معاداة السَّامية: فزَّاعة إسرائيل لإرهاب العالم

ظهر مفهوم “معاداة السامية” لأول مرة في منتصف القرن التاسع عشر خلال مناقشات في ألمانيا في تلك الفترة حول الاندماج في المجتمع الألماني من قبل الأقليات المختلفة وخصوصًا اليهود، وذلك نظرًا للعلاقة الملتبسة بين الديانتين المسيحية واليهودية منذ المرحلة الهيلينية، مرورًا بالإمبراطورية الرومانية المسيحية. وبالرغم من أن السامية – كعرقية – تشمل أعراقًا أخرى غير اليهود، إلا أن المصطلح ارتبط بـ”كراهية اليهود” تحديدًا. وقد كانت كراهية اليهود في ذلك الوقت أمرًا شديد الذيوع والانتشار في البلدان الأوروبية، وبالأخص ألمانيا، كما أنها كانت تلقى قبولًا على نطاق مجتمعي واسع، بل إنها قد انتشرت بين اليهود أنفسهم، فيما عُرف بكراهية الذات. وقد انتهت معاداة السامية بهذا المعنى مع سقوط الرايخ الثالث في ألمانيا.

معاداة السامية إذًا، وفقًا لمؤلف كتاب “صنع معاداة السامية” أبراهام ملتسر، خرجت من الفضاء الأوروبي وصُنعت فيه وصُدّرت إلى الشرق مع بداية القرن التاسع عشر. ومع أن العرب هم أصلًا ساميون وفقًا للعرق، ومن ثم لا يمكن أن يكونوا معادين للسامية؛ إلا أن هذا المفهوم قد تم قصر معناه عمدًا على “كراهية اليهود”، مع أن السامية تشير إلى الشعوب التي كانت تتكلم اللغة السامية كالعرب واليهود والآراميين وغيرهم.

ومع ظهور الصهيونية وفكرة بناء دولة إسرائيل في فلسطين، بدأ توظيف مفهوم “معاداة السامية” كأسطورة من ضمن أساطير عديدة قامت عليها إسرائيل، كشعب الله المختار وأرض الميعاد… إلخ. فالصهيونية ومعاداة السامية، وفقًا لأبراهام ملتسر، هما كـ”الين واليانغ”، يُكمِل كلٌّ منهما الآخر، إذ تتفق الصهيونية مع معاداة السامية التي تود تهجير جميع اليهود إلى فلسطين، الأمر الذي يشكل هدف الصهيونية الرئيس. ومن ثم، فإنه لا يمكن القول بأي حال من الأحوال إن الصهيونية ومعاداة السامية هما أيديولوجيتان متناقضتان، بل هما فكرتان مكملتان لبعضهما البعض.

هُلامية المفهوم وتفخيخ دلالاته:

تتبنى العديد من دول العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التعريف الإجرائي لمعاداة السامية الذي وضعه التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (The International Holocaust Remembrance Alliance)، وينص هذا التعريف لمعاداة السامية على أن:
“معاداة السامية هي نظرة معينة لليهود، والتي يمكن وسمها بكراهية لليهود، وكل المظاهر الخطابية والجسدية لمعاداة السامية الموجهة نحو اليهود أو غير اليهود و/أو ممتلكاتهم أو تجاه مؤسسات المجتمع اليهودي ومرافقه الدينية.”

وهذا التعريف، وفقًا لكثير من الباحثين والمتخصصين، لم يضعه التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، على الرغم من أن اسمه مرتبط به، إلا أنه أتى نتيجة جهود بذلها منذ مطلع القرن الحادي والعشرين أفراد ومنظمات متحالفون مع الحكومة الإسرائيلية من أجل إعادة تعريف مفهوم معاداة السامية بطريقة تُبعِد الانتقادات الموجهة لإسرائيل على خلفية انتهاكها حقوق الإنسان وأعمال القمع العنيفة ضد الفلسطينيين وتُسكتها.

وقد قام “المركز الأوروبي لرصد العنصرية وكراهية الأجانب (EUMC)” في أوائل القرن الحادي والعشرين بوضع تعريف جديد لمعاداة السامية، متضمنًا “أمثلة معاصرة لمعاداة السامية”، بعضها مرتبط بإسرائيل. إلا أنه، بعد سيل انتقادات طالت التعريف الجديد بسبب خلطه بين انتقاد إسرائيل ومفهوم معاداة السامية، تخلّت وكالة الحقوق الأساسية، وهي الهيئة التي خلفت المركز الأوروبي، عن التعريف وأزالته عن موقعها الإلكتروني في العام 2013.

