وعـد بلفـور

“ستكون فلسطين اليهودية سدًّا في وجه أي محاولات شريرة لإنشاء دولة عربية تضم مصر والشام، وتهدّد مصالحنا من جديد.”
يبدأ “صك المؤامرة” بهذا الاقتباس من تصريح أدلى به بالمرستون، وزير الخارجية البريطاني عام 1840، أي قبل إصدار الوعد بسبعة عقود ونيّف، وبهذا التصريح يمكن إيجاز الحكاية.

“صك المؤامرة” هو كتاب صدر عن دار الفتى العربي في القاهرة سنة 1991، للمؤلفين: جميل عطية إبراهيم وصلاح عيسى، ويحتوي على أربع شهادات عن وعد بلفور لأشخاص عاصروا إصدار هذا الوعد.

ربما يكون وعد بلفور المشؤوم أشهر الوعود في التاريخ على الإطلاق، ففي الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1917، أرسل اللورد آرثر جيمس بلفور، وزير خارجية بريطانيا، رسالة إلى البارون ليونيل روتشيلد، يعلن فيها تعهد الحكومة البريطانية بمساعدة اليهود على إقامة وطن قومي لهم على أرض فلسطين. وقد ترسَّخ في وعي الأجيال المتعاقبة في العالم العربي أن لهذا الوعد دورًا أساسيًّا في اغتصاب الصهاينة لأرض فلسطين وتهجير الآلاف من اليهود إليها؛ إذ كان هذا الوعد الإعلان غير الرسمي عن ولادة تلك الدولة.

حاول الكاتبان سرد حكاية لاغتصاب فلسطين لا تشبه الرواية التي يحاول الإعلام الصهيوني الترويج لها، والتي تحكي عن شعب مؤمن بعدالة قضيته، استطاع هذا الشعب أن يجعل دول العالم تنصاع لمطالبه في إيجاد وطن بديل ليهود العالم على أرض فلسطين، بسبب إيمان راسخ لدى هذا الشعب بعدالة قضيته، وإن كانت شهادة حاييم وايزمان تؤكد بعض جوانب الرواية التي دأب الصهاينة على ترويجها. في المجمل، يركّز الكتاب على ما وراء الأحداث: الكواليس، والدوافع التي كانت تحرّك القوى الفاعلة آنذاك لاتخاذ قراراتها.

الشهادات الأربعة حسب أهميتها، وليس كما رتَّبها الكتاب:
الشهادة التي تعطي فكرةً واضحة عن العقلية التي تمتع بها الصهاينة المؤسسون لدولة إسرائيل، وما اتصفوا به من مكرٍ من جانب، وإصرارٍ من جانبٍ آخر، واستعدادهم لفعل أي شيء في سبيل الوصول لهدفهم؛ شهادة حاييم وايزمان. تليها من حيث الأهمية الشهادة الأكثر إيلامًا للقارئ العربي، والتي أظهرت سذاجةً، وربما أتجاوز وأقول: حماقةً من العيار الثقيل في التعامل مع الإنجليز خصوصًا، والغربيين عمومًا، الأمر الذي أوصلنا لما وصلنا إليه اليوم بعد سبع وسبعين سنة من النكبة؛ شهادة الشريف حسين.
أما الشهادة الثالثة من حيث الأهمية، فكانت شهادة اللورد آرثر هنري مكماهون، الذي كان معتمَدًا بريطانيًّا في مصر عامي 1915 و 1916، وتُسردُ في هذه الشهادة اعترافاتٌ واضحة بالتضليل الذي مارسته السلطة الاستعمارية البريطانية، ودورها القذر في بناء دولة إسرائيل.
أما الشهادة الأخيرة، فهي شهادة إدوين صموئيل مونتاجو، النائب اليهودي في مجلس العموم، الذي كان يحذر من خطر الحركة الصهيونية على المصالح البريطانية، والذي باءت جميع جهوده في الدفع للنأي ببريطانيا عن التورط في المشروع الصهيوني بالفشل.

