البروباجندا الأمريكية من فيتنام إلى فوردو

قبل أن ينتهي السابع من أكتوبر 2023 خرج الرئيس الأمريكي جو بايدن ليؤكد أنه رأى موادًا مصورة لعناصر حماس وهم يقطعون رؤوس أطفال إسرائيليين، لاحقًا تراجع البيت الأبيض عبر الصحافة ببيان مقتضب عن تلك المروية وقال أن الرئيس لم يرَ أي صورًا لقطع رؤوس أطفال إسرائيليين، لم يكن ذلك التصريح الموغل في الكذب بدعة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية وإن كان قد جاء هذه المرة كذبًا غير متقن ومفضوح، فالدعاية الكاذبة من أهم المحاور التي تقوم عليها الإمبراطورية الأمريكية، وهي ليست مجرد تصريحات تتناثر هنا وهناك من على أفواه المسؤولين الأمريكيين، بل ماكينة عملاقة تنتج وتضخ الكثير من المعلومات المضللة والمصطلحات المغرضة والدعاية الكاذبة والخرافات والتضخيم في الفضاء العالمي ومن ثم داخل عقول النخب والجماهير حول العالم.

يستكمل دونالد ترامب المعروف لدى قومه بالكذب مسيرة الرؤساء من قبله، فيقف ليتحدث عن إيران وما فعلته فيما تتعرض إيران لعدوان شامل من الكيان الصهيوني، ثم يردد الأكاذيب تلو الأكاذيب، فيقول إن أسبوعًا واحدًا كان يفصل إيران عن امتلاك قنبلة نووية مبررًا بذلك العدوان عليها، فيما أكدت مخابراته خلاف ذلك، الأمر نفسه الذي حدث حين أكد مرة بعد مرة أنهم دمروا البرنامج النووي الإيراني بالكامل خلافًا للتقارير الاستخباراتية الموثوقة والتي هاجمها.

لماذا يصدق العالم الدعاية الأمريكية، أو على الأقل يتعامل معها كمعطى واقعي لا يمكن الوقوف في وجهه رغم وضوح كذبه؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه هنا.

بتمويل يقارب ما يُرصد لشراء الأسلحة وتصنيعها، قامت الولايات المتحدة وتقوم باستغلال شتى الطرق الدعائية للتمهيد لأي حرب تخوضها، عسكرية كانت أم فكرية، وذلك استناداً إلى معطيات علمية ذات طابع نفسي، واستفتائي.

إن أكبر الصروح الإعلامية في أمريكا، تشارك البيت الأبيض غزواته، وحملاته مع ظاهر نقدي، قد يطل هنا أو هناك.

إلا أن الإدارة الأمريكية، لا تكتفي بهذا النوع من الإسناد، فتعمد إلى تمويل مؤسسات إعلامية قائمة، أو تأسيس وسائل جدية، بهدف الضخ اليومي، إلى شعوب، تلتقط مروحة واسعة من الأخبار، عبر الفضائيات، أو الوكالات، أو الإذاعات وشبكة الانترنت.

تتخطى الدعاية الأمريكية العنوان التجميلي للصورة الذاتية، نحو أسلوب هجومي، مشوه للآخر، الذي كان يومًا سوفياتي وصيني فيتنامي، أما اليوم فهو العربي المسلم بلا منافس.

وقد نجحت الدعاية الأمريكية في بعض المفاصل المحدودة، لكن الفشل كان حليفها في أغلب الأحيان وتحديدًا في العالم العربي حيث تبقى الصورة الأمريكية رمزًا للهيمنة والابتلاع والتوسع.

يقول المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي أن أول عملية دعائية في أمريكا كانت في عهد إدارة الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، انتخب وودرو ويلسون رئيساً في عام 1916 تحت شعار: «سلام بدون انتصار». كان ذلك صحيحًا في خضم الحرب العالمية الأولى إذ كان الشعب الأمريكي نزاعاً جداً إلى الهدوء، وكان لا يرى سبباً في التورط في حرب أوروبية. كانت إدارة ويلسون قد التزمت فعلاً بالحرب وكان لا بد لها أن تفعل شيئاً تجاهها، فأسست لجنة دعاية حكومية أطلق عليها اسم لجنة كريل Creel التي نجحت في غضون ستة شهور في أن تقلب الشعب ذا النزعة الهادئة واللاعنفية إلى شعب هستيري يتاجر بالحرب ويروج لها، ويريد تدمير كل شيء ألماني وتمزيق المانيا إربًا إربًا، ويطالبون بدخول الحرب لإنقاذ العالم.

