
في عالم تُحدِّد فيه موازين القوى شكل اللغة، وعمق المفاهيم، لم يعُد مصطلح “السلام” بريئًا أو محايدًا. السلام، في السياق العربي–الإسرائيلي تحديدًا، لم يكن يومًا نهايةً طبيعية لصراعٍ طويل، بل أُعيد تصنيعه وتدويره ليصبح أداة سياسية لإعادة ترتيب المنطقة بما يخدم مصالح المنتصر، ويُعيد إنتاج البلاد المحتلة في صورةٍ أكثر طواعية، أقل مقاومة، وأكثر انسجامًا مع النظام الدولي الجديد.
وقد تجلى مع الوقت أن ما يُعرض اليوم على الشعوب العربية، ليس سلامًا نابعًا من تسوية عادلة، بل صيغة معدلة للهزيمة، تُحاط بمفردات براقة مثل “الواقعية السياسية”، و”الشراكة الاقتصادية”، و”أمن الإقليم”. لكن هذه المفردات، حين تفرَّغ من شروط العدالة والحق، تصبح غطاءً جديدًا لاستمرار الاحتلال، وتمديد الهيمنة، وإلغاء فكرة المقاومة من جذورها، فالتفاوض الذي لا يقوم على الندية لا يُنتج توازنًا، بل يثبت الخلل، ويمنحه توقيعًا رسميًّا.
لقد تحوَّلت اتفاقيات السلام الكبرى — من كامب ديفيد إلى وادي عربة إلى أوسلو — إلى لحظات تأسيس جديدة للمنطقة، لا تنهي الصراع بل تغير تموضعه. فبدلًا من أن يكون الكيان الصهيوني كيانًا دخيلًا مرفوضًا في وجدان الأمة، أصبح شريكًا محتمَلًا في مشاريع التنمية، والتقنية، والاستقرار. لم يُسحب السلاح من يده، بل سُحبت اللغة من أفواهنا، وأُعيد تشكيل الخطاب ليصبح من يقاوم “معطلًا للسلام”، ومن يُطبِّع “رائدًا للتقدم”، وهنا تمامًا تنكشف وظيفة السلام في صيغته المفروضة: ضبط الوعي العام، أكثر من ضبط الحدود الجغرافية.
فالمسألة لم تعُد محصورة في ورقة تُوقع، أو علاقات دبلوماسية تُستأنف، بل تتجاوز ذلك إلى هندسة عميقة للوجدان السياسي العربي. يتم فيها إعادة تعريف “العدو” لا كخصمٍ وجودي، بل كجار متقدم يمكن الاستفادة من خبراته، وتُفرغ الذاكرة الجمعية من رموزها، وتُعاد كتابة التاريخ المدرسي بمصطلحات رمادية، وتُقدم الخيانة كـ”خيار سيادي”، بينما يُجرم الرفض بوصفه “خطاب كراهية”.
هذا الانقلاب المفاهيمي لم يكن ممكنًا لولا أدوات اشتغال طويلة النفس، تراكمت عبر الإعلام، والتعليم، والدراما، والمشاريع الثقافية الممولة، حتى تحوَّل “السلام” من كونه سؤالًا سياسيًّا إلى كونه بيئة ثقافية كاملة، يُنتج فيها الجيل الجديد وقد انفصل عن منطق الحق، واقترب من منطق المصلحة الباردة. بل بات كثيرون يرون أن الحفاظ على “الاستقرار” أهم من تحرير الأرض، وأن مقاومة المحتل عبء على كاهل دولة تبحث عن جذب الاستثمارات لا عن استعادة السيادة.
في مثل هذا المشهد، يصبح الدفاع عن المفاهيم فعلًا مقاومًا في حد ذاته؛ لأن الحرب لم تعُد تجري على الأرض فقط، بل على اللغة والمعنى. ومن لا يُدرك أن المفردة السياسية حين تُسلَب من مضمونها تُصبح أداة تضليل، سيجد نفسه يروِّج لهزيمته بوصفها “مصلحة وطنية”، ويُعيد إنتاج استسلامه تحت راية “السلام العادل”.