شهادة حاييم وايزمان: “ذلك الوعد الذي انتظرناه”
اليهودي الروسي المولود في إحدى قرى روسيا سنة 1874، والذي أصبح فيما بعد الرئيس الأول لدولة إسرائيل عام 1949، تحدّث في شهادته عن الظلم الذي تعرّض له اليهود في روسيا القيصرية، والذي دفعه لمغادرتها إلى ألمانيا.

هناك، وأثناء بحثه عن حلول لمشاكل الاضطهاد التي كان يعاني منها اليهود في كل مكان، استقطبته الدعوة التي أطلقها ثيودور هرتزل لإقامة وطنٍ قوميٍّ لليهود، بعد أن بدأ بقراءة الكتيبات المنشورة لهرتزل ومقالاته، ثم ما لبث بعدها أن اشترك مع هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال بسويسرا.
فصلت هذه الشهادة في التطور الذي حصل للحركة الصهيونية من مجرد فكرة إلى دولة احتلت قلب العالم، وشرّدت شعبًا، وارتُكب بسببها من الفظائع ما لا يعلمه إلا الله.


من أهم النقاط التي ذكرها وايزمان، أنَّه والمتطرفين الصهاينة لم يترددوا في معارضة هرتزل بشدة عندما طرح فكرة إنشاء وطنٍ قوميٍّ لليهود في أفريقيا، لاعتقاده أن إنشاء وطنٍ لليهود في فلسطين لم يكن ممكنًا. فلم تكن هناك قدسيةٌ لآراء الأب الروحي للحركة الصهيونية، ورُمي بها عرض الحائط.
كما كان من الأمور المهمة التي أتى وايزمان على ذكرها في شهادته، ما تعلمه من هرتزل:
“كان الدرس الأساسي الذي تعلّمته من هرتزل هو أن أتحدث مع الجميع عمَّا يريدونه، قبل أن أتحدث عمَّا أريد أنا، وأن أقنعهم أن إعطاء فلسطين لنا هو أمرٌ لمصلحتهم قبل أن يكون لمصلحتنا.”

التقى وايزمان باللورد بلفور للمرة الأولى في 1906، وحدثه بحماسة، وبلغةٍ إنجليزيةٍ رديئة، على حد قوله، عن فكرة إنشاء وطنٍ قوميٍّ لليهود في فلسطين. ثم عاد والتقاه بعد ما يقارب عشر سنوات، فقال له بلفور:
“يبدو أنك لم تتغير عمَّا كنت عليه في سنة 1906، وأنا أؤكد لك أني لم أنسَ شيئًا من محادثتك معي في تلك السنة، ويوم تسكت المدافع ستكون القدس من نصيبكم.”

الشهادة فيها الكثير من التفاصيل عن كواليس إصدار الوعد، ولكن من الأمور الملفتة للانتباه قول وايزمان إنه أجرى ألفي مقابلةٍ سياسية للحصول على هذا الوعد:
“وفي كلّ مقابلة كنت أستخدم لغةً مختلفة: فمع المتدينين كنت أستشهد بآيات من التوراة، عن بني إسرائيل والوعود التي قطعها إله بني إسرائيل لهم. ومع الساسة البريطانيين كنت أتحدث عن قيام دولةٍ يهوديةٍ صغيرة بجوار قناة السويس، ترعى مصالح بريطانيا في المنطقة، وتقف في وجه الأطماع الفرنسية التي كشفت عنها الحملة الفرنسية.”

كما ذكر وايزمان شيئًا مشابهًا عندما تحدَّث عن الأطراف المتحاربة في الحرب العالمية الأولى:
“كنَّا على علاقةٍ طيبة بكلّ الدول المتحاربة، وكان كل طرفٍ يظنُّ أنّنا أخلص إليه من غيره.”
لقد عرفوا من أين تُؤكل الكتف.

