
الهوية ليست ترفًا فكريًا، ولا شعارًا يرفع في أزمنة الأمان، بل هي الجذر الأعمق لوجود الإنسان، والمرآة التي يرى فيها نفسه، ومعناه، وموقعه من العالم، وإذا كانت الأمم تُهزم حين تُغزَى أو تُستَعمَر، فإن الهزيمة الحقيقية تبدأ حين تُنتزع منها قدرتها على تعريف نفسها، فتغدو تتكلم بلسان غيرها، وتفكر بعقله، وتقيس وجودها بميزانه. هنا، لا يبقى للاستقلال السياسي معنى، ولا للنهضة مسار، لأن الهوية المُستلبة هي هوية معطَّلة، مرتهنة، تنتمي شكليًا إلى ذاتها، وتدور عمليًا في فلك الآخر.
وهذا هو جوهر ما يسمى الاستلاب الثقافي: أن تتحول الجماعة من كينونة فاعلة واعية بتاريخها ورمزيتها وأحلامها، إلى صورة مشوهة تحاكي غيرها، وتنكر ذاتها، وتخجل من ميراثها. فلا تنظر إلى نفسها إلا من خلال نظارات الغالب، ولا تَزِنُ أفكارها، ولا تقيم تاريخها، ولا تحدد أولوياتها، إلا بمقاييس من استضعفها أو استعمرها.
في هذا السياق، يفقد الإنسان أدوات الوعي بذاته، ويبدأ بتبني خطاب “الجلاد” – لا باعتباره خطابًا مرفوضًا – بل باعتباره الحقيقة التي لا تناقش، والعقلانية التي لا بديل عنها، فتصير كلمات مثل “التخلف”، و“البدائية”، و“الرجعية”، و“العالم الثالث”، أوصافًا يتبناها أبناء الأمة في وصف أنفسهم، ويطالبون بالتخلي عن هويتهم لكي “يلتحقوا بالحضارة”.
هذا هو الاستلاب الثقافي في أقسى صوره: أن تفقد الجماعة المستضعفة قدرتها على أن ترى نفسها بعينها، وأن تعبر عن ذاتها بلغتها، وأن تزن واقعها بميزانها، فتصبح رؤيتها للعالم انعكاسًا لصورة الآخر عنها، لا لما هي عليه فعلًا.. في مثل هذا الوضع، لا يكون التقليد مجرد مظهر خارجي، ولا التبعية خيارًا نفعيًّا مؤقتًا، بل يتحول الأمر إلى ذوبان في التصورات والمعايير والغايات، بحيث يُنظر إلى التماهي على أنه خلاص، وإلى التنكر للهوية على أنه طريق التقدم، وإلى التخلي عن الجذور الحضارية على أنه دليل العقلانية والانفتاح. وعند هذا الحد، لا تعود الأزمة أزمة وعي فحسب، بل تصبح تهديدًا لمقومات الإنسان ذاته، وللرؤية التي يُبنى بها معنى وجوده.
وفي عالم ما بعد الاستعمار، تبدو هذه الظاهرة أكثر تجذرًا مما كانت عليه تحت الاحتلال العسكري المباشر؛ إذ لم يعد العدو بحاجة إلى سلاح لفرض هيمنته، بعدما تسللت سرديته إلى عمق الإدراك العام، وأصبحت أدوات إخضاعه متداولة في خطاب الضحية ذاته.
في هذه المادة، نسعى إلى تفكيك مفهوم الاستلاب الثقافي في أصوله الفكرية والتاريخية، والكشف عن مظاهره في الواقع العربي، وتحليل تبني الخطابات المفروضة، وصولًا إلى التأمل في آليات الانعتاق من أسرها، وبناء وعي حضاري أصيل، يعيد للهوية بوصلة التوجه، وللأمة قدرتها على التعبير عن ذاتها بمعاييرها لا بمعايير خصومها.