وقد أخذ المصطلح، وخصوصًا في العقود الثلاثة الماضية، يتّسع إلى حد صعوبة الفصل بين معناه وبين معاني أفعال وتصرفات ومواقف أخرى يُجرى توظيفها بشكل متواصل، فتم الخلط في كثير من الأحيان، وبشكل مقصود، بين معاداة السامية وكل من نقد السياسة—وأحيانًا السياسيين—الإسرائيلية، أو نقد الصهيونية كأيديولوجية، أو نقد اليهودية، أو حتى التصويت على قرارات دولية في الأمم المتحدة تُدين السياسات الإسرائيلية، وهو خلط سياسي توظفه السياسة الإسرائيلية بشكل كبير لمواجهة تنامي الصورة السلبية لـ”إسرائيل” لدى الرأي العام الدولي.

ويمكن القول إن دلالة المفهوم قد تمحورت حول أي موقف معادٍ أو ناقد لإسرائيل، مع ما سُمّي “الموجة الثالثة من معاداة السامية”، أو ما أطلق عليه البعض اسم “معاداة السامية الجديدة” (New Anti-Semitism)، والتي ركّز موضوعها على مواقف الرأي العام من السياسات الإسرائيلية – العربي خصوصًا – معتبرًا أن مواقف التيارات السياسية العربية الرافضة للسياسات الإسرائيلية هي تجديد لمعاداة السامية (بالرغم من أن العرب ساميون كما ذكرنا).

ويتضح هذا الخلط المتعمد بين اليهود والصهيونية و”إسرائيل” ومعاداة السامية بشكل واضح في المؤتمرات والكتابات ووسائل الإعلام التي ترعاها جماعات الضغط اليهودية، بل إن الأمر تطوّر إلى حد وسم بعض مؤسسات حقوق الإنسان أو البيئة في مناقشات وزارة الخارجية الأمريكية بمعاداة السامية، والدعوة لإدراج هذه المؤسسات، مثل منظمة العفو الدولية، وأوكسفام، وهيئات مراقبة حقوق الإنسان، ضمن قوائم معاداة السامية. وهو ما جعل حدود المفهوم تشمل أبعادًا لا حصر لها، بغرض توظيفه سياسيًا من قبل “إسرائيل” وحلفائها.

 التوظيف الإسرائيلي للمفهوم: صناعة الفزاعة:

توظف “إسرائيل” مفهوم معاداة السامية لتحقيق مجموعة من المصالح والأهداف، لعل أهمها:

1- وفقًا لدراسة أعدّها الباحث وأستاذ العلوم السياسية وليد عبد الحي، توظّف “إسرائيل” معاداة السامية لتشجيع هجرة اليهود إلى “إسرائيل”، فمعلوم أن “إسرائيل” تسعى لردم الفجوة الديموغرافية بين اليهود والعرب في فلسطين، وليس أمامها من حلّ إلا برفع نسبة الزيادة السكانية التي هي الآن 1.9% بين اليهود مقابل 2.7% بين العرب من ناحية، وزيادة الهجرة اليهودية من كل دول العالم إلى “إسرائيل” من ناحية أخرى. وفي هذا الإطار، يأتي الترهيب بمعاداة السامية ليعزّز نزعة الهجرة من قبل اليهود إلى فلسطين.

2- كما يُوظّف موضوع معاداة السامية من قبل “إسرائيل” لترسيخ فكرة أن “إسرائيل” هي الممثل والمدافع الوحيد عن اليهود في كل العالم، وليس في “إسرائيل” وحدها، وهو تمهيد لربطهم بها كخطوة أولى نحو جرّهم إلى فلسطين لاحقًا. وهو أمر لا ينفصل عن موضوع “الدولة اليهودية” التي سعى بنيامين نتنياهو لتكريس فكرتها. ذلك يعني أن إثارة موضوع معاداة السامية هي لتكريس فكرة أن الحامي لليهود خارج “إسرائيل” من العنصرية والهجمات العنيفة هي “إسرائيل”، وهو ما يجعل اليهودي يفكّر في اللجوء إلى هذا “الحامي”، وعليه، فإن زيادة حدّة معاداة السامية تقود مباشرة إلى تعزيز الارتباط بين اليهودي أينما كان وبين “إسرائيل”، فهي الدولة الوحيدة في العالم التي ليس لها حدود جغرافية واضحة، ولا حدود ديموغرافية للمواطنة فيها، بناءً على قانون العودة لسنة 1950 وتعديلاته سنة 1970.

