس بمحافظة دير البلح وسط القطاع، وفي أجواء المخيم وأزماته نشأ أبناء السنوار، ومنهم زكريا الذي درس المرحلة الأساسية في المدرسة التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الأونروا في مخيم خانيونس، ثم درس المرحلة الثانوية في مدرسة خانيونس الثانوية، وحصل منها على الثانوية العامة عام 1983، ثم نال درجة البكالوريوس في التاريخ من كلية الآداب في الجامعة الإسلامية في مدينة غزة عام 1993، ودرجة الدبلوم العام في التاريخ من جامعة الأقصى عام 1997، ودرجة الماجستير في التاريخ من قسم التاريخ والآثار في كلية الآداب في الجامعة الإسلامية في غزة عام 2003، وكانت أطروحته حول العمل الفدائي في قطاع غزة (1967-1973)، ثم توجه إلى مصر لاستكمال دراسته فحصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة عام 2006.
عُرف عنه اهتمامه بالبحث الأكاديمي الموثق، والميل إلى التعمق في سرديات التاريخ الصهيوني، والاشتغال على تفكيك رواياته وتوثيق الرواية الفلسطينية، لا سيما فيما يتعلق بموضوعات التهجير، والمذابح، والمكان الفلسطيني في المخيلة الصهيونية.
أما دراساته التي لا تزال تحتفظ بقيمتها المعرفية، وتسد ثغرات حرجة في دراسة المشروع الصهيوني وتاريخ فلسطين الحديث؛ فهي أبحاث تمثل اليوم رصيدًا لا غنى عنه في معركة الرواية والوعي، ومنها:
• الصناعة الصهيونية في فلسطين (1918-1948)، بحث منشور في مجلة جامعة القدس المفتوحة للبحوث الإنسانية والاجتماعية.
• المذابح التي تعرض لها أهالي يافا في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر الميلادي، بحث منشور في مجلة جامعة القدس المفتوحة للبحوث الإنسانية والاجتماعية.
• دور أورد وينجت في تطوير القدرات العسكرية الصهيونية، مجلة الجامعة الإسلامية، غزة، 2007.
• تهجير أهالي لواء غزة دراسة نماذجية مقارنة بين الرواية الشفوية الفلسطينية والرواية الصهيونية، مجلة الجامعة الإسلامية 2007.
• نظرة الصهيونيين التصحيحيين للعرب والمسلمين (1925-1948).
كما ألف كتابًا تناول فيه موضوع “لواء غزة في العصر العثماني الأول”، وشارك في توثيق تجارب مثل تجربة الشيخ أحمد ياسين في الاعتقال، في سياق دراسات عن التاريخ الشفوي.
وإلى جانب اشتغاله على التاريخ الفلسطيني الحديث، أولى الدكتور زكريا السنوار اهتمامًا خاصًا بالقدس، لا بوصفها رمزًا دينيًا فحسب، بل كميدانٍ تُدار فيه واحدة من أخطر معارك السرد والهوية. وقد تناول في كتاباته ومداخلاته العلنية، أبرزها في لقاء تلفزيوني عبر قناة الأقصى، قضايا شديدة الحساسية تتعلق بالمسجد الأقصى والادعاءات التوراتية حول “هيكل سليمان”. تحدَّث بوضوح عن المنهجية المتدرجة التي يتبعها الاحتلال في تهويد الأقصى، وعن هدم حارة المغاربة باعتباره خطوة مقصودة لتغيير البنية البصرية والروحية للمدينة.
كما وجَّه دعوة صريحة لدول المغرب العربي لاستعادة حقها القانوني، فيما بدا كاستعادة لملف تاريخي غُيِّب عن الساحة السياسية.
وتجلَّى هذا الاهتمام بأوضح صوره في كتابه البارز “نقد أفكار هيكل سليمان الواردة في النص التوراتي”، الذي تناول فيه تفكيك الرواية اليهودية بشأن مكانة القدس والهيكل في المرويات التوراتية، كاشفًا عن التناقضات الداخلية في النصوص، والادعاءات المتعلقة بوجود آثار يهودية في المدينة، ومرتكزات الفكر الصهيوني في بناء شرعية دينية مفتعلة على أرض فلسطين.
لم تكن هذه المقاربات منفصلة عن عمله الأكاديمي، بل كانت امتدادًا طبيعيًّا له، حيث سعى السنوار إلى وصل البحث العلمي بالتحولات السياسية الجارية، دون الوقوع في التبسيط أو الاستخدام الشعاري، محافظًا على صرامة الباحث ومسؤولية المثقف في آنٍ معًا.
لكن المشروع الأهم في مسيرة الدكتور زكريا السنوار كان في بناء جيل من المؤرخين والباحثين الفلسطينيين يصب اهتمامه على فهم التاريخ الصهيوني وتفكيك سرديته، وبشكل خاص على تاريخ العمل الأمني لدى الاحتلال، فقد وجه وأشرف وحرر وشارك في العديد من الدرسات والأوراق العلمية التي تعني بهذا الأمر، ومن تلك الدراسات التي أشرف عليها:
تاريخ الحركة الصهيونية التصحيحية 1925 – 1948م- سامي علي عبد القادر أبو جلهوم.