في تعريف الاستلاب الثقافي وجذوره الفكرية
ليس من السهل القبض على تعريف واحد للاستلاب الثقافي، فهو مفهوم مركب، يتداخل فيه النفسي بالفكري، والاجتماعي بالسياسي، كما تتشعب جذوره بين الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع والتحليل النفسي. ومع ذلك، يمكن النظر إلى الاستلاب – في جوهره – على أنه فقدان الإنسان أو الجماعة القدرة على تمثيل ذاتها بوعيٍ مستقل، وخضوعها لمنظومة تصورات ومعايير ليست نابعة من سياقها الحضاري أو رؤيتها للعالم، بل مفروضة عليها من الخارج، حتى وإن تبنتها طوعًا.
إنه حالة من التصدع الداخلي، يُفقد فيها الإنسانُ صلتَه الحرة الواعية بذاته، ويغدو وعيه مرتهنًا بصورٍ ومعايير غريبة عنه، تُعرِّفه من خارج سياقه، وتحدِّد له ما ينبغي أن يكون؛ حيث يرى الإنسان نفسه بعين الآخر، ويقيس وجوده بمقاييسه، ويشعر بالقيمة حين يقترب من صورته، ويشعر بالنقص حين يبتعد عنها. وهو – في ذلك – ليس اختيارًا حرًّا واعيًا، بل نتاج مسار طويل من التهميش والإخضاع، يبدأ غالبًا بالقهر السياسي والهيمنة المادية، ثم يتطور إلى سيطرة رمزية تُنتزع فيها أدوات الفهم والتأويل من يد المجتمع، وتُعاد صياغة الوعي العام وفق لغة المنتصر.
وقد كان الاستلاب من المفاهيم المركزية في نقد الهيمنة الغربية منذ القرن العشرين، خصوصًا في أدبيات ما بعد الاستعمار. وتجلى في كتابات مفكرين كبار مثل فرانتز فانون، الذي وصف الاستلاب بأنه “اغتصاب للبنية النفسية للمستعمَر”، ومالك بن نبي، الذي رآه إحدى آفات القابلية للاستعمار، وإدوارد سعيد، الذي كشف عبر مفهوم “الاستشراق” كيف يُعاد تشكيل الشرق في الوعي الغربي كمجال للسيطرة والتشويه.
لكن الجذور الأعمق للمفهوم تعود إلى الفلسفة الغربية نفسها، حيث ظهر مفهوم الاستلاب (Alienation) في كتابات هيغل، ثم تطور على يد كارل ماركس الذي استخدمه في وصف حالة العامل المُغترب عن نتاج عمله في ظل الرأسمالية، ثم انتقل المفهوم إلى مدارس أخرى، منها مدرسة فرانكفورت التي ربطت بين الاستلاب والإعلام الجماهيري والثقافة الاستهلاكية، باعتبارها أدوات لتفريغ الإنسان من وعيه النقدي.
لكن في السياق العربي، فإن الاستلاب تجاوز تلك السياقات النظرية، ليتحول إلى معضلة وجودية يعيشها الإنسان في لغته، وتاريخه، وصورته عن نفسه، وهو لا يظهر فقط في التبعية الفكرية أو النماذج الاقتصادية المستوردة، بل في أبسط تفاصيل الحياة اليومية: في اللسان، في الذوق، في نمط التعليم، في المعمار، في التطلعات، وفي الأحكام التي يُصدرها الناس على أنفسهم وشعوبهم.
من هنا، يصبح فهم الاستلاب ضرورة لا ترفًا، لأنه يُتيح لنا النظر في آليات الهيمنة الخفية، التي لا تسير فوق دبابات، بل تتسلل إلى العقول والمشاعر، وتربي أجيالًا ترى التخلي عن الذات شرطًا للقبول، والقطيعة مع الجذور علامة على الحداثة.
مظاهر الاستلاب الثقافي في الواقع العربي
إذا كان الاستلاب يبدأ من الداخل، فإن ملامحه لا تلبث أن تتجلى في مظاهر الحياة كلها، فتنعكس على الفكر والسلوك واللغة والمواقف والتطلعات، وفي السياق العربي المعاصر، تبدو مظاهر الاستلاب الثقافي واضحة ومتعددة، حتى باتت تمس الجوهر العميق للهوية.