من بين الذين أسهموا بنشاط وحماس في حرب ويلسون المفكرون التقدميون والدائرون في فلك جون ديوي الذين كانوا يفتخرون كما يلاحظ من كتاباتهم في ذلك الحين، بأنهم بينوا للناس أن من يطلق عليهم صفة أعضاء المجتمع الأكثر ذكاء، ويقصدون أنفسهم، استطاعوا دفع الشعب إلى الحرب رغم عزوفه عنها، وذلك بفضل تخويفهم وإرهابهم وإثارة التعصب الشوفيني في أذهانهم.

أما الوسائل التي استخدمت فكانت متعددة وواسعة النطاق. من ذلك على سبيل المثال، اختلاق قدر كبير من الأعمال الوحشية التي ارتكبها الهون (الألمان)، ومن صور الأطفال البلجيكيين الذين مزقت أذرعهم، ومن كل أنواع الأمور المروعة التي ما زال المرء يقرؤها في كتب التاريخ.

معظم تلك الأحداث اختلقتها وزارة الدعاية البريطانية التي كان التزامها حينذاك، كما تقرر في مداولاتهم السرية، توجيه تفكير معظم العالم. ولكن ما كانوا يسعون إليه من حسم هو الهيمنة على تفكير المزيد من المفكرين في المجتمع الأمريكي الذين سينشرون عندئذ الدعاية التي يلفقونها ويحولون البلاد ذات النزعة إلى الهدوء والسلام إلى هستيريا زمن الحرب.

وفي كتابه “بروباغندا” كتب تشومسكي أنه من المهم «إجبار» الناس على الانحياز للتدخل العسكري في الخارج، فهم في شكل عام سلميون، كما الحال في الحرب العالمية الأولى.

ومن الواجب تعبئتهم، وفي سبيل ذلك يجب إخافتهم. فبرنايس الذي كان مكلفاً إدارة حملة العلاقات العامة في أثناء تدخل واشنطن في غواتيمالا عام 1954 من أجل قلب الحكومة الديموقراطية والرأسمالية، حقق نجاحاً باهراً.

وكان برنامج الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان غير شعبي البتة، وفي عام 1984، كان ثلثا الناخبين على الأقل الذين منحوه الانتصار الساحق يتمنون ألا يطبق سياساته التي تقوم على خفض موازنة التقديمات الاجتماعية وزيادة موازنة التسلح. فالرأي العام بحسب الاستطلاعات يقف ضد هذه السياسات، ولا بأس ما زال هذا الرأي بعيداً من التنظيم والفعل.

ثمة مؤسسات كان من المستحيل تدميرها؛ فالكنائس على سبيل المثال ما زالت قائمة، وقسم كبير من المعارضة في الولايات المتحدة يولد في الكنائس والمفارقة أن الخطاب السياسي لا يلقى من على منبر النقابة بسبب الضعف واللاسياسة المعتمدة، بل كان يلقى من على مذبح الكنيسة.

في الستينات، حين برزت موجة اعتراض شديدة، لجأت «طبقة المتخصصين إلى تعبير «أزمة الديموقراطية» لأن جزءاً من السكان تنظم وتهيأ للدخول في المشهد السياسي.

وبحسب مفهوم النخبة للديموقراطية، فهذه مشكلة «يجب حلها» ومرض يجب الشفاء منه، حتى أنه أطلق على التظاهرات المعادية الحرب فييتنام تناذر فييتنام. وفي السبعينات أطلق نورمان بودوريتز أحد منظري عهد ريغان على هذا النوع من الأنشطة عبارات مأخوذة من علم النفس مثل “كف مرضي لاستخدام القوة العسكرية”.

فقد كان لدى الناس كفّ عضوي عن العنف، فالناس كما يقول تشومسكي، لا تفهم كيف تتدخل الولايات المتحدة وتقصف وتقتل في العالم.