إن السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس: هل نريد السلام؟ بل: أيُّ سلامٍ نريده؟
أهو السلام الذي يستند إلى استعادة الحقوق والاعتراف بالجرائم ويُبرم في ظل الندية؟ أم ذاك الذي يُفرض على الضحية، ثم يُسوَّق لها باعتباره مظهرًا من مظاهر العقل الرشيد؟ وإذا كانت اتفاقيات السلام لم تُنهِ الاحتلال، ولم تُوقف الاستيطان، ولم تُنصف اللاجئين، ولم تُحرر الأسرى، فبأي منطق يُسمى هذا سلامًا؟ بل الأدق أن نسأل: هل ما يُطلب منَّا هو السلام، أم الخضوع؟ لأننا إذا فقدنا القدرة على التسمية، سنفقد معها القدرة على الرفض، وسنجد أنفسنا في نهاية المطاف نُفاوض على فتات ذواتنا، لا على قضيتنا.
لقد أصبح “السلام” في التجربة العربية أداة لغوية أكثر من كونه مشروعًا سياسيًّا، أداة تُستعمل لتسكين الصراع لا لحله، ولشرعنة الوقائع لا لمساءلتها، وهو في كثير من حالاته، لا يتوجه نحو إنهاء العدوان، بل نحو إعادة تعريفه بما يجعله مقبولًا. وهكذا، تتحول بنية الاحتلال من حالة استثنائية إلى واقع لا يُشكل خطرًا في الخطاب، بل “وضعًا قابلًا للإدارة” في أعين السياسيين والمستشارين والخبراء.
وفي ظل هذا التحول، فإن الخسارة ليست فقط في الأرض أو السيادة، بل في البنية العقلية التي تبدأ بتصديق أن كل بديلٍ عن الحرب هو مكسب، حتى وإن كان ذلك البديل هو قبول القهر المقنن، أو الرضا بموقع التابع ضمن نظام إقليمي ودولي لا يعترف إلا بالقوة، بهذا المعنى، يتحول قبول السلام، بصيغته المفروضة، إلى لحظة انهيار عميقة: لا لأنها نهاية المعركة، بل لأنها نهاية الرغبة في الاستمرار.
والمفارقة أن دعاة هذا النوع من السلام غالبًا ما يتحدثون باسم العقل، ويقدمون أنفسهم كواقعيين. لكن “الواقعية” هنا لا تعني فهم الموازين، بل الاستسلام لها. لا تعني بناء استراتيجية للخروج من الضعف، بل تثبيت الضعف كخيار دائم، ويغيب عن هؤلاء أن أعقد اللحظات في التاريخ لم تكن تُكسر بالواقعية السياسية كما تُعرف اليوم، بل بالإرادة الجماعية التي ترفض أن تُعاد صياغتها على مقاس من يحتكر أدوات التعريف.
وكمثالٍ صارخ على كسر هذه الواقعية المصطنعة، تبرز تجربة الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي. فعلى مدى أكثر من قرن من الاحتلال، روَّجت فرنسا لنفسها لا كمحتل، بل كقوة تمدين، وطرحت “السلام” كخيار اندماجي مشروط، يستلزم من الجزائريين التخلي عن هويتهم الدينية واللغوية والتاريخية ليصبحوا “فرنسيين جيدين”. بل إن كثيرًا من الأصوات داخل وخارج الجزائر اعتبرت أن مقاومة دولة كفرنسا، نووية ومتقدمة، ضربٌ من العبث، وأن التكيَّف مع الأمر الواقع هو الخيار الأكثر “عقلانية”.
لكن جبهة التحرير الوطني رفضت تلك القراءة، لا لأنها متهورة، بل لأنها كانت تدرك أن قبول شروط “السلام الفرنسي” يعني القبول بالمحو التدريجي للذات، اختار الجزائريون الحرب، بكل كلفتها الدامية، لأنهم رأوا في الصمت خيانة أطول مدى.