1. الانبهار غير النقدي بالغرب
أحد أبرز تجليات الاستلاب يتمثل في النزعة إلى تمجيد النموذج الغربي بوصفه النموذج الأعلى، في كل شيء: من نمط الحياة، إلى نماذج الحكم، إلى فلسفات التعليم، إلى المعايير الجمالية، بل حتى إلى تصورات الإنسان عن ذاته.
ليس الإشكال في الاعتراف بمنجزات الآخرين أو الاستفادة منها، بل في تبنيها دون مساءلة، والتعامل معها بوصفها الحقيقة الوحيدة، وتحقير كل ما سواها. وهكذا تتحول العلاقة مع الغرب من علاقة تعارف وتبادل، إلى علاقة دونية يُستبعد فيها كل ما هو محلي.
2. الازدراء الذاتي والتنكر للموروث
نتيجة لهذا الانبهار، تنشأ حالة من التحقير الذاتي، تظهر في أقوال الناس وأمثالهم ومواقفهم اليومية: حيث يوصف العربي بأنه لا يلتزم، ولا يُنتج، ولا يبدع، وأن ما لدينا لا يصلح إلا للمتاحف.
وتُهاجم عناصر الهوية المحلية – من اللغة، إلى الزي، إلى المرجعية الدينية – بوصفها رموزًا للتخلف، بدل أن تفهم في سياقها التاريخي والثقافي وتعالج بأدوات نقد ذاتي بناء.
3. تبني سرديات العدو ومصطلحاته
من أشد مظاهر الاستلاب فتكًا أن يتقمص الإنسان الرواية التي نسجها خصمه لتشويهه، وأن يردد مفرداتها كما لو كانت توصيفًا محايدًا، وفي السياق العربي، تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في التعامل مع القضية الفلسطينية، حيث يُستبدل وصف الاحتلال بمصطلحات من قبيل “النزاع” أو “الصراع”، وتُقدَّم الأرض المسلوبة بوصفها “أرضًا متنازعًا عليها”، في تجاهل صارخ لحقيقة الجريمة وسياقها التاريخي، وتزداد هذه المفارقة فداحة حين يُعاد إنتاج السردية الصهيونية حول بيع الفلسطينيين لأراضيهم، وهي فرية سقطت أمام الوثائق والوقائع، والحقيقة أن هذه العبارات صيغت أساسًا لطمس جوهر القضية، وهو أنها احتلال استيطاني قائم على الإحلال السكاني وطرد السكان الأصليين بالقوة. ومع ذلك، ومع ذلك لا تزال تتردد في بعض الأوساط المنهزمة فكريًا، فتُغلق باب الفهم والإنصاف، وكأنها توصيف محايد، بينما هي في الأصل لغة منحازة صاغها الاحتلال لتبرير جرائمه، وتسهم في تبرئة المحتل وتخوين الضحية.
4. التماهي مع نمط العيش الاستهلاكي
يمتد الاستلاب إلى مستوى الحياة اليومية، حين يتماهى الإنسان مع نمط استهلاكي معولم لا ينتمي لبيئته ولا يعكس حاجاته، بل يُملى عليه من قنوات الإعلام والتسويق، حتى يغدو الفرد غريبًا في بلده، عاجزًا عن بناء ذوقٍ نابع من واقعه وتاريخه، مستهلكًا لما يُنتَج له دون وعي أو سؤال.
5. التفكير بمنطق الخارج
يظهر ذلك في طموحات كثير من الشباب، الذين يرون الحل الوحيد لمشكلاتهم في الهجرة أو الدراسة أو العمل في الخارج، لا لأن في الخارج فرصًا أفضل فحسب، بل لأنه يمثل – في وعيهم – أرض النجاح والقيمة والاعتراف.
وبالتالي يُعاد بناء الأمل والكرامة في خيالهم ضمن الجغرافيا التي يملكها الآخر، لا في أرضهم التي تحوي كل مقومات النهوض لو استعيد فيها الإيمان بالذات.