من الضروري، بحسب صحيفة واشنطن بوست في ذروة هستيريا حرب الخليج غرس القيم الحربية في عقول الناس، إذا أردنا – تتبعًا لها – مجتمعًا عنيفًا، يجيد استخدام القوة لتحقيق أهداف نخبوية.

وفي حديثه عن جهاز دعاية الدولة يوضع تشومسكي في كتاب تواريخ الانشقاق: أن الجهاز الأمريكي يختلف بشكل لافت للنظر، فهو لا يأتي من الدولة كما الحال مع الاتحاد السوفياتي السابق.

فنحن لسنا بمجتمع لديه وزارة للصدق والتي تصدر العقيدة أو المبدأ الذي يجب على كل واحد عندئذ أن يطيعه مهما كلف الأمر فجهازنا يعمل بصورة مختلفة كثيراً وبشكل أكثر فعالية. إنه جهاز مخصخص للدعاية، يشمل وسائل الإعلام والصحافة المعبرة عن الرأي، ويتضمن بشكل عام الاشتراك الواسع لرجال الفكر والعلم وهو الجزء المتعلم والمثقف للشعب والعناصر الأكثر وضوحاً لأولئك الجماعات التي تصل إلى وسائل الإعلام، بما فيها الصحف والمجلات الفكرية، والذين يشرفون بشكل أساسي على الجهاز التعليمي.. ووظيفتهم الرئيسية هي: تصميم ونشر وخلق جهاز من العقائد والمبادئ التي ستقوض الفكر المستقل، وتمنع الفهم والتحليل. وحسب كلام تشومسكي يمكننا أن نستشف عبارة غسل دماغ جماعي للشعب الأمريكي والذي يؤدي إلى نتائج ظاهرها قرار حر، أما باطنها فهو وليد منظومة الضخ والتنظير لوجهات نظر الدولة، ويعطي تشومسكي مثلاً عن حرب فيتنام التي تمت دون مناقشات ومداولات في الولايات المتحدة، وجرى اللعب على المفاهيم وأعني أن الكذبة هي أننا كنا ندافع عن فيتنام الجنوبية. في حين كنا في الواقع نهاجم فيتنام الشمالية.

السيطرة على التاريخ

يقول تشومسكي: “إن التاريخ مرهون وممتلك من قبل الفئات المتعلمة. فهؤلاء هم الأناس المؤتمنون أو القيمون على التاريخ أنهم الأناس الذين يتواجدون في الجامعات والذين يقومون بصياغة كتابة الماضي لنا كما يريدون ويشاؤون”.

ثم يتوسع تشومسكي في شرحه ويصف دور المفوضين الثقافيين لنظام الهيمنة والسيطرة في كتابة التاريخ بمقابل المواطنين العاديين الذين لا يمتلكون المصادر والوقت للبحث والتدقيق والتدريب لبلوغ الحقيقة بعمقها.

ويستكمل تشومسكي طرحه حيث يقول: «خلال الحرب العالمية الأولى، فإن المؤرخين الأمريكيين عرضوا على الرئيس ولسون آنذاك بأن يقوموا بمهمة أطلقوا عليها اسم الهندسة التاريخية وتعني صميم الحقائق التاريخية، وذلك لكي يخدموا سياسة الدولة». كل ذلك بهدف السيطرة على الفكر» فالدولة التي لا تسيطر فيها الحكومة على الشعب بالقوة، فإنه من الأفضل السيطرة على ما يفكر به الشعب.

طباخ السم

على العكس مما قد يعتقده البعض فإن تشومسكي يعتبر أن وسائل الدعاية والإعلام تعمل بشكل أفضل مع المتعلمين والمثقفين وأكثر مما تفعله بالنسبة لغير المثقفين وذلك لعدة أسباب

أولاً: لأن المتعلمين يتلقون وسائل الدعاية والإعلام بشكل أكثر لأنهم يقرأون أكثر.

ثانياً: إنهم يعتبرون عملاء لوسائل الدعاية والإعلام. علاوة على أن عملهم يشبه إلى حد كبير عمل الوكلاء. فمن المفترض أن يكونوا عملاء لأجهزة الدعاية والإعلام. لذلك فهم يصدقونها.