خاضوا كفاحًا مريرًا استمر سبع سنوات ونصف، قُدم فيه أكثر من مليون ونصف شهيد، إلى أن أجبرت فرنسا في النهاية على الاعتراف بالهزيمة وتوقيع اتفاقية الاستقلال في إيفيان عام 1962.
بهذا الانتصار، سقط وهم أن السلام يصنعه القوي، وثبت أن الإرادة الجمعية، إذا تماسكت، قادرة على قلب المعادلة، وكسر منطق الهيمنة، وانتزاع الاعتراف بدل طلبه.
السلام المفروض بهذا الشكل لا يوقف العنف، بل يُعيد توزيعه في الداخل، فحين تُفرض التسوية على مجتمع دون رضاه، ودون تحقيق الحدِّ الأدنى من مطالبه، يتحول الصراع من مواجهة خارجية إلى احتقان داخلي مزمن: بين الأجيال، بين الطبقات، بين من يملك تفسيرًا لما جرى ومن لا يملك. ويصبح “الاستقرار” الظاهري واجهة هشة، تُخفي تحتها طبقات متراكمة من الغضب، والخذلان، والانفجار المؤجل.
والأخطر من هذا كله أن مثل هذا السلام يعيد تشكيل خرائط الاصطفاف الداخلي، فبدل أن يكون العدو واضحًا، يصبح الغريم هو من يرفض. ويُعاد تعريف المعارض بأنه “مهدد للسلام”، حتى لو كان سلاحه الكلمة فقط، ومن هنا تبدأ أخطر معارك هذا السلام: معركة تجريم الوعي نفسه، وسحب السياسة من المجال العام، وتحويل كل سؤال عن الحق إلى تهمة بتهديد النظام.
إن البقاء في هذا النوع من الترتيب الإقليمي ليس ضمانة، بل عبء؛ لأن النظام الذي يُبنى على الخضوع لا يُنتج حماية، بل هشاشة مضاعفة. وحين تتغير الظروف الدولية، وتُعاد صياغة الاصطفافات، يُترك أولئك الذين راهنوا على “السلام مقابل لا شيء” بلا أوراق ولا شرعية ولا سند.
ففي النهاية، لا يحفظ السلامَ إلا من يملكون القدرة على خوض الحرب. ولا تضمن الاستقرار سوى الشعوب التي ترفض التنازل عن ذاكرتها. أما الذين يظنون أن السلام يتحقق بالتوقيع وحده، فهم ينسون أن الاحتلال ليس معاهدة يمكن إلغاؤها، بل مشروع طويل لا ينتهي إلا حين يفقد قدرته على الفرض. وهذا لا يحدث بالمساومة، بل بالممانعة المستمرة، حتى وإن تراجعت أدواتها مؤقتًا.
فالسلام الذي لا يُنهي مشروع الإلغاء، ولا يُعيد صياغة العلاقة مع المحتل على أساس الحق لا التبعية، ليس سوى استراحة مبرمجة داخل مسار الإبادة البطيئة.
وأسوأ ما فيه أنه يجعلنا طرفًا في إدارة زوالنا، لا في مقاومته.
في قلب كل معركة سياسية، تُدار حرب موازية على اللغة، الكلمات ليست محايدة، والمصطلحات التي تستعملها النخب السياسية والدبلوماسية والإعلامية تُعيد تشكيل الإدراك، وتُنتج بمرور الوقت مفاهيم جديدة تُخضِع الوعي قبل أن تُخضِع الجغرافيا، وفي قضية الصراع العربي–الصهيوني، لا تقل معركة المصطلحات خطورةً عن المعركة العسكرية. بل إن الكثير من الهزائم التي تم تسويقها كـ”إنجازات سياسية” مرَّت عبر نوافذ لغوية خادعة، صيغت بعناية كي تُعيد تعريف الحدث وتُعيد توزيع المسؤوليات.
