من مانديلا إلى أحفاده: فلسطين حرة!

التضامن الحق هو أن ترى جرح غيرك امتدادًا لجرحك، وأن تستشعر في قيده قيودك أنت، ولو كنت حرًّا في ظاهر الأمر. هكذا كانت جنوب أفريقيا، منذ أن خرجت من ليل الفصل العنصري، وهي تُقسم ألا تنسى من هم في ليلهم بعد. لعبت جنوب أفريقيا، منذ عهد نيلسون مانديلا وحتى جيله الجديد، دورًا بارزًا في دعم القضية الفلسطينية، مستمدة إلهامها ونضالها وجذورها من تجربتها المؤلمة في مواجهة الفصل العنصري. فكما توهج نجمها في منطقة جنوب القارة، كذلك أثرت رؤيتها في مشهد التضامن العالمي، وخاصة مع فلسطين الحرة.

يوم خرج نيلسون مانديلا، بعد سبعة وعشرين عامًا في سجون النظام الأبيض، إلى الشمس، كان بداية لوعدٍ قطعه بأن تكون حرية بلده فاتحة لحرية الآخرين. قال كلمته التي صارت ميثاقًا: “حريتنا غير مكتملة دون حرية الفلسطينيين”. قالها بإيمان من ذاق عذاب القيود، فلا يحتمل رؤيتها على معصمٍ آخر. بعد إطلاق سراحه عام 1990، التقى نيلسون مانديلا بالزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في لوساكا، مظهرًا تضامنه الكامل.

منذ الخمسينيات، كان حزب المؤتمر الوطني الأفريقي يمد يده إلى منظمة التحرير الفلسطينية، في سريَّة النضال تارة، وفي العلن تارة أخرى. وجدوا في النضال الفلسطيني صدى لخطواتهم، وفي دماء الشهداء هناك دماء إخوة ولدتهم أرحام المعاناة، وكأن كل طلقة هناك تُسمع صداها في جوهانسبرغ، وكل هتاف هنا يجد رجع صداه في غزة أو نابلس. فكان الدعم متبادلًا بين منظمة التحرير الفلسطينية والمقاومة ضد الفصل العنصري الذي كان مباركًا بكل ما لديه خطوات إسرائيل قبل إعلانهم دولتهم.

وحين أثمرت الثورة عن الدولة الجديدة، لم تَخُن جنوب أفريقيا وصيتها الأولى. ففتحت سفارة لفلسطين في بريتوريا، وأغلقت أبوابها في وجه دعاة الاحتلال. وفي أعقاب أول انتخابات ديمقراطية عام 1994، أقامت جنوب أفريقيا علاقات دبلوماسية مع دولة فلسطين في 15 فبراير 1995، مؤكدين بذلك دعمهم السياسي والقانوني للقضية الفلسطينية.

وفي كل حرب على غزة كانت أصواتهم تعلو، بمقاطعة أكاديمية وتجارية دون خطابات هزيلة، ودعوات للمجتمع الدولي أن يفي بما يدَّعي من مواثيق العدل. فقد استُخدمت مواقف رسمية وشعبية قوية خلال عدة حروب على غزة للدفاع عن حق الشعب الفلسطيني والاحتجاج ضد الاحتلال، كما شهدت جامعة جوهانسبرغ وغيرها خطوات للمقاطعة الأكاديمية ضد إسرائيل، بالإضافة إلى دعوات مقاطعة منتجاتها.

في 29 ديسمبر 2023، وفي صمت العالم عن وقف الإبادة، وعجز الجيران عن التصدي لسيلان الدماء. وبكل شجاعة يحسدون عليها، رفعت جنوب أفريقيا شكوى أمام محكمة العدل الدولية ضد انتهاكات إسرائيل لاتفاقية منع الإبادة الجماعية عبر عملياتها العسكرية في غزة.

وفي 26 يناير 2024، أصدرت المحكمة قرارًا مؤقتًا اعتبرت فيه أن الانتهاكات بحق الفلسطينيين إبادة جماعية، وطالبت بوقف الحملة العسكرية والسماح بإدخال المساعدات الإنسانية. وعلى الرغم من أن هذا لم يحدث، فقد رفع أحفاد مانديلا صوتهم أمام العالم، موقعين الحجة عليهم أمام الله ثم التاريخ.

ولم تكتف بهذا الجهد الكبير الذي بذلته، ففي مارس – مايو 2024، قدَّمت جنوب أفريقيا أمام المحكمة طلبًا جديدًا لتعديل التدابير المؤقتة، طالبة إيقاف الهجوم على مدينة رفح ومنع إعاقة دخول المساعدات وتأمين وصول الصحافيين والمحققين، إلى جانب تقديم تقرير خلال أسبوع حول تنفيذ تلك التدابير.