الإشراف على الإعلام

تخضع مختلف وسائل الإعلام للشروط الاقتصادية أو الدعائية الموجهة، ما يؤكد غياب كلمة حياد» بمعناها الطوباوي، وعن هذه الإشكالية يتحدث تشومسكي قائلاً: «ما دام الاتزان على الإعلام هو المعني، فإنه مسيطر عليه بصورة كبيرة من قبل مجموعة صغيرة تماماً بيدها مصادر الإعلام.

يربط تشومسكي مفتاح الإعلام في الولايات المتحدة بمفتاح السياسة، ويتطرق إلى الدعم المادي والمعنوي الذي منحته أمريكا الصدام حسين طوال سنوات ضمن توليفة مصلحية تجعل الولايات المتحدة شريكاً تجارياً رئيسياً له.

فقد كنا أكبر سوق تجاري لنفطه، وكنا نزوده بنسبة أربعين بالمئة من المواد الغذائية. وكان المنتدى العملي العراقي الأمريكي يثني على تقدمه (صدام) تجاه الديموقراطية، فقد كان رجلاً جيداً بنظرنا. ولكن بعد يوم واحد فقط، أصبح يلقب بجنكيز خان وهتلر وأصبح احتلاله للكويت جريمة.

نفس الأمر ينطبق على نورييغا حاكم بنما، الذي دعمته الولايات | المتحدة طويلاً وغضت النظر عن تجارته للمخدرات حيث بدأ يظهر كصاحب مخالب وأنياب، وكالعادة انقلب الإعلام الأمريكي من ضفة إلى أخرى برشاقة ساذجة، وهو أمر عالجه تشومسكي في أكثر من مكان في الكتاب.

بروباغندا 

ثمة وسيلة أخرى أيضاً لقهر الكفّ المرضي، وهي تزوير التاريخ، فإذا ارتأت أمريكا العدوان والتدمير فيجب الزعم بأن ذلك نوع من الدفاع ضد خطر محتمل. ومنذ حرب فيتنام بذل جهد معتبر لإعادة كتابة الأحداث، إذ أدرك كثير من الجنود والمواطنين حقيقة ما جرى في هذه الحرب، فكان لا بد من تصوير الأفعال الأمريكية على أنها نبيلة وفاضلة.

ومضمون الرسالة يمر بسهولة حين يكون النظام التعليمي ووسائل الإعلام مضبوطين والنخب محافظة. وسواء تعلق الأمر بالشرق الأوسط أو بالإرهاب الدولي أو بأمريكا الوسطى، فأنه صورة العالم التي تقدم إلى السكان بعيدة جداً من الواقع. فالحقيقة مطمورة تحت طبقات الكذب المتراكمة. وما يمكن الحصول عليه بالقوة في الأنظمة التوتاليتارية، يمكن الحصول عليه في أمريكا في ظل الحرية.

رغم كل المعوقات، نجحت الثقافة المنشقة في البقاء، فمنذ الستينات ازدهرت في شكل لافت وخصوصاً بعد بدء قصف فييتنام الشمالية، إذ برزت المعارضة للحرب في الهند الصينية من جانب الطلاب والشبان وخلال السبعينات ظهرت حركات شعبية كبيرة بيئية ونسوية مناهضة للأسلحة النووية، وفي الثمانينات عرفت حركات التضامن امتداداً كبيراً لها، لا في الولايات المتحدة فحسب بل في العالم أجمع، ولم تكن محض حركات اعتراض، بل تدخلت بفاعلية في حياة السكان البائسين.

فبركة الأعداء

يعتبر تشومسكي إن الولايات المتحدة تشهد مزيداً من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية يبلغ بعضها حد الكارثة، ولا أحد في السلطة يبدو مستعداً لحلها. وإذا حللنا البرامج السياسية للإدارات العامة في السنين العشر الأخيرة بما فيها برنامج الحزب الديموقراطي حين كان في المعارضة، لا نجد أي مقترح جدي للعلاج في شأن الصحة والتعليم والسكن والبطالة والانحراف والسجون وتدهور شروط الحياة في المدن. وفي أول سنتين من حكم بوش وصل عدد الأطفال تحت خط الفقر نحو ثلاثة ملايين. والدين العام إلى تصاعد ومستوى التعليم متدهور، والأجور الفعلية عادة إلى ما كانت عليه في الخمسينات في ظل هذه الظروف يغدو ضرورياً توجيه أنظار القطيع الشارد» إلى مكان آخر. فمباريات الكرة والمسلسلات التلفزيونية التي لا تنتهي قد لا تكون كافية لإلهائه. ويغدو من الضروري عند ذاك دب الذعر في قلبه من خلال فبركة الأعداء. في الثلاثينات زرع هتلر في قطيعه الخوف من اليهود والغجر.