أحد أبرز هذه المصطلحات هو تعبير “السلام مقابل الأرض”، الذي شاع في أدبيات التسوية منذ مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو. هذا التعبير يوحي ضمنًا أن الطرف العربي كان يملك أوراقًا تفاوضية ذات وزن، وأن ما جرى كان تبادلًا عقلانيًّا: تطبيع مقابل انسحاب. لكن هذا التوازن اللفظي يخفي حقيقة سياسية مقلقة: أن الأرض التي “أُعيدت” للفلسطينيين لم تكن سيادة، بل “إدارة مدنية” مجتزأة تحت سقف الاحتلال، وأن السلام الذي جرى لم يكن تبادلًا بين حقين، بل مقايضة بين وهم السيادة وبين التزام أمني مطلق لصالح العدو.
مصطلح آخر يستحق الوقوف عنده هو “الشريك الاستراتيجي”، والذي بدأ يظهر تدريجيًّا في الخطاب الرسمي لبعض الدول العربية عند الإشارة إلى الكيان الصهيوني. في هذا التحول اللغوي، لا يتم فقط تحييد الكيان عن موقعه بوصفه “عدوًّا”، بل يُمنح توصيفًا وظيفيًّا يضعه في قلب منظومة المصالح المشتركة، والأمن الإقليمي، والتعاون التكنولوجي. الكلمة هنا لا تصف واقعًا، بل تُنتج واقعًا. لأنها لا تعبر فقط عن تغيير في الموقف السياسي، بل عن انتقال كامل في البنية المعرفية للعلاقة.
أما مصطلح “الاستقرار الإقليمي”، فهو الأكثر رواجًا والأقل تفكيكًا. يُستعمل بوصفه الغاية العليا التي تبرر أي تنازل. لكنه غالبًا ما يُطرح خارج أي سياق يُحدد من يهدد هذا الاستقرار أصلًا. فالاحتلال، الذي يمثل أصل الخلل، يُستثنى من المعادلة، بينما تُحمل المقاومة المسؤولية. وبذلك يتحول المصطلح إلى أداة لتجريم الفعل التحرري، وتبرئة الفعل الاحتلالي، باسم حماية “النظام”.
وفي ذروة هذا الانقلاب المفاهيمي، يظهر مصطلح “التطبيع الكامل” كإنجاز تفاوضي يُحتفى به في البيانات الرسمية، دون أن يُسأل عن مضمونه أو مآلاته. فما هو “الكامل” في هذا التطبيع؟ هل هو إزالة الحواجز النفسية، أم الانخراط الاقتصادي، أم التعاون الأمني؟ ولماذا يكون التطبيع هدفًا في ذاته، وكأن وجود العلاقة مع العدو شرطٌ للنضج السياسي والانفتاح الحضاري؟ إن تسويق التطبيع بوصفه “إيجابية مستقبلية” يخفي أنه في جوهره تخلٍّ عن موقع الرفض، لا نضجٌ في إدارة العلاقة.
وهكذا، تتحول اللغة من وسيلة توصيف، إلى وسيلة تطبيع. وتُعاد كتابة الواقع لا بما يجري ميدانيًّا، بل بما يُقال عنه. وتغدو المفردة السياسية أداة تهيئة ذهنية، تسبق أي اتفاق، وتضمن تمريره في الخيال الجمعي قبل أن يُوقَّع في العلن.
لا يكتمل تحليل مفهوم “السلام” في السياق العربي–الصهيوني دون المرور بزاويته القانونية، التي غالبًا ما تُهمش لحساب الخطاب السياسي أو الإعلامي، لكن الواقع أن “السلام” في القانون الدولي ليس مجرد اتفاق يُوقع بين طرفين، بل عملية معقدة تستند إلى شروط قانونية محددة، في مقدمتها إزالة أسباب النزاع، وإعادة الحقوق المسلوبة، وتحقيق العدالة الانتقالية حيث يلزم.
وفقًا للقانون الدولي، وبالأخص ميثاق الأمم المتحدة، فإن الاحتلال العسكري لأرضٍ بالقوة لا يُضفي على المحتل أي شرعية، بل يُعد انتهاكًا صريحًا للمادة 2 من الميثاق، التي تحظر التهديد بالقوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، كما أن اتفاقيات جنيف الرابعة تجرم الاستيطان ونقل السكان إلى الأراضي المحتلة، وتُلزم القوة المحتلة باحترام السكان الأصليين وعدم تغيير الطابع الجغرافي أو السكاني للمناطق الخاضعة لاحتلالها.
