في سيميائية الملثم

“وإنه لجهاد نصر أو استشهاد” جملة تردد صداها لأكثر من عشرين سنة في أعقاب خطابات ألقاها الشاب الملثم، وصل الصدى إلى كامل الأرض مع الطوفان الذي انطلقت شرارته صبيحة يوم السابع من أكتوبر عام 2023م، فصار هذا الصوت صوت الأمة بلا منازع، معبرًا عن قيمها التي أهدرتها، وخذلانها الذي تلبست به، والحبل الممدود لها على الدوام من طائفة لم يحجبها موت الأمة عن الوقوف بعزة في وجه طواغيت الأرض وكيانهم المسخ الذي وضعوه في خاصرة أرضنا وإحدى أقدس نقاطها.
ورغم أن خطابات الملثم الهادرة قد ارتبطت دومًا بالإعلان عن عمليات أوجعت العدو، إلا أن المرجفين لم يكفوا عن وصفه بالظاهرة الصوتية، مقللين من شأن صوت جهوري لطالما هز قلوب الصهاينة وأفزع أفئدتهم وحطم نفسياتهم بشهادتهم.
لذا، هذه وقفة مع صوت الأمة الهادر، ورمزيته في خضم الحرب والمواجهة، ومعاني نبرته.

الصوت.. الروح في اللسان
لكل إنسان منا شخصيته الكلامية المتفردة التي تظهر من خلال كلامه ونبرة صوته وبصمة لوازمه اللغوية، ونحن البشر ندرك بعضنا البعض من خلال الصوت حتى وإن احتجبت الرؤية، فأنت تعرف من على الهاتف من صوته دون أن تراه، وذلك لأن لكل صوت خواص معينة تتراوح بين الخفض والجهر والإبانة والتلعثم، والاسترسال والتعتعة، والغلظة والرقة، والمد والقصر، والحدة والليونة، وفي علم الصوت اللغوي تؤدي تلك الخواص وظائف بنيوية تمكن اللغة من إيصال المشاعر مع المعاني، كما تعطي قوة وطاقة للكلمات تزيد من تأثيرها في المتلقين، وبناءً على ذلك فإن كل خاصية من تلك الخواص تكون الأصلح للتعبير بها في موقف بعينه تتناسب معه وتمنح رسالة الكلام والرد القوة والطاقة اللازمتين، فهناك خواص تناسب موقف الخطابة، وأخرى تناسب النقاش والجدل، وثالثة تناسب الحديث الودي، ورابعة تناسب التفاوض، وخامسة تناسب الشرح، وسادسة تناسب الحكي، وأخر يناسبن أغراض الشعر المختلفة، وحين نتحدث عن الصوت الجهور فإننا نتحدث عن صوت يصلح لأغراض عدة إن تم استخدامه بحكمة، فالخطابة وشحذ الهمم تحتاج لذلك الصوت، والشعر الحماسي والهجائي يحتاج إليه، والإنذار والإعلام في مواقف الضرورة يحتاج إليه، لكنه لا يناسب النقاش ولا التفاوض ولا الأماكن المفتوحة التي يتردد فيها صدى الكلام، وهنا وجب على من يمتلكه التحكم فيه وخفضه كي لا يخرج به عن أغراض الكلام.
الجهور تلتقي مع صفة الجهر في ذات الجذر وتلك الأخيرة صفة موجودة في علم الأصوات والحروف، ومعنى الجهر لغة الإعلان والظهور، واصطلاحا: انحباس جري النفس عند النطق بالحرف لقوة الاعتماد على المخرج، وحروفه تسعة عشر حرًفا المتبقية بعد حروف الهمس العشرة، جمعها العلماء في المقولة: عظم وزن قارئ غض ذي طلب جد، ومن هنا نجد أن اللغة قائمة في ثلثيها على الجهر لأنه أصل الإبانة والإيضاح، لكن وعلى عكس ما يعتقد الكثير من الناس، فإن الجَهْوَرِيُّ أي الصوت العالي (لسان العرب) هي صفة منسوبة إلى الفعل “جَهْوَرَ” بصوته، أي رفعه وأظهره، وليس للفعل جهر، فجهر بصوته أي أظهره، وجَهَوَر به أي رفعه وعلّاه، فيتضح هنا الفرق بين الجهر كصفة لازمة لكثير من الحروف لا بد منها لإيضاح الكلام، والجهوري كصفة للصوت العالي المرفوع، وبعض الأصوات جهورية بطبعها فآلية الصوت عند الإنسان منظمة جيداً بحيث أننا نستخدم الأوتار الصوتية والعضلات والرئتين في عدة مجموعات متوافقة بدون أن نفكر في الأمر، وكلما شُدّت الأوتار الصوتية أكثر فإنها تنتج أصواتاً أعلى. وكلما ارتخت الأوتار الصوتية، انخفضت الأصوات. وحتى في التخاطب العادي، فإننا نشد ونرخي الأوتار الصوتية بدرجات مختلفة. وهذا الشد والإرخاء يؤديان إلى التنوع في أصواتنا، كما تعتمد ترددات أصواتنا على حجم القصبة الهوائية فكلما صغر علت ترددات الصوت، كما يزداد تردد الصوت علوا إذا سار في وسط صلب أو سائل لأن انتقاله يكون أسرع.