السيناريو هو نفسه دائماً بداية هجوم أيديولوجي بهدف خلق وحش خيالي ثم شن حملة للقضاء عليه.

نموذج لجنة كريل المذكور، ما زال معتمداً، ذلك الذي نجح في تحويل شعب سلمى جمعاً ثائراً غاضباً. ورغم اللين الذي يتم به الأمر بفضل التلفزيون والأموال الضخمة المستثمرة. فإن التقنيات المعاصرة بقيت مشدودة إلى التقليد الأمريكي الذي أرسته النخب.

تسميم العقول

لقد أدركت الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية أهمية قطاع الإعلام والاتصال للسيطرة على مجتمع الإعلام» الذي سوف يكون كما يقال مجتمع القرن القادم. وقد حاولت أن تتدخل مالياً وسياسياً ودبلوماسياً في هذا القطاع الذي تعتبره استراتيجياً للحفاظ على نفوذها في العالم.

إن استعمال وسائل الإعلام في الحرب النفسية – السياسية بديهة أمريكية. مثلاً في العام 1986 وضع مجلس الأمن القومي الأمريكي خطة لإسقاط الرئيس الليبي معمر القذافي، كان من أسسها التوفيق بين الحوادث الخيالية والحوادث الحقيقية التي تقع بالفعل، وذلك لإيهام القيادة الليبية بأن النظام يتداعى، وثانياً لدفع الرئيس الليبي إلى التحرك بهلع ورد فعل عصبي يبرر استعمال القوة العسكرية الأمريكية ضده.

وبموجب ذلك عهد إلى وكالة المخابرات المركزية وليم كايسي في نشر معلومات وأخبار كاذبة في الصحافة الدولية عن الأوضاع في ليبيا. كما عهد إلى وزارة الخارجية أيام جورج شولتز الترويج لهذه الأخبار عن طريق التعامل معها بجدية.

فصحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية كانت أداة الترويج لهذه الأخبار محاولة الانقلاب على النظام – العمليات الإرهابية -الاستعداد الأمريكي للتدخل العسكري – القواعد السوفياتية في ليبيا.

أما في العلم العسكري هناك ما يسمى برنامج تسميم عقل العدو يبدأ هذا البرنامج بالحيلة التكتيكية البسيطة ليصل إلى برنامج ضخم هدفه بث الشعور بالخيبة أو تعميم الإحباط» في صفوف العدو أو نشر الأخبار الكاذبة أو إثارة «أزمة ثقة» في السلطات الحاكمة.

يتعدى برنامج التسميم هذا النطاق العسكري ليحتل مركز الصدارة بين أسلحة التجسس الفتاكة في المجالات السياسية والديبلوماسية والاقتصادية والتربوية. أداة التسميم هذه هي جميع وسائل الاتصالات والإعلام القادرة على توجيه العقول باتجاه فكري محدد يفيد الذي يسمم ويضر الذين يتسممون.

فأسلوبه، عمليات بطيئة تنفذ بمهارة ماكرة، تركز على تركيز فكرة معينة في ذهن قيادة عسكرية، أو سلطة أو فريق سياسي، أو جزء من الرأي العام.

بين فيتنام والفوكلاند

بينما أطلقت كارثة الإعلام في حرب فيتنام صفارة إنذار بالنسبة إلى قوات الدفاع في الديموقراطيات الغربية، كانت هناك ثنائية فكرية فيما يتصل بدلالات التجربة الفيتنامية. فقد رأت إحدى المدارس الفكرية أن وضع فيتنام، كنزاع مميز للحرب الباردة، خلق مجموعة فريدة من الظروف بطريقة تجعل تجاهلها إلى درجة كبيرة نوعاً من الانحراف واخذ آخرون درساً أكثر عمومية من التجربة وأكدوا أن جهداً رئيسياً يجب أن يبذل لتعليم أجهزة الإعلام وتطويعها حتى يمنع تكرار وجود إعلام منفلت في ميدان القتال.