من هذا المنظور، فإن أي “اتفاق سلام” يُعقد دون إعادة الأرض المحتلة، أو يُحيد مبدأ حق العودة، أو يتغاضى عن الانتهاكات الكبرى لحقوق الإنسان، لا يُعد سلامًا شرعيًّا بالمعنى القانوني، بل تسوية سياسية تُبرم تحت الضغط، وتفتقد للركن الجوهري للسلام القانوني: العدالة.
خذ مثلًا القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن بعد حرب 1967، والذي نَصَّ على انسحاب القوات الإسرائيلية من “أراضٍ احتلتها” في النزاع الأخير، مع التأكيد على عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة. هذا القرار، رغم غموض بعض صياغاته المتعمَّدة، يُعد مرجعًا رئيسيًّا في مفاوضات السلام، لكنه غالبًا ما يُستعمل بطريقة انتقائية، حيث يُركّز على الاعتراف المتبادل وتطبيع العلاقات، ويتجاهل شرط الانسحاب الكامل كأساس لأي تسوية متوازنة.
كذلك، فإن حق اللاجئين في العودة، كما أقره القرار 194 عام 1948، لا يسقط بالتقادم، ولا يمكن تجاوزه بمشاريع التوطين أو التعويض، ما لم يكن ذلك خيارًا حرًّا مبنيًّا على الإرادة الفردية. ومع ذلك، فإن معظم اتفاقيات السلام المبرمة — من أوسلو إلى اتفاقيات أبراهام — تجاهلت هذا الحق أو همشته، ما يجعل هذه الاتفاقيات، من زاوية القانون الدولي، ناقصة العدالة، ومطعونًا في مشروعيتها الأخلاقية.
إن تهميش البعد القانوني في مقاربة السلام، واستبداله بالمنطق السياسي البحت، يؤدي إلى تفريغ العملية برمتها من مضمونها الحقوقي. بل يُحوّل الصراع من قضية تحرّر شعب من احتلال، إلى “نزاع إداري” بين طرفين متكافئين يُبحث له عن تسوية. وهذا الانزلاق ليس بريئًا، بل مقصود ومُمنهج، لأنه ينقل الصراع من ساحة الحق إلى ساحة التفاوض، حيث يسهل فرض الشروط وشرعنة التفريط.
السلام الحقيقي لا يُقاس بعدد العواصم التي تطبع، ولا بعدد السفارات التي تُفتح، بل بمقدار العدالة التي يُعيدها إلى أصحابها. وكل اتفاق لا يُنهي الاحتلال، ولا يُعيد الحقوق، ولا يعترف بالجرائم المرتكبة، يبقى محض وثيقة سياسية لا تملك وزنًا قانونيًّا ثابتًا، ولا يمكنها إنتاج الاستقرار طويل المدى.
حين وقعت “اتفاقيات أبراهام” في عام 2020 بين الكيان الصهيوني وعدد من الدول العربية، رُوج لها باعتبارها نقلة نوعية في مسار “السلام الإقليمي”، وتحولًا تاريخيًا في منطق العلاقات العربية–الإسرائيلية. لكن التدقيق في سياق هذه الاتفاقيات ومضامينها يكشف أنها تمثل ذروة تحول خطير: من السلام بوصفه تسوية سياسية مؤقتة، إلى السلام بوصفه صيغة تطبيع حضاري وثقافي شامل، يُراد له أن يعيد إنتاج العلاقة مع الكيان على مستوى العمق الاجتماعي والوجداني، لا على مستوى الأنظمة فقط.