في مدى الزمان
في غزوة حنين حين احتدم القتال وفر الناس ثبت عدد قليل حول النبي “صلى الله عليه وسلم” منهم عمه العباس بن عبد المطلب “رضي الله عنه” وقد كان جهوري الصوت فنادى في الناس بعدما أمره النبي “صلى الله عليه وسلم” بذلك قائلا:
(يا معشر الأنصار يا معشر المهاجرين يا أصحاب البقرة يا أصحاب البيعة)
وما إن سمع الناس نداءه القوي حتى أقبلوا.
قال النَّووي رحمه الله تعالى: “يستدل به على أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة، ويرفع صوته، ويجزل كلامه، ويكون مطابقًا للفصل الذي يتكلم فيه من ترغيب وترهيب”.
وكان ثـابت بن قَـيس بن شَـمَّـاس – رضـي الـلـه عنه – جَـهْـوَرِي الصـوت، فلما نزل قول الله تعالى: “لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ” جلـس في بيته يبكي، ففَقَده رسـول الله ﷺ، فسأله عن أمره؟
فقال: إني امرؤٌ جَهِير الصوت، وأخاف أن يكون قد حبط عملي، فقال ﷺ: «بَلْ تَـعِـيـشُ حَـمِـيدًا، وَتَـمُـوتُ شَـهِـيدًا، وَيُدْخِـلُـكَ الـلَّـهُ الجَـنَّـةَ بِسَـلَام”.

ميكرفون الجماهير
ارتبط الصوت الجهوري بالسياسة والساسة، فالسياسي خطيب في المقام الأول يمتلك مهارات الخطاب في الجماهير ليشحذ هممهم ويستدر حماساتهم ويصنع تعاطفهم مع قضاياه، وهو يروم التأثير فيهم عبر كلماته القوية وصوته الجهوري العالي، وبعض الساسة خاصة من المعارضين يستخدم الصوت العالي ليشوش على غيره، ويصنع المغالطات والخدع اللغوية التي تنطلي بسهولة على المتلقين، لأن الصوت الهادئ يستجلب التفكير والنقد والروية وهذه أشياء لا يريدها السياسي في جمهوره.
مثل الصوت الجهوري استعارة سياسية تطلق على الساسة الذين يجيدون الكلام دون الأفعال، ويقضون عمرهم في التنظير والنقد والهجوم فإذا واتتهم الفرصة وأمسكوا بزمام الأمور فشلوا وتخبطوا ووقعوا فيما كانوا ينددون به، فهؤلاء مجرد صوت جهوري أو كما نقول: ظاهرة صوتية.
في العصر الحديث يستبدل الساسة الصوت الجهوري بالأدوات والتقنيات التي تجعل خطابهم عاليا ومسموعا ومؤثرا، جاءت الصحف والميكروفونات، ثم الراديو والتلفاز، وأجهزة البث والفضائيات وشبكة الانترنت والتواصل الاجتماعي، وأصبح الصوت العالي متجسدا في المميز والفيديوهات الساخرة والشائعات المنتشرة واللجان الإلكترونية وغيرها.
بل وصاغ الساسة أداة الفضيحة السياسية كاستعارة جهورية عن خطاب يحطم الخصوم ويشوش عليهم، أداة كانت فاعلة في معظم الدول بما في ذلك أمريكا، التي وقع فيها العديد من الرؤساء في شراك ذلك الفخ.