تبني خطاب الجلاد – من الغزو الخارجي إلى الهيمنة من الداخل
من أخطر آثار الاستلاب الثقافي أن يتبنى الإنسان الخطاب الذي صيغ أساسًا لتشويهه، وأن يردد روايات العدو عن قضيته، بل ويدافع عنها أحيانًا كما لو كانت الحقيقة ذاتها، وتاريخ الشعوب المستعمَرة مليء بأمثلة لطبقات من أبناء الأمة تبنوا خطاب المستعمر، لا بسبب قناعة ناتجة عن حوار متكافئ، بل بفعل تراكم طويل من الهيمنة الرمزية، التي بدأت بالتعليم والإدارة، ثم وصلت إلى الإعلام والثقافة والوجدان. وقد ظهر هذا بوضوح في التجربة العربية، لا سيما بعد منتصف القرن العشرين، حين ورثت كثير من النخب العربية لغة الاستعمار ورؤيته للواقع، فأعادت إنتاجها في خطابها السياسي والتعليمي والإعلامي، دون أن تنتبه إلى أنها تُعيد تمكين التصورات التي سعت الشعوب للخلاص منها.
ولا يقتصر الأمر على فلسطين، بل يتكرر في نظرة كثير من الناس إلى تاريخهم كله؛ إذ تُستخدم مفردات مثل “الفتح الإسلامي” بمعنى سلبي يشبه الاحتلال، ويُنظر إلى الدولة العثمانية باعتبارها احتلالًا عثمانيًا، لا امتدادًا سياسيًا لعصر إسلامي طويل، وفي بعض الخطابات العربية المعاصرة، تُستدعى فترات الاحتلال الفرنسي أو البريطاني لا بوصفها جريمة تاريخية ذات أبعاد تدميرية شاملة، بل كـ”مرحلة فاصلة” أدخلت النظم الحديثة، أو أرست مبادئ الإدارة والمؤسسية، في قراءة تُخفي الأصل وتستبقي القشرة. والحقيقة أن المشروع الاستعماري لم يكن يومًا معنيًّا ببناء الإنسان أو تطوير المجتمع، بل كان مشروعًا ممنهجًا لنهب الثروات وتفكيك البُنى الاجتماعية والسياسية والثقافية القائمة، وإعادة تركيبها بطريقة تضمن التبعية طويلة المدى. فالأنظمة الإدارية التي أُدخلت لم تكن تهدف إلى التنظيم بقدر ما كانت تهدف إلى الضبط والرقابة، والتعليم لم يكن سعيًا للنهضة بل أداة لخلق طبقة وسيطة متغربة، تنقل أوامر السلطة وتُشرف على تنفيذ سياساتها. حتى الطرق وخطوط السكك الحديدية التي تُذكر أحيانًا على سبيل الامتنان، صُممت في معظمها لربط المراكز الاقتصادية بالموانئ، وتسريع حركة البضائع والجنود، لا لخدمة الناس أو لربط الأقاليم ببعضها، إن هذا الخطاب الذي يعيد توصيف الاستعمار بمصطلحات محايدة أو حتى إيجابية، هو بذاته امتداد لحالة الاستلاب، حين تُنتزع من الأمة القدرة على توصيف ما جرى لها بلغتها، وتُفرض عليها سردية الغالب، حتى في توصيف الألم.
هذا التبني لخطاب الآخر لا يحدث فجأة، بل هو نتيجة مسار تعليمي وثقافي طويل، تتكرس فيه مفاهيم معينة بوصفها مسلمات، وتساهم في ذلك نظم التعليم التي تدرس التاريخ من وجهة نظر “محايدة” تخفي الجريمة، وتُفرغ الأحداث من أبعادها السياسية والأخلاقية، كما تلعب وسائل الإعلام دورًا كبيرًا في ترسيخ هذه المفاهيم، من خلال تكرار المصطلحات التي تُنتج واقعًا منحازًا دون نقاش، فيُقال مثلًا: “الجيش الإسرائيلي قصف مواقع في غزة ردًا على إطلاق صواريخ”، بينما لا يُذكر أن الاحتلال موجود أصلًا، وأن الحق في المقاومة مكفول قانونًا وأخلاقيًا.