واستمر جهدهم دون تراجع، ففي 28 أكتوبر 2024، سلَّمت جنوب أفريقيا المذكرة الكاملة للمحكمة، وهي وثيقة تزيد عن 750 صفحة مدعومة بأكثر من 4,000 صفحة من الملاحق والأدلة، مستندة على أنشطة إسرائيل المزعومة لتدمير حياة الفلسطينيين في غزة، بما في ذلك استخدام التجويع كأسلوب حرب. هذه الوثيقة تؤكد نية الإبادة والامتناع عن تطبيق القانون الدولي.

الشجاعة معدية، وإن كانت الحدود الدنيا منها، فقد دفعت هذه الخطوات دولًا مثل إيرلندا بإعلان انضمامها إلى القضية، مؤيدة للخطوة القانونية والاعتراف بوجود إبادة جماعية محتملة . كذلك، ساعدت هذه الإجراءات على استقطاب الدعم في صفوف دول الجنوب، ما أدى إلى تأسيس مجموعة لاهاي (Hague Group) في يناير 2025، بقيادة جنوب أفريقيا، للعمل على دعم العدالة الدولية أمام التحديات القانونية والسياسية. تشمل التزامات هذه المجموعة منع تصدير الأسلحة لإسرائيل، ومنع توقف السفن أثناء مرورها من موانئهم. وفي مؤتمر مشترك استضافته كولومبيا وجنوب أفريقيا، دعت مقررة الأمم المتحدة الخاصة إلى تحرك عاجل لوقف ما وصفته بإبادة جماعية في غزة. وجمع المؤتمر ممثلين عن أكثر من 30 دولة، مؤكدًا الحاجة لوقف العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل وفرض العقوبات.

قد يكون الاقتصاد والفقر أحيانًا غارقين بأقدام السياسة، لكن مواقف جنوب إفريقيا ظلت ثابتة، رغم التحذيرات الغربية. إذ تُعد العلاقات الجنوبية – الغربية محورية للاقتصاد، لكن هذا لم يمنع بريتوريا من المضي في موقفها بدعم القضية الفلسطينية. ورغم إصدار الرئيس الأمريكي آنذاك قرارًا بوقف المساعدات لجنوب أفريقيا كنوع من الضغط، أصرَّ وزير العلاقات الدولية الجنوب أفريقي، رونالد لامولا، على استمرار القضية أمام المحكمة، مؤكدًا بأن لا دولة فوق القانون. ورغم ذلك يتباطأ العالم في إيقاف هذه الإبادة، لكن جنوب أفريقيا قد أدت ما عليها حسب قدراتها.

منذ بداية 2024، اتخذت جنوب أفريقيا مسارًا قانونيًا مدروسًا، مسلحة بالمذكرات المفصَّلة، والتحالفات الدولية، والمواقف الحازمة. تعدَّى هذا التضامن العاطفة إلى المسؤولية التاريخية مستمدة من تجربة نضالها ضد الفصل العنصري. بالتحرك بوعي سياسي وإستراتيجي، تصنع جنوب أفريقيا جسرًا بين معاناة الماضي النضالي والحاضر التراكمي، مجسدة أن حرية الشعب الفلسطيني جزء لا يتجزأ من الحرية العالمية.

يجسد موقف جنوب أفريقيا من القضية الفلسطينية نموذجًا مشرقًا للتضامن المبني على التجربة المشتركة في مواجهة الظلم، والتبني القانوني والسياسي العميق لقضية شعب يكافح من أجل الحرية. من ترابط منظمة التحرير الفلسطينية وANC في مرحلة ما قبل النضال الديمقراطي، مرورًا بدعم مانديلا الشخصي والشعبي، حتى بعد تراجع مجهود منظمة التحرير أعرب أحفاد مانديلا صراحة وقوفهم بجانب حركة حماس كمقاومة ضد نظام الفصل العنصري، وصولاً إلى الجهود القانونية المعاصرة.

تتكشف قصة فلسطين الحرة في جنوب أفريقيا كواحدة من أصدق وأقوى روايات التضامن العالمي، وعبَّر حفيد مانديلا، ماندلا مانديلا، خلال مظاهرة مؤيدة لفلسطين، قائلًا: “لقد وقفنا مع الفلسطينيين وسنواصل الوقوف معهم.”، تعكس مثل هذه التصريحات استمرارية الإرث النضالي لعائلة مانديلا في الدفاع عن العدالة وحقوق الإنسان، وفق روح التضامن بين المضطهدين في أنحاء العالم. ليس في الأمر رومانسية تاريخية، بل وفاءٌ لدم سال، ولعهدٍ كُتب في الأسر، ومرارة احتلال تذوقوه من قبل.