3- وكذلك يُستخدم تعبير “السامية” لتأكيد الهوية القومية لليهود، خصوصًا غير المتديّنين منهم. فالعلماني اليهودي في أوروبا أكثر تقبّلًا لفكرة “العرق السامي” لأنها تُكثّف المضمون القومي على حساب المضمون الديني، الذي ليس له المكانة نفسها في المنظومة المعرفية لهذا العلماني.

4- كما يتم توظيف معاداة السامية لردع نقّاد السياسات الإسرائيلية في المجتمع الدولي، فقد كان للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين أثرها السلبي على صورة “إسرائيل” في العقل الأوروبي بشكل خاص، والعالمي بشكل عام، وترتّب على ذلك تزايد التعاطف مع الفلسطينيين. وأدركت “إسرائيل” خطورة ذلك، لذا بدأت في توظيف معاداة السامية من خلال ربط “الهجمات على اليهود أو معابدهم” بالفلسطينيين أو مؤيديهم من الجماعات الأوروبية لحقوق الإنسان أو غيرها، خصوصًا الحركات الإسلامية، بغضّ النظر عن مدى توفّر الأدلة على هذا الادعاء.

ولعلّ أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو ما جرى أثناء معركة سيف القدس التي نشبت بين المقاومة و”إسرائيل” في مايو 2021، حيث قامت العديد من الحركات والمنظمات اليهودية الصهيونية المؤيدة لـ”إسرائيل” بتوظيف الأحداث، والهجوم على مؤيدي فلسطين في الولايات المتحدة باعتبارهم معادين للسامية. ومن ذلك ما قامت به رابطة مكافحة التشهير – وهي منظمة يهودية دولية مقرها نيويورك – إذ أعلنت بأنها شهدت “تصاعدًا خطيرًا وجذريًا” في جرائم الكراهية المعادية للسامية منذ اندلاع الصراع.

كما كتبت خمس مجموعات يهودية رسالة إلى الرئيس جو بايدن، أعربت فيها عن قلقها إزاء التصاعد الأخير لجرائم الكراهية المعادية للسامية في الولايات المتحدة في ظل المواجهة العسكرية بين “إسرائيل” والمقاومة الفلسطينية. ودعت كل من الجالية اليهودية الأمريكية، ورابطة مكافحة التشهير، والاتحادات اليهودية لأمريكا الشمالية، واتحاد التجمعات اليهودية الأرثوذكسية الأمريكية، الرئيس الأمريكي بايدن إلى استخدام برنامجه لإدانة معاداة السامية، واتخاذ عدد من الإجراءات لمكافحة معاداة اليهود.

وأشارت هذه المنظمات في رسالتها إلى أنها “تخشى أن الطريقة التي استُخدم بها الصراع لتضخيم الخطاب المعادي للسامية، وتشجيع الجهات الفاعلة الخطرة لمهاجمة اليهود والمجتمعات اليهودية، ستكون لها تداعيات أبعد مما نشهده بكثير خلال فترة المواجهة”.

5- يمكن القول كذلك إن التوظيف الإسرائيلي للمفهوم قد عمد إلى خلق نوع من الرهاب في العالم الغربي من أي انتقاد أو اعتراض على سياستها وأفعالها باستخدام فزّاعة معاداة السامية. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك هو ما جاء في تقرير نشره المركز الأوروبي للدعم القانوني – وهو المنظمة الوحيدة في أوروبا والمملكة المتحدة التي تقدم الدعم القانوني للأفراد والمجموعات المعاقَبين بسبب دفاعهم عن حقوق الفلسطينيين – بعنوان:

“قمع مناصرة حقوق الفلسطينيين من خلال التعريف العملي لمعاداة السامية الصادر عن التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست – انتهاك حرية التعبير والتجمع في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة”.

يُقدّم التقرير، استنادًا إلى 53 حالة استُخدم فيها تعريف التحالف لاستهداف المدافعين عن حقوق الفلسطينيين بادعاءات معاداة السامية والتي ثبت أن لا أساس لها من الصحة، أدلة على أن هذا التعريف يُطبّق بطرق تكبح حرية التعبير والتجمع، بما يتناقض مع ما تعلنه المفوضية الأوروبية منذ سنوات. وهو ما أدى مع الوقت إلى رقابة ذاتية لدى الأفراد في المجتمعات الأوروبية، وعزّز العنصرية ضد الفلسطينيين. كما أظهر التقرير أن هيئات عامة وخاصة تطبّق تعريف التحالف بصورة متزايدة وكأنه قانون، على الرغم من أنه يُوصَف بأنه “غير مُلزِم قانونيًا”.