وعادت حرب الفوكلاند مرة أخرى إلى هذه الحجج وأعادت تركيز الفكر على التحكم في الإعلام أثناء النزاعات المحدودة. وقد لقيت الدروس المستفادة من تلاعب بريطانيا بالإعلام لكسب التأييد الشعبي داخلياً وخارجياً إعجاباً سريعاً. وكان الأمر كذلك بالنسبة إلى أهمية وضع أساس الشرعية واسعة وإلى ضرورة السيطرة على الإعلام، إذا كان الهدف هو الحفاظ على التأييد القومي والدولي في غياب التهديد المباشر للبقاء القومي أو حالة قوية تسوغ التدخل.

ونتيجة لذلك، تكمن الأهمية الكبرى لعملية غرينادا في كونها أول فرصة بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية بالولايات المتحدة الأمريكية لتمارس الدروس المستفادة من تجربة بريطانيا في الفوكلاند ولتضع أساس سياسات مماثلة لإقصاء الإعلام واحتوائه.

وكمصداق على أهمية هيمنة بريطانيا على إعلامها فترة حرب الفوكلاند مع الأرجنتين قال هنري كسينجر وزير الخارجية الأمريكية السابق: لو أننا تمكنا من أن تحظى سياستنا في فيتنام بما حظيت به رئيسة الوزراء من تأييد لسياستها في جزر فوكلاند لكنت قد أصبحت أسعد رجل في العالم.

حرب الخليج الثانية

دروس حرب الفوكلاند وغيرها من التجارب جعلت من حرب الخليج الثانية حرباً متلفزة بدرجة فائقة، وقد حظيت هذه الحرب بأكثر أشكال التغطية من وسائل الإعلام بشكل يفوق أي حرب أخرى سابقة عليها. إنما النصح والتوجيه» كانا سيدا الموقف، فها هو جون آر. ماكارثر يقول في كتابه الجبهة الثانية:

بينما كنت أتابع موضوع تجنيد الحكومة لوسائل الإعلام في حرب الخليج، أبقيت عيناه مفتوحة على الصحفيين والمحررين التنفيذيين للأخبار الذين أثارت سخطهم هزيمتهم المذلة. غير أنه كان من الصعب العثور عليهم. إذ بالرغم من التصريحات العامة للبعض منهم، ازدادت قناعتي بأن وسائل الإعلام نفسها كانت لا مبالية إلى حد كبير بفقدانها المذهل لامتيازها.

صحيح أنه تم إنشاء لجنة جديدة للاحتجاج على القيود التي فرضها البنتاغون، وأنه في هذه المرة ضمت اللجنة اثنين من الملاك هما كاثرين غراهام رئيسة مجلس إدارة شركة واشنطن بوست ودونالد نيو هاوس من أسرة نشر نيو هاوس النافذة، وكذلك اثنين هامين من الـ CEO هما لويس بوكاردي من أسرة الأسوشيتد برس وجيمس كيه باتن من نايت – ريدر». وفي 12 أيلول 1991، اجتمع ممثلون لهذا التجمع الحديث الذي أنشئ لهذا الغرض مع وزير الدفاع ديك تشيني ليعرضوا قضيتهم ضد سلوك البنتاغون تجاه المراسلين في الخليج الفارسي. وظل خطاب الاحتجاج الرسمي مع ذلك رعديداً إلى حد ما. وفي رسالة بعثوا بها إلى تشيني في 24 حزيران والخصوا فيها شكاواهم استخدم الموقعون اللغة المتملقة غير المباشرة للخريف السابق. وبالكاد كانت توجد علاقة على الإطلاق بين إعلان المبادئ ومبادئ حرية الصحافة.

