كيف يموِّل المسلمون خزينة الكيان الصهيوني؟

تلعب الشركات الداعمة للاحتلال الصهيوني حول العالم دورًا كبيرًا في إطالة أمد الصراع الفلسطيني- الصهيوني؛ من خلال دعمها الاقتصادي واللوجستي والتكنولوجي الذي يساعد في تعزيز البنية التحتية لاحتلال استيطانيّ يعتمد بشكل كبير على الموارد التقنية والمالية والعسكرية التي توفرها لبسط سيطرته وقمع المقاومة الفلسطينية، مما يعيق أي حلول سلمية محتملة.

تعمل هذه الشركات في قطاعات مختلفة، منها: التكنولوجيا، الأغذية والمشروبات، والصناعات العسكرية، كما أنها ليست بالضرورة تابعة للاحتلال أو متحالفة أيديولوجيًا معه، بل قد تكون أمريكية، أو أوروبية، أو آسيوية، لكنها في النهاية جزء أساسي من اقتصاد عالمي يكفل له استمرار الاحتلال تعزيز نفوذه وتوسيع نشاطه.

من بين هذه الشركات، تبرز شركة “جوجل” بما قدمت من دعم تقنيّ هائل للاحتلال، ففي الثلث الأخير من أكتوبر ٢٠٢٣ م، وفي أتون حرب الإبادة، أوقفت الشركة ميزة تتبع حركة المرور في الوقت الفعلي داخل الأراضي المحتلة وقطاع غزة في تطبيق “خرائط جوجل” و”ويز”، بناءً على طلب خاص من جيش الاحتلال قبل انطلاق عملية الغزو البري على غزة؛ بهدف حماية القوات البرية عند تحركها على الأرض.

وسابقًا، في يوليو ٢٠٢٢ م كشف تقرير لـ “The Intercept” عن دور جوجل في توفير مجموعة متكاملة من أدوات تعلم الآلة والذكاء الاصطناعي لحكومة الاحتلال، مما يتيح لها قدرات متقدمة في التعرُّف على الوجوه، وتتبُّع الأجسام، وحتى تحليل المشاعر، وهي أدوات تعزز قدرة الاحتلال على فرض الرقابة والسيطرة على الفلسطينيين.

من جانب آخر، أعلنت سلسلة مطاعم “ماكدونالدز” الأمريكية عبر وكيلها في الداخل المحتل عن دعمها لجيش الاحتلال بنحو 4 آلاف وجبة يوميًا، تأكيدًا لدورها الداعم والمساند خلال العمليات العسكرية.

بينما أعلنت “ستاربكس” موقفها الداعم للكيان الصهيوني في حربه على غزة عبر منشورات رسمية على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يتجسَّد هذا الموقف بوضوح عند إصدار اتحاد عمال المجموعة بيانًا يعلن فيه تضامنه مع الفلسطينيين ضد حرب الإبادة، حيث سارعت الشركة بإعلان براءتها من هذا البيان، ورفعت دعوى قضائية ضد أصحابه.

أما “كارفور”، فقد نشرت صورًا لعمليات تسليم شحنات من منتجاتها لجنود الاحتلال لتقويتهم على ما هم فيه، معربين عن شكرهم لهذا الجهد في حماية دولة الاحتلال.

بالإضافة إلى ما أشرنا إليه، ثمة العديد من الشركات الكبرى الأخرى، مثل: مايكروسوفت، وآبل، وإنتل، وإتش بي، التي تساهم بطرق متنوعة في نصرة هذا الاحتلال، سواء عبر تعاونها الاقتصادي المباشر، أو من خلال أنشطتها في الأسواق العالمية.

تعدُّ المقاطعة الاقتصاديَّة لهذه الشركات أكثر من مجرد تعبير رمزي عن الرفض، بل “استراتيجية” فعالة للضغط الاقتصادي عليها من أجل التوقف عن دعم الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان؛ إذ تحرم المقاطعة الشركات من الوصول إلى الأسواق العربية والإسلامية الكبرى، كما تعزز الوعي بحقيقة الأحداث الجارية، وتساهم في عزل الاحتلال اقتصاديًا.

يمكننا ملاحظة تأثيرات اقتصادية كبيرة ألقت بظلالها على بعض الشركات الكبرى من جرَّاء حملات المقاطعة التي نظَّمتها الشعوب العربيَّة والإسلاميَّة حول العالم مع انطلاق الحرب، فـ “ماكدونالدز” مثلًا تعرضت لخسائر ضخمة في الأسواق العربية، حيث انخفضت مبيعاتها بنسبة تراوحت بين 50% و90% في غضون شهر واحد من بداية المقاطعة، وأعلنت عن تراجع مبيعاتها العالمية لأول مرة منذ ثلاث سنوات عندما هبطت بنسبة 1% في الربع الثاني من عام 2024، فيما كشف الرئيس التنفيذي للشركة في يناير 2024 عن “ضرر ملموس” ألحقته المقاطعة بمبيعاتها في أسواق الشرق الأوسط وأماكن أخرى، بالإضافة إلى تقارير تفيد فقدانها نحو 7 مليارات دولار من قيمتها السوقية في غضون ساعات من الاعتراف بتأثير المقاطعة على مبيعاتها في الشرق الأوسط.

أما ستاربكس، فقد عانت من انخفاض في قيمتها السوقية وصل إلى 10.98 مليار دولار بعد شهر ونصف فقط من تصاعد الحرب، وتراجع المستثمرون عن تملّك أسهمها، مما دفعها إلى أطول سلسلة خسائر منذ أول طرح لها في أسواق المال عام 1992 م.

وفي الربع الأول من العام 2024 م أعلنت الشركة عن أرباح وإيرادات أقل من المتوقع، إذ بلغ ربح سهم الشركة 68 سنتًا مقابل 79 سنتًا متوقعًا، واستمر هذا التراجع في الأرباح والإيرادات خلال الربع الثاني، حيث انخفض سعر السهم بنسبة 16%، بينما سجلت مبيعات المتاجر تراجعًا بنسبة 4%، مما يعكس التأثير الكبير للضغط الشعبي في مقاطعة العلامات التجارية التي تدعم الاحتلال.

وبالنسبة لشركة كارفور، فقد أظهرت البيانات – وفقًا لمجموعة ماجد الفطيم الإماراتية – تراجعًا في أرباحها بنسبة 15% خلال عام 2023 م نتيجة لأسباب منها حملات المقاطعة، وكان من أبرز تداعيات ذلك إغلاق 4 فروع لها في الأردن.

هكذا، وبينما تواصل هذه الشركات دعم الاحتلال لتحقيق مكاسبها الخاصة دون اكتراث بالقيم الأخلاقية، تعتصم الشعوب بما في أيديها من وسائل اقتصادية لإحداث تغيير؛ إذ بالمقاطعة، يتحول المستهلك العادي إلى فاعل مؤثر، يسعه أن يصحِّح المعادلة، ويعيد توجيه البوصلة لنصرة القضايا العادلة.