ما يميز هذه الاتفاقيات عن سابقاتها — مثل كامب ديفيد أو أوسلو — أنها لم تُقدَّم على أساس “حل النزاع” أو إنهاء الاحتلال، بل على أساس “رؤية جديدة للمنطقة”، يكون فيها الكيان الصهيوني جزءًا طبيعيًا من نسيجها، ويُعامل لا كمحتل يجب إنهاء وجوده، بل كـ”شريك إقليمي” له دوره في الأمن، والاقتصاد، والبيئة، والتعليم، والثقافة. لقد غاب تمامًا أي مضمون حقوقي أو قانوني في هذه الاتفاقيات؛ لم يُذكر الاحتلال، ولا اللاجئون، ولا القدس، ولا حدود 1967، بل تم تجاوز كل ذلك لصالح خطاب جديد: خطاب المصالح المشتركة، و”السلام من أجل الازدهار”.
ولأن هذه الاتفاقيات لا تقوم على إعادة الحقوق، بل على إعادة صياغة العلاقة، فإن أثرها لم يُحصر في النطاق الدبلوماسي، بل امتد إلى أربعة مجالات رئيسية:
أولًا: المجال الإعلامي
بدأت موجة إعلامية ضخمة لإعادة تعريف الكيان الصهيوني في الوعي العام. لم يعد يُقدم في بعض المنصات بوصفه محتلًا، بل بوصفه دولة متقدمة في التكنولوجيا والزراعة والسياحة، يُشجَّع الشباب العربي على التعرف عليها، بل وعلى “كسر الصورة النمطية عنها”. وتم تسويق الزيارات إلى تل أبيب وكأنها خطوة تحرر ثقافي، وليست اختراقًا لأساسيات الوعي.
ثانيًا: المجال الفني والترفيهي
دخل التطبيع إلى السينما، والموسيقى، والمحتوى الرقمي. أُنتجت أعمال فنية تظهر اليهودي بوصفه “جارًا طبيعيًا”، وتم تغييب صورة المحتل. وحين يُقدَّم الصراع، يُقدَّم كـ”خلاف قديم” يمكن تجاوزه. كما بدأت مبادرات فنية مشتركة، تُستخدم فيها الرموز الثقافية كجسر للدمج الرمزي، من المطبخ إلى الموسيقى.
ثالثًا: المجال التربوي والمعرفي
في بعض الدول، طُرحت مراجعات للمناهج التعليمية بحجة “إزالة خطاب الكراهية”، وهو تعبير ناعم غالبًا ما يُستخدم لتجريد القضية من جذورها التاريخية والحقوقية، بعض المقررات أُعيدت صياغتها بحذف مصطلحات مثل “العدو”، أو تقليل ذكر فلسطين كقضية مركزية. الهدف لم يكن فقط تغيير الخطاب، بل إعادة تشكيل الجيل الجديد دون ذاكرة سياسية واضحة.
رابعًا: المجال الديني
واحد من أخطر الأبعاد المستحدثة هو استخدام الرموز الدينية المشتركة — كإبراهيم — لإضفاء شرعية دينية على اتفاق سياسي. تم تسويق الاتفاقيات تحت عنوان “اتفاقات إبراهيم”، في محاولة للقول إن هذا السلام ليس مصلحة سياسية فحسب، بل تعبير عن وحدة إيمانية روحية، متجاوزًا كل وقائع الدم والاحتلال.
هذا التوظيف للدين ليس بريئًا، بل يُعيد توجيه الإيمان ليخدم مشروعًا سياسيًا لا علاقة له بالعدالة، بل بالتكيف والتطبيع.
والنتيجة أن هذه الاتفاقيات، على عكس ما يُروَّج، لا تُنهي صراعًا، بل تنقله من الساحة السياسية إلى الساحة الرمزية. هي لا تُحل النزاع، بل تُمأسس النسيان. ولذلك، فإن خطرها ليس في ما وقّعته الدول، بل في ما يُعاد زرعه في عقول الناس على المدى البعيد: أن العلاقة مع العدو قدر، وأن القضية عبء، وأن الخضوع هو العقل.
في ضوء التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقليم، ومع اشتعال جبهات جديدة في المنطقة — سواء في غزَّة أو في جنوب لبنان أو البحر الأحمر أو إيران — تعود الأسئلة الكبرى إلى السطح، لا بوصفها أسئلة نظرية، بل كأسئلة وجودية تتعلق بمصير الوعي العربي، وتموضعه داخل المشهد الدولي.
