حصــار لينيغراد: ثمن الصمود

كان من المتوقع أن مدينة لينينغراد لن تصمد أمام قوَّة هتلر أكثر من شهر، وقد أعلن زعماء ألمانيا صراحة: “لينينغراد ستموت جوعًا”، لم يكن الهدف احتلال المدينة، بل إخضاعها بالمجاعة والقصف، وتجفيف شرايين الحياة منها حتى تسقطها المعاناة وحدها، لكن المدينة خالفت كل التوقعات، وواجهت هذا الحصار الوحشي بصمودٍ دام ٨٧٢ يومًا، يعد واحدًا من أطول وأقسى فصول الحصار في تاريخ الحروب الحديثة.

في الثامن من سبتمبر عام 1941، فرضت القوات الألمانية والفنلندية حصارًا محكمًا على المدينة، فقطعت عنها الطرق البرِّيَّة والبحريَّة من الجنوب والغرب، وفُصِلت لينينغراد تمامًا عن العالم، قُطعت الكهرباء والمياه والوقود والإمدادات الصحية، وسقطت المدينة في عزلة مطبقة، بلغ عدد سكانها حينها أكثر من 2.5 مليون نسمة، بينهم نحو 400 ألف طفل، ليجد هذا العدد الهائل نفسه فريسة للجوع والبرد والقصف، بلا معين ولا مخرج.

ومع بداية الشتاء الأول للحصار، بلغت المجاعة ذروتها، فانخفضت الحصص الغذائية إلى 125 جرامًا فقط من الخبز للفرد يوميًّا، وكان يخلط أحيانًا بنشارة الخشب أو الغراء لسد الرمق، أُبلغ عن حالات أكل لحوم البشر، وسجلت تقارير رسمية تؤكد ذلك، بعدما عجز الناس عن إيجاد ما يسد الجوع، ومن لم يمت جوعًا، أنهكه البرد القارس، أو سقط تحت القصف المتواصل. ومع ذلك، لم تستسلم المدينة. بل شرع المسؤولون في تنظيم توزيع ما بقي من الطعام، وشكلت وحدات عسكرية ومدنية للمقاومة والتصدي للغارات، واستنفر السكان جميعًا، كل بما استطاع.

كان المشهد اليومي في المدينة مفجعًا: أطفال يمشون حفاة في الثلوج باحثين عن قشور البطاطا، وأمهات يحاولن أن يُبقين أبناءهن أحياء بشيء من الماء المغلي، وشوارع مزدحمة بجثث الذين قضوا في طوابير الخبز أو أثناء جلب الماء من بحيرات متجمدة. ومع ذلك، لم تنهر البنية الاجتماعية للمدينة، بل بقيت المدارس تُقيم دروسًا في الملاجئ، واستمرت الأوركسترا السيمفونية في العزف في قاعات مغلقة رغم أصوات المدافع في الخارج، كما لو أن المدينة كانت تعلن أنها لا تزال حيَّة.

وفي قلب هذه المأساة، كان الأمل يأتي من الشمال، تجمدت بحيرة لادوغا في الشتاء، فحولها السوفييت إلى ممر يُعرف باسم “طريق الحياة”، نُقلت عبره الإمدادات إلى المدينة، وأُجلِي من خلاله ما يزيد عن مليون شخص من النساء والأطفال. وعلى الرغم من قصف الألمان المستمر لهذا الطريق، لم تتوقف القوافل عن عبوره، حتى عندما أصبح الجليد هشًّا أو السماء تمطر قنابل.

لم يقتصر الإبداع على هذا الطريق، بل حفر السوفييت أنفاقًا تحت الأرض لنقل المؤن دون التأثر بالقصف، وواصلت المدينة بناء خطوط دفاعها وصمودها اليومي، في معركة كانت أشبه بمحاولة النجاة من الموت الزاحف بكل الأشكال. أصبح دخول لينينغراد حلمًا بعيدًا لألمانيا، رغم تفوقها العسكري الهائل، فقد واجهت مقاومة لا تنكسر، لم تأتِ فقط من الجنود بل من كل إنسانٍ حي في المدينة.

وفي يناير من عام 1943، تمكن الجيش الأحمر من فتح ممر بري ضيق إلى داخل المدينة، وبدأ الحصار يضعف شيئًا فشيئًا، حتى جاء يوم 27 يناير 1944، حين نجحت القوات السوفيتية في طرد القوات الألمانية من محيط المدينة بالكامل، معلنة نهاية الحصار.

خرجت لينينغراد من بين الأنقاض، وقد فقدت أكثر من مليون من أبنائها، دُفنوا في مقابر جماعية، أبرزها مقبرة “بسكاريفوفسكوي”. لكنها خرجت شامخة، وقد كتبت بدماء أهلها واحدة من أبلغ صفحات البطولة في القرن العشرين، لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل صراعًا مريرًا من أجل الكرامة والوجود، وسجلت المدينة اسمها في الذاكرة الإنسانية كرمزٍ نادر للبقاء في وجه الموت.

ولهذا، ظل يوم كسر الحصار عيدًا وطنيًّا في روسيا حتى اليوم، وتُقرع فيه أجراس الكنائس، وتُنكس فيه الأعلام، وتُقرأ أسماء الضحايا في ساحات المدينة بصوتٍ واحدٍ، كما لو أن الحياة ذاتها تقف احترامًا لذاك الصمود الطويل.

كان يمكن أن نقول أنه قد لا تتكرر في التاريخ المعاصر ملحمة مشابهة لحصار لينينغراد، لأن هذه التجربة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل مثالًا ساطعًا على كيف يمكن لشعب بأكمله أن يتحول إلى مقاومة حيَّة، تُقاتل بكل الوسائل، والحقيقة أن حصار لينينغراد ظل لعقود يمثل ذروة ما يمكن أن تفعله الحرب حين تتوحش، لكنه لم يعد المثال الأوحد.

ففي زماننا هذا، هناك غزَّة، المدينة التي تعيش تحت الحصار منذ أكثر من ١٨ عامًا، ويتجدد فوقها القصف كل حين، وتُمنَع عنها الضرورات الأساسية كما مُنعت عن لينينغراد: الماء، والكهرباء، والدواء، والممرات الآمنة، والموانئ، والمطارات. تُقتل فيها العائلات الكاملة، ويُدفن الأطفال تحت الأنقاض، وتُستهدف المستشفيات والمدارس، ثم تُترَك لتقاوم وحدها، أمام صمتٍ دولي لا يختلف كثيرًا عن ذلك الذي أحاط بلينينغراد في بدايات مأساتها.

بل لعلَّ الفرق الأبرز أن غزَّة لا تُحاصَر في حربٍ كبرى يتقاتل فيها معسكران، بل في عالمٍ يتشدق بالقانون والعدالة وحقوق الإنسان، ويصم أذنيه عما يقع فيها، رغم الحقيقة الجلية.

فإن كانت لينينغراد قد خلَّدت في وجدان العالم ذاكرة صمودها رغم الجوع والموت، فإن غزَّة اليوم تعيد كتابة هذه الذاكرة، لا مرة واحدة، بل مع كل قصف، وكل طفلٍ ينتشَل من الركام، وكل صرخةٍ تُرفع وتُردَم في غبار البيوت المنهارة.

وهكذا لا تعود ملحمة الصمود حكايةً روسية قديمة، بل واقعًا حيًّا من لحمٍ ودم، يُدعى: غزَّة.