شهادة الشريف حسين أمير مكة وملك الحجاز: “ذلك الزحام من الوعود الباطلة”:
“عند غروب كلِّ يومٍ أخرج إلى شرفة قصري. أتأمل الشمس وهي تغيب في زرقة البحر، وأتطلَّع بمنظاري المكبر إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسِّط، أحاول أن أرى حدود سورية أو موانئ فلسطين، وتتدافع إلى ذهني كلماتٌ من رسائل مكماهون لي.. هل وعدني مكماهون بالدولة العربية المستقلة، أم لم يعد؟ وإذا كان قد وعد، فلمَ اتَّفق سايكس مع بيكو على تقسيم تلك الدولة بينهما؟”
هذه الكلمات المثيرة للغثيان والشفقة في آنٍ معًا، وبعد كل ما حدث، وبعد وصوله إلى المنفى، توجز الحكاية؛ لقد غُرّر به، وخانه من أعطاهم كامل ثقته.

بعد قراءة هذه الشهادة، قد يتوارد إلى ذهن القارئ أن الشريف حسين قرَّر أن يستسلم للخديعة بكامل إرادته، وعن إصرارٍ وتصميم. فبعد توقيع اتفاقية سايكس – بيكو بين فرنسا وبريطانيا، وبحضورٍ روسي، تمَّ الاتفاق على اقتسام بلاد المشرق العربي بين فرنسا (سوريا ولبنان وشمال العراق وجنوب شرق تركيا)، وبريطانيا (الأردن والعراق ومصر وموانئ حيفا وعكا). أمَّا روسيا، فكانت حصتها بعيدة جغرافيًّا عن المشرق العربي، وشملت أرمينية الغربية والقسطنطينية والمضايق التركية. وكان اتفاق سايكس – بيكو اتفاقًا سرِّيًا بين الدول الثلاث.

عندما قامت الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، قام الثوَّار بنشر الوثائق السرية المتعلقة بالاتفاقية، التي كانت تناقض وعود الاستقلال التي قطعتها بريطانيا على نفسها خلال مراسلات حسين–ماكماهون.
بعد انتشار أنباء الاتفاقية المشؤومة، أرسل جمال باشا إلى الشريف حسين لإبلاغه بخداع البريطانيين له، فما كان من حسين إلا أن أرسل إلى الإنجليز للاستفسار عن الاتفاقية، فنفى بلفور وجود اتفاقية بهذا الاسم، وقال إن ما وجده الثوَّار الروس — حسب رواية بلفور — هو “محاورات ومحادثات مؤقتة بين الدول الثلاث جرت قبل اتصال مكماهون بي، وقبل قيامنا بالثورة.”

ظلَّت الشكوك تساور الشريف حسين حول وجود الاتفاقية من عدمه حتى مؤتمر الصلح في باريس، حيث تأكدت شكوكه بعد رفض الفرنسيين التعامل مع الأمير فيصل باعتباره رئيسًا لوفد رسمي، فسافر فيصل عندها إلى لندن، وهناك اكتشف أن سايكس–بيكو لم تكن محض افتراء من الثوَّار الروس.

وينهي الشريف حسين حديثه عن الخيبة التي مُني بها فيقول:
“أمَّا وعود مكماهون لي، فقد تاهت في زحام تلك الوعود، ولم نحصل على الدولة المستقلَّة التي نحلم بها، ولم تنفِّذ بريطانيا وعدها لي بدعم عرشي والحفاظ عليه.”
ثم يسترسل:
“وحين تغرق الشمس في مياه البحر، أدفع بمقعدي المتحرِّك، وأعود إلى وحدتي.”

يتحدَّث عن إشفاقه على نفسه من هذا المصير المُذل، ولا يتحدث عن خسارته لأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. يتحدَّث عن عرشه وعن تعرِّضه للخيانة، ولا يخطر بباله أن يلوم نفسه على المصير الذي آل إليه المشرق العربي بكليِّته. شهادةٌ ليس فيها اعتراف بالتقصير، وإنَّما لومٌ مستمر للأعداء على خيانتهم.

لو قارننا بين حاييم وايزمان والشريف حسين، يصبح كل ما حصل لاحقًا أمرًا متوقعًا، ومن الممكن التنبؤ به بسهولة. وايزمان لم يتحدَّث في شهادته عن نفسه، أو عن مشاعره، أو عن معاناته، باستثناء الفترة التي عاشها في روسيا، بينما سيطرت مشاعر الإشفاق على النفس من الخيانة والخديعة والشعور بالخذلان على شهادة الشريف حسين.
شهادة الشريف حسين تجعل من الصعب على القارئ أن يحترم الشريف، أو أن يتعاطف معه بعد الذلّ الذي تعرض له في نهاية عمره.