في هذه اللحظة، يتكشف أمامنا هشاشة الخطاب الذي بشر لعقود بأن “السلام هو الخيار الاستراتيجي الوحيد”، وأن الانفتاح على الكيان الصهيوني سيمنح المنطقة استقرارًا ونموًّا وتقدمًا. كل ما تم الترويج له بوصفه نهاية للصراع، تحول إلى مرحلة انتقالية نحو مزيد من التهديد، والتفكك، والتناقضات البنيوية.
فالمفارقة أن السنوات التي شهدت أوسع موجة تطبيع عربي، هي ذاتها التي تشهد اليوم أعلى مستويات الانكشاف الجيوسياسي، وأشد أنواع الهشاشة الاجتماعية. تتبدى الخريطة الإقليمية وقد انقسمت إلى محاور لا توحّدها المصالح، بل تُفرّقها الولاءات، وتحركها القوى الكبرى وفقًا لميزان ما فوق وطني.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: “ماذا نفعل بالصراع؟” بل: “ماذا تبقى لنا من شروط الوجود كفاعل مستقل؟”
فما يجري لا يكشف فشل مشاريع التسوية فحسب، بل يُعري الأسس التي قامت عليها تلك المشاريع: وهم أن القضية يمكن أن تُحل من خارج شعوبها، وأن الكيان الصهيوني يمكن أن يتحول إلى شريك دون أن يتخلى عن كونه كيانًا استيطانيًّا توسعيًّا.
المعادلة التي رُوِّجت طيلة عقود: “أمن مقابل سلام” أو “تطبيع مقابل رفاه اقتصادي”، أثبتت أنها غير قابلة للاستمرار، لا لأنها غير عادلة فقط، بل لأنها تتجاهل طبيعة الصراع بوصفه صراعًا وجوديًّا، لا نزاعًا حدوديًّا.
وفي هذا السياق، يتبين أن خيار السلام، بصيغته السائدة، لم يكن مشروعًا لإنهاء الحرب، بل مشروعًا لتأجيل الانفجار، وضبط الكتلة العربية داخل هندسة سياسية واقتصادية تخدم مَن يملكون أدوات القرار.
والسؤال الأخطر الآن ليس فقط عن المستقبل، بل عن الحاضر ذاته: هل لا يزال ممكنًا استعادة الحد الأدنى من شروط الفاعلية العربية؟ أم أننا دخلنا فعليًّا مرحلة إدارة التفكك؟
ليس الخطر أن نخسر الأرض، بل أن نخسر الإحساس بأن هناك شيئًا يجب أن يُستعاد.
ليس أن يُعاد تعريف العدو، بل أن يفقد الناس قدرتهم على التمييز أصلًا.
وهكذا يصبح الصمت فضيلة، والنسيان سياسة، والتعايش مع الباطل أسلوب حياة.
واحدة من أكثر التحولات خطورة في العقود الأخيرة، هي تحول السردية السائدة من سردية المقاومة، إلى سردية الدولة، لم يعد الصراع مع الاحتلال يُقدَّم في الخطاب العام بوصفه قضية تحرر وطني، بل بات يُعاد تأطيره كملف سياسي، مرتبط بالسيادة، والميزانية، والاستقرار الداخلي، و”المكانة الدولية”. وبذلك، تحول ما كان في السابق معركة كرامة ووجود إلى معضلة إدارية قابلة للمساومة، والتأجيل، وإعادة الجدولة.
سردية المقاومة تنطلق من منطق الحق المطلق: أن الاحتلال باطل لا يُمكن التعايش معه، وأن تحرير الأرض ليس خيارًا سياسيًّا بل واجب أخلاقي وتاريخي، وأن أي تسوية لا تُعيد الحقوق كاملة هي تفريط مغلف. في المقابل، سردية الدولة — كما تُبنى في أنظمة ما بعد الاستقلال — تُعيد تعريف المعركة على أساس موازين القوى، وحسابات التمويل، والمكانة التفاوضية، ومصالح النظام. وهي لا تُلغي الصراع، لكنها تُعيد تأطيره بحيث يُصبح مقيدًا بقوانين ضبط الأمن، و”تحقيق المكاسب الممكنة”.
