
استشهد السنوار.
ولم تنتشر رواية استشهاده بفضل رواجها في الصحافة العبريَّة، إنما لم يكن لدى أحد شك في أن البطولة الجليَّة في المشاهد التي سرَّبها الاحتلال لتكون وبالًا عليه، ليست بعيدة عن طبع السنوار وحميَّته، وإن غَلب الشك قلوب الشجعان في كل العالم، لم يكونوا ليتجاوزوا لحظة محاولته إسقاط المسيرة بعصا خشبية، وذراعٍ ينزف، وأنفاس أخيرة نَعِم لثامه الطاهر بشهادتها.
هذا السِّنوار الذي عرفه الاحتلال جيدًا، ورآه في وجه كل مجاهدٍ وطفل وشيخ أعزل أو مسلح انتفض أمامهم وحيدًا مقبلًا دون مهابة.
عصيٌّ على التسليم للرمق الأخير بالسلاح أو الحجارة، لم يفقد حدة نظراته وجرأتها في جرحه وإصابته، وهو يعلم أنها آخر نظرة له على هذا العالم الذي أبى إلا أن يشكله كما يريد.
هذا الهدوء الذي سبق استشهاده كان هدوءه حين همس في أذن رجلٍ من مقاتليه الأشاوس، شهيدًا ممددًا ملفوفًا بالراية الخضراء قبل السابع من أكتوبر، ثم استيقظ العالم على هجومٍ شامل فَتَك بالقوى الاستخباراتية والعسكرية التي سعى الاحتلال المهزوم المأزوم لإثباتها لسنوات.
رحل السنوار، وترك خلفه جيلًا مولعًا بحب الاشتباك، مصرًا على المقاومة أكثر من أي وقتٍ مضى، ومخلصًا لقضية كاد العالم أن ينساها، ومخلِّفًا طوفانًا مديدًا سينكِّل بالعدو ويرهبه، ويؤزمه، ويقض مضجعه، حتى يقضي عليه.
رحل بعد أن هدم السردية الإسرائيلية التي كلفت الاحتلال عامًا كاملًا من الحرب، وكبدته خسائر لا يمكن إحصاءها، لتثبت للعالم أن السنوار هو الرجل الذي ورَّط شعبه واختبأ هاربًا، ومن قبله القادة الشهداء، الذين ادَّعوا اختباءهم في الانفاق، واستجارتهم بالنازحين، وتحصنهم بالأسرى والمحتجزين.
سيظل هذا الرصاص في وجهه وركبته علامة الأحرار، وتظل جعبته التي خلع البدلة السياسية ليلبسها ويشتبك، وبندقيته وسلاحه المخضلان بدمائه، وقد قاتل بهما حتى النهاية دون أن يولي مدبرًا، ليس للهرب، وإنما حتى ليضمد جرحه= رسالة صمودٍ يرسلها للعالم، ويقلب بها موازين القتال في الحرب، فالأمم الداعمة اليوم سترى الإرهابيين الحقيقيين الذين يحتمون بالقبب الحديدية والميركافا والقواعد العسكرية المحصنة، ويروجون لإرهاب المقاومة وقتل الأبرياء في رواياتٍ مكذوبة بيّنة، دحضها الشهيد دون أن يدركوا ذلك.
«وإذا لم تكن المقاومة هي يحيى السنوار، فإن نهج السنوار هو أصدق تعبير عن المقاومة، فإن ما أُخذ بالقوة لن يُسترد إلا بالقوة.
وإن كانت الأيام قد أثبتت للسنوار موطئًا يغيظ أعداءه فأصبح من أهم القادة في تاريخ فلسطين، فإن صعوده دليل على وجود غيره يتأهب للصعود، وإثباتٌ أن للمقاومة جدوى مستمرة. ومهما كان ما قد يُنسب إلى السنوار، من شدة أو حزم أو بأس، فإن إنجازه الأعظم سيكون كسر حاجز الخيال، وإعادته الأمل إلى المؤمنين بالعدل والحرية في أن تتحطم الأساطير واحدة تلو الأخرى. فقد أثبت للعالم، كما أخبر صديقه من قبل، أن كسر السلك ممكن، وأثبتت حماس باختيارها له رئيسًا لمكتبها السياسي بالإجماع أن قيادتها تتفق مع السنوار على أن هذا السلك لن يُكسر إلا كما قال: خاوة!»