ولعل أخطر ما في هذه الحالة، أن النخبة التي تتبنى هذا الخطاب ترى نفسها عقلانية وتقدمية، وتظن أنها تحررت من العاطفة والانغلاق، بينما هي – من حيث لا تدري – تعيد إنتاج خطاب الغالب، وتحجب عن الأمة حقها في سرد ذاتها بلغتها، وحين يُحرم الناس من لغتهم في تسمية الأشياء، فهم يُحرمون تباعًا من فهم الواقع، ومن القدرة على تغييره.
الآثار النفسية والاجتماعية للاستلاب الثقافي
لم يكن الاستلاب الثقافي يومًا أزمةً فكرية محضة، بل كانت له على الدوام آثار واقعية ملموسة تمس الفرد والمجتمع على السواء، ففي العقود التي أعقبت خروج الاستعمار العسكري المباشر من أغلب البلاد العربية، كانت الشعوب في أمس الحاجة إلى ترميم ثقتها بنفسها، واستعادة المبادرة في صياغة رؤيتها للعالم، لكن ما جرى في كثير من الحالات كان عكس ذلك تمامًا: رغم رحيل الاستعمار العسكري عن أغلب البلاد العربية، إلا أن أثره الأعمق بقي متجذرًا في مؤسسات الدولة، وخصوصًا في التعليم والإعلام، وفي النخب التي تولت إدارة ما بعد الاستقلال.
لم يكن الخروج من الاحتلال لحظة وعي جماعي يعيد بناء العلاقة مع الذات، بل تواصلت الهيمنة الثقافية عبر أدوات ناعمة، أعادت إنتاج التصورات ذاتها التي زرعها المستعمِر، في العقود التالية للاستقلال، طُرحت مشاريع التحديث في كثير من البلاد العربية دون ربط جدي بالهوية الحضارية للأمة، فبدت كأنها استيراد لنموذج خارجي أكثر من كونها عملية إصلاح نابعة من الداخل، ونتيجة لذلك، تكونت أجيال تشكل وعيها على تصورات مبتورة عن تاريخها، لا ترى فيه إلا الهزيمة والتخلف، ولا تجد فيه مصدرًا يعتد به للنهضة أو البناء، في مناهج تفتقر إلى العمق التحليلي، وتدرس اللغة بوصفها تِرْكَة ثقيلة، لا أداة بناء معرفي حي، وتُقدَّم الهوية في هذا التصور بوصفها بقايا مرحلة منتهية، صالحة للعرض لا للبناء، تُستدعى عند الحاجة إلى التزيين الرمزي، لا كمرجعية تؤسس للمستقبل. ومع تراكم هذا الخطاب، تشكلت في الوعي الجمعي صورة باهتة ومشوَّشة عن الذات، واهتز الإيمان بإمكانية النهوض استنادًا إلى الخصوصية الحضارية، ليحل محله تصور ملتبس للنهضة، يرى الخلاص في التبعية، والتقدم في الاقتداء الأعمى، لا في استعادة شروط الفاعلية من داخل التجربة التاريخية للأمة.
ومن نتائج هذا الوضع أن نشأ جيلٌ يشعر بأن العالم الحقيقي يبدأ من خارج حدوده، وأن الهجرة ليست فقط إلى مكان، بل إلى “قيمة”، وهكذا أصبحت الكفاءة تقاس باللغة الأجنبية، والتقدم يُختصر في اقتناء أنماط الحياة الغربية، بينما بقيت المحاولات الجادة لإحياء النموذج المحلي تُواجه بالسخرية أو التشكيك أو الاتهام بالتخلف.