النتيجة أن الأجيال التي نشأت في ظل سردية المقاومة، نشأت وهي ترى أن القضية مركزية، وأن المواجهة قدر، وأن الحق لا يُفاوض عليه. بينما الأجيال التي تربت على سردية الدولة، كرس لديها أن الحفاظ على “الوضع القائم” هو أولى من محاولة تغييره، وأن الحديث عن المقاومة بات عبئًا على موارد الدولة واستقرارها ونظامها الإقليمي.
هذا التحول لم يكن مجرد اختلاف بين جيلين، بل بين نمطين من الوعي: وعي يرى في المقاومة امتدادًا للكرامة، ووعي يرى في الكرامة ترفًا يجب تأجيله لحين تحسين الظروف الاقتصادية أو التوازنات الدولية. وهو ما أنتج شروخًا عميقة داخل المجتمعات العربية، بحيث لم يعُد العدو واضحًا كما كان، ولم تعد المقاومة محل إجماع، بل محل مساءلة وربما تجريم.
وهكذا، تتآكل القضية لا من الخارج فقط، بل من الداخل: لا بفعل الاستعمار، بل بفعل خطاب سياسي رسمي يُفرغها من رمزيتها، ويُعيد إنتاجها كملف إداري. ويتم هذا من خلال مفردات مدروسة: “التعايش”، “حل الدولتين”، “التطبيع الإيجابي”، “الاندماج الإقليمي”، وهي تعبيرات لا تُنهي الاحتلال، بل تُعيد تأهيله ليبدو طبيعيًّا، محايدًا، وربما حتى مفيدًا.
لكن المقاومة، في جوهرها، لم تكن يومًا وظيفة مؤسسية، ولا مشروعًا حكوميًّا، بل كانت دومًا تعبيرًا عن الإرادة الشعبية حين تتجاوز حدود السلطة، وتفتح أفقًا جديدًا للفعل خارج منطق الدولة.
وهنا يظهر جوهر الصراع الحقيقي: ليس فقط بين شعب ومحتل، بل بين من يرى في الكيان خطرًا يجب مقاومته، ومن يرى فيه واقعًا يجب التكيف معه.
إن جوهر السؤال لم يعُد متعلقًا بموقف سياسي ظرفي، بل بمسار تاريخي كامل يُعاد تشكيله بأدوات ناعمة، تُخاطب الوعي لا السلاح، وتستهدف المعنى قبل الجغرافيا. لقد بات واضحًا أن ما يُروَّج له باسم السلام ليس إنهاءً للصراع، بل إعادة توزيع للهزيمة، بحيث تبدو مقبولة، واقعية، وربما حتى مرغوبة، وهو ما يفرض علينا إعادة التفكير في المفاهيم، لا في المواقف فحسب؛ أن نُعيد تعريف ما نرفضه وما نقبله، لا من منطلق التوازنات الراهنة، بل من منطلق الحقيقة العميقة للصراع: أن الاحتلال لا يُداوى بالمجاملات، وأن الكرامة لا تُدرج في بنود التفاوض.
فالسلام، إن لم يكن عدلًا، كان امتدادًا للقهر بأدوات أقل ضجيجًا. والتسوية، إن لم تُنصف الضحية، صارت شراكة في تثبيت الجريمة. والمقاومة، في زمن اختلال المفاهيم، لم تعد فعلًا ميدانيًا فحسب، بل أصبحت ضرورة معرفية لاستعادة اللغة، والذاكرة، والحقائق الأساسية التي يراد لها أن تُمحى.
وإذا كان السلام في جوهره وعدًا بالمستقبل، فإن السؤال الباقي هو: أي مستقبل نُصادق عليه اليوم، حين نوقع على طمس هويتنا ومحو كل ما تبقى من حضارتنا؟