وعن الإشكالية نفسها تحدث بيتر يونغ وبيتر غيسر في كتابهما الإعلام والمؤسسة العسكرية:

لقد أخذ الإعلام الأمريكي يراقب عن كثب تطور فريق البنتاغون الإعلامي الموحد وتقدموا باحتجاجات كبرى للحكومة تتعلق بما رأوا أنها أوجه قصور في نشر الفريق الإعلامي الموحد أثناء أزمة الخليج البحرية السابقة. وكان هناك أيضاً قدر متواصل ومتزايد من الشكوى التي كان مصدرها الرئيسي الإعلام الأمريكي طوال فترة حرب الخليج الثانية في كل من ميدان القتال وواشنطن، وما زالت المعركة تتواصل. وقد قدمت لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية قضايا رئيسية للنظر فيها من قبل المجموعة الإعلامية الطارئة والجمعية الأمريكية لمحرري الصحف، وقد أصدرت أيضاً جمعية الصحافة الأمريكية المشتركة بياناً رئيسياً تدين فيه الرقابة في الحرب الخليج الثانية على أسس دستورية. وقد تمثل الخط العام

حاضر يشهد باستمرار الكذب الممنهج

يكشف تقرير لصحيفة الغارديان هذا الأسبوع من كريس ماكجريل أن شبكة سي إن إن شوهت بشكل منهجي تغطيتها للقضية الفلسطينية-الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر عندما اندلعت الحرب في غزة. يستند المقال إلى روايات ستة من موظفي CNN في العديد من غرف الأخبار وأكثر من اثنتي عشرة مذكرات داخلية ورسائل بريد إلكتروني حصلت عليها صحيفة The  Guardian. الصورة المنبثقة من المقال هي أن كبار المسؤولين في المنفذ يسعون إلى ممارسة أقصى قدر من السيطرة على المراسلين لتشكيل التغطية بحيث تتماشى مع التفضيلات السياسية لقيادة الشبكة. على سبيل المثال، أفاد ماكجريل أن شبكة سي إن إن تحد من المساحة المخصصة لوجهات النظر الفلسطينية بينما تسمح بشكل روتيني ببث ادعاءات المسؤولين الإسرائيليين من دون معارضة.

وقد دفع هذا الاتجاه الشبكة إلى تقديم قصة كاذبة مفادها أن حماس قطعت رؤوس 40 طفلاً وطفلاً إسرائيليًا كما لو كانت حقيقة. وظلت القصة حية حتى بعد اعتراف إدارة بايدن بأن الرئيس لم ير، كما ادعى سابقًا، وجود دليل على عمليات قطع الرأس. علاوة على ذلك، يجب أن تحصل تغطية CNN لفلسطين على موافقة مكتبها في القدس، وهو ما يقول موظفو CNN إنه يحرف التقارير لصالح إسرائيل.

إن حقيقة قيام إسرائيل باستعمار الفلسطينيين وقمعهم منذ فترة طويلة معلومات ذات صلة حذفتها شبكة سي إن إن من الغالبية العظمى من تقاريرها ويشير العاملون في شبكة سي إن إن إلى أن سياسات سي إن إن، خاصة في المراحل الأولى من الهجوم الإسرائيلي، أدت إلى “تركيز أكبر على المعاناة والرواية الإسرائيلية عن الحرب باعتبارها مطاردة لحماس وأنفاقها، واعتماد التركيز غير الكافي على حجم القتلى المدنيين الفلسطينيين والدمار في غزة.

غالباً ما تُختزل تعقيدات أزمة غزة بـ”الصراع بين إسرائيل وحماس“، ما يؤجج الاختزالية في التغطية الإعلامية للحرب ويجرّدها من سياقها. ويشير تحليل أجرته المنظمة الإخبارية “ ذي إنترسبت” في يناير، إلى أن “سي أن أن” و”أم أس أن بي سي” و”فوكس نيوز” بثت جميعها تقارير خاطئة في خلال الأشهر الأولى من الحرب على غزة. وقد فضلت صحف رئيسية على غرار ذا “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” و”لوس أنجلس تايمز” الطرف الإسرائيلي، مبدية تحيزًا مستمرًا ضد الفلسطينيين وغير مكترثة لمعاناتهم اليومية. وكشفت تغطية الإعلام الغربي، لا سيما الأمريكي، عن ثغرات متعددة، منها عدم الإبلاغ عن عدد الإصابات الحقيقي في صفوف المدنيين الفلسطينيين والتخاذل في إخبار القصص الشخصية حول الخسائر والمعاناة بشكلٍ معمق وعدم نقل وجهات نظر الفلسطينيين بشكلٍ كاف.