وقد بيّن التقرير كذلك أن المدافعين عن الحقوق الفلسطينية الذين يتم استهدافهم يواجهون مجموعة من العواقب الظالمة والمؤذية، بما فيها خسارة وظائفهم، وتضرر سُمعتهم، وإلغاء الفعاليات والتظاهرات، والإقصاء من المجال الأكاديمي أو الوظيفة التي يشغلونها… إلخ. كما تترك ادعاءات معاداة السامية – حتى إذا ثبت أن لا أساس لها من الصحة – بصمات لا تُمحى في حياة الشخص، ومن يمتلكون القدرات والموارد لخوض التحدي بوجهها، عليهم أن يسلكوا دربًا قانونيًا طويلًا وشاقًّا للقيام بذلك.

ووفقًا لجيوفاني فاسينا، مدير المركز الأوروبي المذكور آنفًا، فإن الباحثين والدارسين الذين يعملون على موضوع الصراع العربي أو الفلسطيني–الإسرائيلي، يتعرضون كثيرًا، بسبب اتهامات بمعاداة السامية، لإجراءات تأديبية مروعة أشبه بمحاكمات مصغّرة. ومن ثم، اضطر بعضهم لأخذ إجازة مرضية لأنهم لم يكونوا قادرين على التدريس في ظل خضوعهم لهذه الإجراءات الطويلة والمرهقة، أو عانوا من مشاكل صحية. واضطر البعض إلى الاستعانة بمحامين وتحمل أتعابهم، وغادر بعضهم المجال الأكاديمي، وانسحب بعضهم الآخر من مواقع التواصل الاجتماعي، وقال آخرون إنهم يمارسون الآن رقابة ذاتية لتجنّب توجيه اتهامات غير صحيحة إليهم ووصمهم، وحتى عزلهم عن أقرانهم. كما أخبرته إحدى الأكاديميات أنها حذفت مقاطع كاملة من كتابها الجديد خوفًا من تعرّضها لردّ فعل عنيف يُلحق بها الضرر.

وبالنظر إلى الواقع الراهن بعد طوفان الأقصى، نجد العديد من الأمثلة على ما يذكره فاسينا، فعلى إثر مظاهرات مؤيدة لفلسطين في العديد من الجامعات الأمريكية، فتحت وزارة التعليم الأمريكية تحقيقات بشأن معاداة السامية داخل جامعات أمريكية مرموقة، وشملت هذه التحقيقات سبع مؤسسات كبرى، من بينها جامعة كولومبيا، وكورنيل، وبنسلفانيا، وجامعة في كانساس.

كما مثُل ثلاثة رؤساء جامعات أمريكية كبرى، يوم الثلاثاء الموافق 5 كانون الأول/ديسمبر 2023، أمام لجنة في مجلس النواب الأمريكي، بعد أن وجّه بعض أعضاء المجلس اتهامات إلى هذه الجامعات بسوء التعامل مع الاحتجاجات العنيفة والمعادية للسامية في حرمها الجامعي.

واستدعت رئيسة اللجنة الجمهورية في الكونغرس الأمريكي، فيرجينيا فوكس، كلًّا من رئيسة جامعة هارفارد، كلودين جاي، ورئيسة جامعة بنسلفانيا، ليز ماجيل، ورئيسة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، سالي كورنبلوث، للإدلاء بشهادتهن في مسألة الاحتجاجات المعادية للسامية. وهو ما انتهى إلى استقالة رئيسة جامعة بنسلفانيا، ليز ماجيل، من منصبها يوم السبت 10 كانون الأول/ديسمبر، بعد سيل من الانتقادات بسبب شهادتها حول معاداة السامية في الكونغرس، كما استقال رئيس مجلس الإدارة بالجامعة، سكوت بوك.

ختامًا، إننا لا نُجاوز الحقيقة إن قلنا إن مفهوم معاداة السامية الراهن ما هو إلا ستار لتبرير ودعم سياسات “إسرائيل” العنصرية والدموية تجاه الشعب الفلسطيني، وأنه مجرد فزّاعة لإرهاب العالم – الغربي خصوصًا – ودفع كل فرد فيه لممارسة نوع من الرقابة الذاتية على أقواله وتصريحاته حتى لا يُوصَم بـ”معاداة السامية”، وتنهال عليه سيول الاتهامات المعلّبة والجاهزة لتُنكل به وتجعله عبرة لغيره.

إن مفهوم معاداة السامية هو مفهوم أسطوري يرمي لإضافة طابع قداسة وهمي على أفعال “إسرائيل” وسياساتها الإجرامية تجاه الشعب الفلسطيني.