اشتباكات المقاومة وإنجازاتها

مع عودة الحرب إلى غزة، اشتعلت الأرض تحت أقدام المحتل، وعلت رايات المقاومة من جديد، معلنة للعالم أن صمود الأحرار أقوى من العدوان. تحرك أفراد المقاومة وسط الدمار كالشبح في الظلام، ينتزعون النصر انتزاعًا، حامدين الله تعالى على ما آتاهم، ومكبرين، فاستهدفوا عددًا من الجنود في منطقة جحر الديك، وجعلوا من الأزقة فخاخًا تزهق فيها أرواح الغزاة، وتثبت في الأذهان الأذهان أن الاستعمار مهما بلغت قوته، يظل غريبًا على أرض لم تكن يومًا له.

وكانت هذه مجرد بداية، فقد بدت سيطرة المقاومة على الميدان من خلال تدمير الآليات المتوغلة واحدة تلو الأخرى، بل وتجاوز ضرباتها إلى عقر دار العدو، لتصل صواريخها إلى يافا المحتلة (تل أبيب)، في رسالة واضحة أن يدها قادرة على الوصول إلى أبعد ممَّا يتصورون.

ولما حاول الاحتلال أن يخطو نحو الشمال، كانت المقاومة له بالمرصاد، فاندلعت اشتباكات من المسافة صفر، تقدم فيها المقاومون بكل جرأة، كاشفين هشاشة جنود الاحتلال، وأنهم مهما كانوا مدججين بالسلاح ليسوا سوى أهداف سهلة لمقاومة تعرف أرضها حقًا وتُقاتل من أجلها. تلك القوة النارية الهائلة التي يمتلكها الاحتلال لم تكن مجدية إذن، واستمر المقاومون يومًا بعد يوم من قنص جنود الاحتلال، وإيقاعهم من المسافة صفر، ليتحول الجحيم الذي بذل العدو ماله ونفسه لإلقاء غزة فيه إلى مستنقع من دمائه لا يستطيع الخروج منه.

إدارة الحرب بحكمة – الذكاء السياسي

مع تواصل الهجوم الذي يشنه جيش الاحتلال على قطاع غزة، بثّت المقاومة الفلسطينية مقطعًا بعنوان “الوقت ينفد”، أظهرت فيه صورًا لأسرى إسرائيليين قتلوا نتيجة الغارات الإسرائيلية على القطاع. جاء هذا المقطع بمثابة دعوة واضحة للاحتلال لإيقاف هجومه البربري بما أن استمراره يهدد حياة أسراه. هذا يعني أن المقاومة تملك أوراقًا قوية بيدها، لا تتردد في استخدامها في الوقت المناسب كوسيلة ضغط لتحقيق أغراض سياسية.

لاحقًا، نشرت المقاومة مقطعًا آخر لثلاثة أسرى من كبار السن، يعبرون عن مخاوفهم من أن يصبحوا ضحايا للغارات الجوية الإسرائيلية، مطالبين رئيس وزرائهم بالتدخل للإفراج عنهم بأي ثمن ودون شرط. أحدهم، حاييم بري، قال – في مرارة – أنهم جزء من الجيل الذي أسس الدولة وبنى الجيش، ولا يفهم لماذا تُركوا إلى هذا المصير المجهول، وختم حديثه بنداءٍ إلى حكومة الاحتلال: “لا تتركونا نشيخ.”

هذا الضغط الإعلامي والسياسي المنظم من شأنه أن يجبر قيادة الاحتلال على أخذ موقف، حيث أعلن رئيس الكيان الصهيوني إسحاق هرتسوغ خلال لقائه سفراء أجانب أن الاحتلال مستعد لعقد هدنة إنسانية أخرى للإفراج عن المحتجزين، ملقيًا بالمسؤولية كلها على عاتق قيادة المقاومة. وفي سياق موازٍ، تداولت الأوساط الإسرائيلية تقارير عن استعداد الاحتلال للدخول في صفقة تبادل جديدة، تشمل إطلاق سراح أسرى فلسطينيين “خطيرين” ممن أدينوا بعمليات قتل، وهو ما كان خطًا أحمر في السابق. وذكرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن هناك جدلًا في الأوساط السياسية حول حجم التنازلات المطلوبة، ومدى استعداد إسرائيل للإفراج عن أسرى أثقل ممن أطلقت سراحهم في الصفقة السابقة.

بذكاء ودهاء سياسيين، نجحت المقاومة في تحويل ملف الأسرى إلى ورقة ضغط قوية، أجبرت الاحتلال على مراجعة حساباته. ورغم أن التنازلات المطلوبة مؤلمة، فإن المقاومة أكدت أنها لن تقبل بأقل مما تستحق، وأنها قادرة على فرض شروطها من منطلق القوة، مهما حاول الاحتلال التهرب.

الرأي العام العالمي

منذ بدء الحرب الصهيونية الغاشمة على قطاع غزة في أكتوبر 2023 م، اشتعل الرأي العام العالمي تضامنًا مع الفلسطينين، وارتفعت أصوات الشعوب في مختلف العواصم منددة بالعدوان ومطالبة بوقف إطلاق النار. تجسدت هذه الروح في مشهد ارتداء الكوفية الفلسطينية التي أصبحت رمزًا عالميًا للصمود والمقاومة حول العالم. الموزعون الأمريكيون أفادوا بأن مبيعات الكوفية الفلسطينية قفزت بشكل غير مسبوق، حيث امتلأت بها الشوارع في التظاهرات التضامنية. ورغم محاولات قوات الأمن إزالتها بالقوة في بعض الاحتجاجات، وتعرض من يضعونها لمضايقات لفظية وجسدية، إلا أنها ظلت تخفق كتعبير حي عن التضامن مع غزة وصمودها.