يتبين لنا من فحص مسيرة الدكتور زكريا السنوار المهنية كأستاذ للتاريخ المعاصر في الجامعة الإسلامية أنه كرس تلك المسيرة لدراسة المجتمع الصهيوني وتاريخه وبالأخص منظومته الأمنية، ولعل هذا كان متصلًا بمشروع أخيه الأكبر يحيى السنوار الذي استطاع فهم وتفكيك عقلية المنظومة الأمنية للاحتلال ومن ثم التلاعب بها وخداعها.
لقد كان حواريه الذي مهد له الطريق في مهمته المتفردة، ومده بما يحتاجه من أساس علمي للبناء عليه.
لم يكن استشهاد الدكتور زكريا السنوار حدثًا معزولًا عن سياق الاستهداف الإسرائيلي الممنهج لأفراد عائلة السنوار، التي وجدت نفسها في قلب الضربات العسكرية والإعلامية على حد سواء. فشقيقه الأكبر، القائد الشهيد: يحيى السنوار، القائد البارز في حركة حماس ورئيس مكتبها السياسي، وغصة الكيان الصهيوني وسيف المقاومة المدمر، قد شكَّل طوال سنوات وجهًا سياسيًا وعسكريًا للمواجهة مع الاحتلال، وارتبط اسمه بملفات حساسة كصفقات تبادل الأسرى وإدارة العمل الميداني. أما شقيقه الآخر، محمد السنوار، القائد العسكري في كتائب القسام، فقد ادعت مصادر إسرائيلية استهدافه مؤخرًا في نفق بخان يونس، الأمر الذي لم يتأكد، على أنه قد تعرض سابقًا لمحاولة اغتيال وكان قد نجا منها لكن كتائب القسام خدعت استخبارات العدو بعمل جنازة له.
رحل زكريا السنوار مع ثلاثة من أبنائه، في خيمته في النصيرات، في مشهد يصف بدقة تلاشي الفروق بين الأكاديمي والمقاتل في نظر العدو، الذي يرى العربي الجيد هو العربي الميت، عالمًا كان، أو طفلًا، أو امرأة، أو عجوزًا، أو مقاتلًا، وقد سقط السنوار في قلب هذا التداخل الحاد، على الرغم من أنه لم يختر الجبهة المسلحة، بل حمل سلاحًا أخطر وأعمق أثرًا: الوعي كمقاومة.
لم يكن الطريق الذي اختاره الدكتور زكريا السنوار سهلًا ولا آمنًا. أن تشتبك مع السردية الصهيونية من داخل البحث الأكاديمي، وأن تعمل بصبر ودقة على تفكيك أسسها ومزاعمها التاريخية، هو خيار لا يقل جسارة عن المواجهة المباشرة. اختار السنوار أن يقف في جبهة الوعي، في مواجهة مشروع يُراكم رواياته ليحكم قبضته، فاستند إلى الوثيقة، وإلى التاريخ الشفوي، وإلى أدوات التحليل العلمي، ليعيد رسم الصورة من موقع المقاوم، المثقف المشتبك، لا المتلقي.
لم يسعَ إلى حضور سياسي، ولم يظهر كثيرًا في واجهات الإعلام، لكنه ظل حاضرًا في جبهةٍ أخرى أكثر بطئًا، لكنها أبقى: جبهة المعرفة. ومع استشهاده، تخسر القضية أحد عقولها الفريدة، من الذين آمنوا أن المعركة تبدأ من تفكيك السردية وهدمها، وأن مواجهة الاحتلال لا تكتمل ما لم تُعرَّ روايته، ويُكسر منطقه من جذوره.
مجموعة من الدراسات التي أشرف عليها ووجهها:
- المنظمات العسكرية والأمنية الصهيونية في فلسطين 1897-1920م- إيمان روبين عبد العزيز أبو خضورة.
- تطور الأجهزة الأمنية الصهيونية 1897 / 1948- عبد العزيز محمود عبد العزيز أبو عليان
- الصندوق التأسيسي الفلسطيني (الكيرين هايسود) ودوره في خدمة المشروع الصهيوني 1920 – 1948م- إلهام جبر سالم شمالي.
- القوى الدينية اليهودية في فلسطين وعلاقتها بالحركة الصهيونية (1902 – 1948م)- نايفة حماد سعيد ديبة.
- تاريخ الأحزاب العمالية الصهيونية في فلسطين- حسن عبد الله يوسف أبو حلبية.
- العلاقات الصهيونية البريطانية في فلسطين 1936-1948م- علي أكرم فضل مهاني.
- طرد الفلسطينيين في الفكر والممارسة الصهيونية (1982 – 1949م)- سعيد جميل تمراز.