شهادة السير هنري مكماهون: “ثلاثة وعودٍ متناقضة في ثلاثة أعوام..”
هنري مكماهون، المعتمد البريطاني في مصر عام 1915، تحدَّث عن الظروف التي أحاطت ببريطانيا في الحرب العالمية الأولى، وجعلتها تفكِّر في مستقبل الوطن العربي بعد الحرب، وتسعى للتفاهم مع حلفائها ومنافسيها حول اقتسامه. كما حاول شرح الظروف التي أحاطت ببريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى، وأثَّرت في رسم سياساتها تجاه الأقطار العربية التي كانت تحت السيادة التركية.

بدأ مكماهون شهادته بقوله إنَّه لا يدلي بهذه الشهادة للدفاع عن نفسه، فيقول:
“أعرف أنَّ العرب لن يقبلوا عبارة الاستقلال ضمن (حدود معيَّنة)، وسيسارعون ويُبرزون خرائطهم، ويُقدّمون نصوص المراسلات التي يزعمون أنّني وافقت فيها على حدود الدولة التي وعدتُ بمنحها الاستقلال بعد الحرب.”

عند صدور القرار بتعيين اللورد مكماهون معتمَدًا بريطانيًّا في مصر بعد أسابيع من نشوب الحرب العالمية الأولى، التقى اللورد كتشنر، المعتمَد البريطاني السابق في مصر، الذي استُدعي إلى بريطانيا ليتولَّى منصب وزير الحربية.
كان أهم ما قاله كتشنر في هذا اللقاء أن تركيا هي مفتاح الحرب، فلو ضمِن الحلفاء أنَّها لن تدخل الحرب في صفِّ الألمان، سيكون باستطاعتهم الانتصار في الحرب.
يمكن تلخيص الدور الذي لعبه مكماهون في إصدار الوعد بالعبارات التالية التي وردت في شهادته:

“المسألة – منذ البداية – كانت مصالح الإمبراطورية؛ وهي عندي قبل أي وعد، وفوق أي اتفاقٍ أو تصريح.”

“أثناء انعقاد مؤتمر الصلح في باريس، قال لي أحد الساسة العرب مندهشًا: ماذا تتوقَّع أن يقول المؤرِّخون عنكم؟
بهدوءٍ قلت: أفضّل أن يقولوا هذا رجلٌ خدم الإمبراطورية، على أن يقولوا هذا رجلٌ منح العرب استقلالهم.”

لا بدَّ لمن يريد أن يفهم الدور الذي اضطلعت به بريطانيا في رسم ملامح الشرق الأوسط في بداية القرن الماضي من قراءة هذه الشهادة.


شهادة إدوين صموئيل مونتاجو: “ذلك الشرُّ الذي بذرناه”
وزير شؤون الهند في وزارة لويد جورج، اليهودي الذي عارض صدور وعد بلفور، كان يرى أنَّ:
“الصهيونية فكرةٌ خاطئة على كلّ المستويات. ونحن اليهود الاندماجيون نرفضها، ونرفض الاعتراف بأنَّ فلسطين مرتبطة باليهود أو مكانٌ ملائم كي يعيشوا فيه.”

صموئيل مونتاجو، اليهودي البريطاني وعضو مجلس اللوردات عن حزب الأحرار، والذي تولَّى مناصب عليا في بريطانيا، لم يكن يعاني من التهميش، ولم يتعرَّض للظلم بسبب ديانته كما حصل لوايزمان، ولم يغادر وطنه ليبحث عن وطن بديل.
شهادته تحتوي على تفاصيل تُثبت أنَّ بريطانيا لم تكن تكترث لأحوال اليهود، ولا لقضيَّة مظلوميتهم، وإنَّما كانت مدفوعة بالبحث عن تأمين مصالحها في الشرق الأوسط وفي قناة السويس.

“التاريخ قد يكون سجلًّا للجرائم والمصائب.” — فولتير
جريمتهم ومصيبتنا.