صوت جباليا.. لن يدخلوا معسكرنا
بدأ أبو عبيدة كمتحدث باسم الكتائب في جباليا، الحي العصي على الانكسار، الذي شهد العديد من محاولات الاقتحام، وكان ثغرًا متقدمًا على تخوم غزة، نراه ونسمعه في مرئية مبكرة وهو مازال صغير السن، يهدر بصوته ليثبت القلوب والأقدام، ويتحدى عدوًا قذرًا لا يكف عن محاولات إخضاع المقاومة وقص أجنحتها.

الصوت يعلو فوق المعركة
بعد ترجل العديد من فرسان المقاومة الكبار أمثال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي والذي كان متحدثًا مفوهًا وهادرًا، ظهر نجم أبي عبيدة كمتحدث باسم كتائب عز الدين القسام، ومع دخول المواجهة بين الكتائب والكيان المحتل طورًا جديدًا شمل مواجهات أكبر وحروب وعمليات خلف خطوط العدو، أصبح حضور أبي عبيدة لازمة من لوازم الفعل المقاوم اليومي، وأصبحت الجماهير تنتظره ليطل عليها من حين لآخر حاملًا بشارة أو ملقيًا بيانًا يثبت القلوب ويطمئن الأفئدة على الثغور وأهلها.

في اللثام.. تجتمع القضية والتاريخ والصوت
تحمل الملابس مرجعية ثقافية متعددة تتجاوز وظيفتها الرئيسية، لتتحول إلى وسيلة ثقافية توصل معاني ورسائل غير مباشرة.
حين نضع قطعة قماش على الوجه، يبدو الأمر لأول وهلة فعلاً نفعياً: وقاية من رمال الصحراء، أو حماية من البرد. لكن السيميائي لا يقف عند ظاهر الفعل، بل يسأل: ما الذي يفعله هذا الغطاء بالمعنى؟ وما هي شبكة العلامات التي تتكاثر حوله عبر الزمن؟
اللثام في الثقافة العربية ليس مجرد أداة بيئية. إنّه جهاز سيميائي يشتغل في حقلٍ متوتر بين الستر والكشف، بين الهوية والإخفاء، بين الانتماء الفردي والرمز الجمعي. وكما كان القناع عند الإغريق وسيلةً لتكثيف الشخصية المسرحية، فإن اللثام عند العرب كان قناعاً مفتوحاً على فضاءٍ أنثروبولوجي متعدّد.
اللثام كملبس يعبر عن تراكمات وترسبات ثقافية متعددة، لما له من علاقة وطيدة بمتطلبات المعيش اليومي والحياة الأدبية والمعتقد والأزمة.


مع لثام أبي عبيدة، تتحول قطعة القماش إلى مجاز سردي، إلى كائن لغوي يقيم في المسافة بين المرئي والمخفي. اختفى الوجه، وانمحت الشخصية، وحضرت القضية والتاريخ مع الصوت، ليصبح هذا الصوت رمزًا هادرًا للأمة، اللثام تاريخ عربي ممتد ورمز من رموز القضية يحمل بصماتها الثقافية والجغرافية.
لا يهم من هو، ولا يهم وجهه، ولا تهم درجته العسكرية، إنه وجه كل مقاوم وصوت كل ضمير حر، وروح كل قضية عادلة…