أما على الصعيد النفسي، فقد ولد هذا الوضع حالة من القلق العميق والانقسام الداخلي. فالشخص المستلب، حتى لو حاول تقليد النموذج المهيمن، يدرك في قرارة نفسه أنه غريب عنه، وأنه لن يُقبَل فيه على قدم المساواة، مما يخلق شعورًا دائمًا بالنقص والشك بالذات، ويؤسس لطبقة من الأفراد يشعرون أن لا قيمة لهم إلا بقدر ما يقتربون من “الآخر”. وفي المستوى الجمعي، ينعكس هذا التمزق في ضعف التضامن الاجتماعي، وتفكك القيم، وانحسار الثقة بين الفرد والمجتمع، بل وبين الإنسان وتاريخه.
هذه ليست نتائج نظرية، بل وقائع موثقة، نراها في طريقة تعاطي الإعلام مع رموز الأمة، وفي طريقة تفكير النخبة حين تسعى لتقليد نماذج مستوردة دون تكييف، وفي الطريقة التي تتعامل بها الشعوب مع لغتها وتاريخها، وحتى مع دينها. وحين تستمر هذه النتائج عبر أجيال، فإنها لا تبقي أثرًا للاستعمار كحدث، بل تؤسس لحالة استعمار دائم في الوعي، تعيق أي محاولة للنهوض الجاد.
سُبل التحرر من الاستلاب وبناء وعي حضاري أصيل
التحرر من الاستلاب الثقافي ليس مهمة نظرية فقط، ولا ينجز بقرار سياسي أو شعار إعلامي، بل هو مسار طويل ومعقد، يبدأ أولًا باستعادة القدرة على الفهم الذاتي، والعودة إلى سؤال: من نحن؟ كيف نرى أنفسنا؟ وما المعايير التي نقيس بها أفعالنا وتاريخنا ومستقبلنا؟ وهو سؤال لا يمكن الإجابة عليه بمنطق رد الفعل على الآخر، ولا بالتقوقع في تمجيد الماضي، بل من خلال بناء رؤية حضارية نابعة من داخل السياق، تستند إلى الذاكرة التاريخية، وتعي متغيرات الحاضر، وتملك تصورًا حقيقيًا للمستقبل. وهذه الرؤية لا تنشأ في فراغ، بل تحتاج إلى أدوات واضحة ومؤسسات حاضنة، ووعي جمعي متدرج ومتجذر.
الخطوة الأولى في هذا المسار هي تفكيك الخطاب المفروض، من خلال مراجعة جذرية للمفاهيم والمصطلحات التي تُستخدم في وصف واقعنا وتاريخنا، لا يكفي أن نقول إن “النزاع العربي الإسرائيلي” وصف غير دقيق، بل يجب أن نعيد صياغة الخطاب العام حول فلسطين بوصفها قضية احتلال ومقاومة، لا خلافًا سياسيًا، ولا يكفي أن نشير إلى أن التعليم الحالي مستورد، بل ينبغي أن يُعاد بناء المناهج المدرسية لتخرج إنسانًا يعرف تاريخه، ويفهم سياق أمته، ويقرأ العالم من زاوية مستقلة، وهذا يتطلب إصلاحًا معرفيًا عميقًا، يبدأ من اللغة، ولا ينتهي عند المؤسسة التربوية، بل يشمل الإعلام، والجامعة، والمؤسسات الدينية، والمراكز الثقافية.
أما على المستوى الثقافي، فإن التحرر من الاستلاب يمر عبر إحياء الذاكرة الحضارية لا من باب الحنين، بل من باب الفهم والبناء، إن إعادة قراءة التاريخ الإسلامي والعربي يجب أن تكون قراءة نقدية، تتجاوز الاستهلاك العاطفي، وتسعى إلى استخراج النماذج الحية التي ساهمت في إنتاج حضارة إنسانية ذات أثر عالمي، دون أن تسقط في التقديس أو التشويه. وفي هذا السياق، تظهر أهمية مشروع مثل مشروع مالك بن نبي في إحياء فكرة “الفاعلية الحضارية”، وفكرة أن النهضة ليست مجرد نقل أدوات، بل بناء الإنسان أولًا، وإعادة تركيب علاقته بنفسه ومجتمعه والعالم.