على الجانب الآخر من المعركة، كانت المنظمات الموالية لإسرائيل تعمل بلا هوادة للتأثير على هذا الرأي العام العالمي الآخذ في النمو والامتداد، فأنفقت أموالًا طائلة في حملات دعائية مكثفة على وسائل التواصل الاجتماعي. أفاد تحليل أجرته صحيفة “بوليتيكيو” الأمريكية أن تلك المنظمات أنفقت ما يقارب مئة ضعف ما أنفقته المجموعات المؤيدة للفلسطينيين، بما يزيد عن مليون دولار على منصات مثل “فيسبوك” و”إنستغرام” خلال شهر نوفمبر. ورغم هذا الإنفاق الهائل، فشلت تلك الجهود في تغيير الرأي العام الذي ظل في معظمه متعاطفًا مع الفلسطينيين ورافضًا للإبادة الجماعية التي يمارسها الاحتلال يوميًا ضد المدنيين.

أظهرت التقارير الإعلامية والتحليلات المستقلة بوضوح صورة قاتمة للاحتلال في المشهد الإعلامي العالمي. فقد كشفت القناة 12 الإسرائيلية عن تحليل أجرته شركة “ميج آي آي”، أظهر أن 83% من المنشورات المتعلقة بالحرب على مواقع التواصل الاجتماعي ضد إسرائيل، مقابل 9% فقط لصالحها. وعلى صعيد المقالات المنشورة في وسائل الإعلام الدولية الكبرى كانت 64% منها حيادية، و28% ضد إسرائيل، و8% فقط لصالحها. هذه النسب تعكس تراجع الدعم الدولي للاحتلال حتى في دول كانت تُعتبر حليفًا له.

 وأفادت شبكة “سي إن إن” الأمريكية بأن وكالات استخباراتية حذرت من أن مصداقية “حركة حماس” وتأييدها زادا بشكل كبير خلال الشهرين الماضيين؛ حيث إنها نجحت في تقديم نفسها كمدافع شرعي عن القضية الفلسطينية، ومقاتل فعال ضد الاحتلال، خاصة بعد إطلاق عملية “طوفان الأقصى”. يشير هذا التحليل إلى أن المقاومة الفلسطينية – رغم ضراوة العدوان – قد تمكنت من كسب معركة القلوب والعقول، لتعيد تشكيل الرأي العام في الشرق الأوسط وخارجه، مثبتة أقدامها كقوة لا يمكن تجاهلها في الساحة الدولية.

الشعب والمقاومة يدٌ واحدة

يتبنَّى البعضُ نظريَّة المفاصلة بين المقاومة كحركة سياسيَّة لا تحسن التدبير ولا تقدير المآلات، والشعب المدني الذي يدفع حياته وحياة أحبابه وأقاربه ثمنًا لشيء لم يرتكبه. والحقيقة أنَّه في لحظة توحُّد تاريخية بين الشعب الفلسطيني ومقاومته، كشف استطلاعٌ للرأي أُجريَ مؤخرًا أن 70% من الفلسطينيين يطالبون بحل السلطة الفلسطينية، معتبرين أن قيادتها لا تمثل إرادة الشعب في مواجهة الاحتلال. وأظهر الاستطلاع أن 90% من الفلسطينيين يرون أن الرئيس ينبغي أن يستقيل، بينما ارتفعت نسبة تأييد العمل المسلح لمواجهة الاحتلال إلى ما يزيد عن 60%. وفيما يخص عملية “طوفان الأقصى”؛ فقد عبَّرت الأغلبية العظمى في الضفة الغربية وقطاع غزة عن دعمها للعملية، إذ رأى 72% ممن شملهم الاستطلاع أن القرار كان صائبًا، في تكاتف واضح بين الشعب ومقاومته؛ إيمانًا منه بأن ضريبة الحرية تُدفع بالدم والتضحيات. هذا التلاحم العميق بين الإرادة الشعبية والمقاومة يؤكد أن “طوفان الأقصى” عمليَّة شريفة لها دورها في هذا الصراع التاريخي.

التعاطف العربي مع غزة

تجلَّى التعاطف العربي مع غزة في معركتها ضد الاحتلال في صور متعددة، فعلى حين شهدت الشوارع العربية والإسلامية مسيرات صاخبة تنادي بوقف العدوان ودعم الشعب المقاوم، أصدر شيخ الأزهر أحمد الطيب توجيهاته بتوفير منح دراسية كاملة للطلاب الفلسطينيين الدارسين في جامعة الأزهر ومعاهد البعوث الإسلامية، تشمل الإعفاء من المصروفات الدراسية، وتوفير السكن، وصرف مبالغ مالية شهرية لهم، مؤكدًا أن الأزهر يقف سندًا لكل طالب فلسطيني يسعى للعلم في ظل هذه الظروف الصعبة.

ولا تزال المقاطعة الاقتصاديَّة سارية ومستمرة؛ لأنها طريقة الشعوب في التعبير عن غضبها تجاه الشركات الداعمة للعدوان على غزة. أفادت مجلة “نيوز ويك” الأمريكية بأن الأسابيع الأخيرة كانت صعبة على شركة “ستاربكس”، حيث تسببت حملات المقاطعة التي أطلقها المتضامنون مع غزة، إلى جانب إضراب موظفيها لتحسين ظروف العمل، في تراجع القيمة السوقية للشركة بمقدار 10.98 مليار دولار، ما يعكس قوة وتأثير الدعم الشعبي عندما يتجسَّد معلنًا عن نفسه. بهذا المشهد المترابط، يتحول العرب والمسلمون إلى صوت واحد يقول إن غزة ليست وحدها في المعركة، وأنَّ كلٌ يمكنه تقديم ما في وسعه لنصرة القضية.