ويكتمل هذا التحرر أيضًا بامتلاك أدوات التعبير المستقلة، أي بخلق منصات ثقافية وتعليمية وإعلامية وفنية تعبر عن ذات الأمة دون خضوع للتمويل الخارجي أو الاستلاب المفاهيمي، إننا اليوم نعيش في عالم مفتوح، لكن هذا الانفتاح لا يعني الذوبان، بل يتطلب وعيًا أكبر بالموقع الذي نقف فيه، واللغة التي نتكلم بها، والرسالة التي نحملها، وقد رأينا كيف أن أممًا عديدة، كالصين وتركيا وماليزيا، استطاعت أن تدخل الحداثة من أبوابها دون أن تتخلى عن لغتها ولا عن تاريخها، لأنها دخلت وهي تعرف من تكون، وتُميّز بين الاقتباس الواعي والتقليد الأعمى.
وأخيرًا، لا بد من التأكيد على أن التحرر من الاستلاب لا يعني الانغلاق ولا العداء للآخر، بل يعني أن تكون لنا أدوات نقده كما ننتقد أنفسنا، وأن نقيم علاقات الندية لا التبعية، وأن نستعيد قدرتنا على الاختيار، لا أن نظل أسرى لما يُقدَّم لنا باعتباره الطريق الوحيد للنجاة
حين تتبنى الأنظمة والنخب العربية سردية العدو في التهجير وسرقة الأرض
من المظاهر الصارخة للاستلاب الثقافي في سياقه العربي الحديث، ما يمكن أن يسمى تبنيًا رسميًا أو شبه رسمي للسردية التي صاغها العدو حولنا، خصوصًا في القضايا التي تمس وجود الشعوب وأرضها وحقها في الحياة، وعلى رأسها قضية فلسطين، لم يعد الأمر مقتصرًا على أفراد أو نخب معزولة تتبنى الرواية الصهيونية تلميحًا أو تصريحًا، بل امتد في بعض السياقات إلى الخطاب الرسمي نفسه، حتى باتت مفردات “الصراع”، و”التفاوض”، و”الحلول السلمية”، و”الطرفان”، مفردات معتمدة في بيانات ومناهج وإعلام، رغم أنها تُعيد إنتاج سردية تقوم في جوهرها على طمس أصل الجريمة: الاحتلال والتهجير وسرقة الأرض.
منذ النكبة، حرصت الحركة الصهيونية على فرض رواية ترى أن الأرض “خالية” أو أن سكانها “غادروا طوعًا”، أو – في أفضل الأحوال – أنهم باعوا أرضهم بمحض إرادتهم، هذه الرواية لم تكن مجرد دعاية داخلية، بل سعت بكل الوسائل إلى فرضها على العالم، من خلال الدعم السياسي الغربي، ومنظومة الإعلام العالمي، والمراكز البحثية الممولة، والمؤسسات الدولية المنحازة. ومع الزمن، بدأت هذه السردية تسرب داخل الوعي العربي، ليس فقط عبر الإعلام، بل من خلال خطاب التبرير والتطبيع والتبرؤ، وكأن الفلسطيني مسؤول عن نكبته، أو كأن الكارثة كانت قدرًا محتومًا لا فعلًا استعماريًّا مخططًا.
وقد استُخدمت شائعة “أن الفلسطينيين باعوا أرضهم” بوصفها مخرجًا نفسيًّا وسياسيًّا للتنصل من واجب الدعم، أو من عبء الشعور بالذنب، لكنها شائعة دُحضت تاريخيًا بشكل قاطع؛ إذ تُظهر سجلات الطابو العثمانية، ثم البريطانية، أن الغالبية الساحقة من الأراضي ظلت في يد الفلسطينيين حتى بعد بدء الاستيطان اليهودي، وأن ما تم بيعه من أرض كان في معظمه عبر وسطاء لبنانيين أو سوريين مرتبطين بالإدارة الاستعمارية، وأن الجماهير الفلسطينية واجهت الاستيطان بالثورات والتمردات المتكررة، من ثورة البراق (1929) إلى الثورة الكبرى (1936–1939)، ومع ذلك، استمر تكرار هذه السردية حتى أصبحت بعض المناهج الدراسية العربية تتجاهل أصل القضية، أو تتعامل معها بوصفها “نزاعًا” تاريخيًا معقدًا.
ولم يكن القبول بالسردية الصهيونية محصورًا في قضية التهجير وحدها، بل امتد إلى مفاهيم مثل “اللاجئ” و”النازح” و”المشكلة السكانية”، التي تُفرغ القضية من أبعادها السياسية والحقوقية، وتُعيد تأطيرها كملف إنساني أو إغاثي، لا كجريمة مستمرة ضد شعبٍ تم انتزاعه من أرضه، وهنا يظهر أثر الاستلاب في أشد صوره: حين تُعاد صياغة المأساة بمصطلحات العدو، وحين يُطلب من الضحية أن تثبت براءتها في محكمةٍ يديرها الجلاد.
إن الأنظمة التي تتبنى هذا الخطاب – صراحةً أو ضمنًا – لا تكتفي بإعادة إنتاج مفردات الهيمنة، بل تسهم فعليًا في تثبيتها داخل الوعي العام، عبر المناهج والخطاب الإعلامي والسياسات الثقافية، فترسخ في أذهان الشعوب صورةً مشوهة عن ذاتها، وتجعل من قضاياها الأساسية ملفات معلقة بلا مضمون، تقدم في أطرٍ قانونية أو تفاوضية منفصلة عن جذورها التاريخية والأخلاقية، ومع الوقت، تنشأ أجيال لا ترى في التحرر حقًا، بل عبئًا سياسيًا، ولا في العدالة مبدأ، بل شعارًا مؤجَّلًا، وتتعامل مع أوضح صور الظلم بوصفها واقعًا طبيعيًا لا يستحق الغضب، بل التكيف. وهذا هو جوهر الاستلاب: أن يُعاد تشكيل الشعور، وأن تتبلد الاستجابة، وأن تُصاغ المفاهيم بلغة لا تعبر عن حقيقة التجربة، ولا تنتمي إلى السياق الذي نشأت فيه.
ومن هنا، فإن تحرير الوعي لا يمكن أن يُختزل في إصلاح مؤسسي أو نقد أكاديمي، بل يبدأ بإعادة النظر في الطريقة التي نفهم بها أنفسنا، وفي اللغة التي نتحدث بها عن هويتنا وتاريخنا وقضايانا، لسنا أمام معركة بين ثقافتين فحسب، بل أمام صراع على المرجعية، على الحق في التفسير، وعلى امتلاك القدرة على النظر إلى العالم من موقعٍ غير الذي رُسم لنا، وهذا يتطلب جهدًا متراكمًا، لا يعيد فقط الاعتبار إلى التاريخ، بل يُعيد ترتيب العلاقة معه: لا بوصفه ماضٍ مغلق، بل مشروعًا مفتوحًا يحمل دلائل الفهم وشروط الاستئناف.
إن نقد الاستلاب ليس دعوة إلى انغلاق أو نفي للآخر، بل هو دعوة إلى توازن أصيل، يقوم على أن نُبصر العالم من حيث نقف، لا أن نُعيد تعريف أنفسنا بما يُلقى علينا. فما لم نمتلك مفرداتنا، ونبني خطابنا من أرضية حضارية واعية، فسنظل نُستدعى إلى قضايانا بوصفنا أطرافًا غريبة، ونُحاكَم بتاريخنا كما لو كان تهمة، ونُطالَب دائمًا بإثبات وجودنا في ساحة صاغها غيرنا بمعاييره.
ولن تخرج الأمة من هذا القيد إلا إذا استأنفت وعيها بنفسها، لا لتدعي امتيازًا، بل لتستعيد أهليتها، وتملك حقها في الكلام والفعل.
