
أكثر من 9000 شهيد معظمهم من النساء والأطفال، بالإضافة إلى مصابين يتجاوز عددهم 32 ألف إنسان، حصيلة العدوان الصهيونيّ في أوائل شهر نوفمبر، أي بعد أيَّام فقط من بدء هذا العدوان السافر على قطاع غزَّة.
عبر تاريخ هذا العداء القائم بقيام الدولة اليهوديَّة في بلاد العرب وعلى أرض فلسطين التاريخية، والتي قامت في أربعينيات القرن العشرين على آثار مجازر بشعة وتطهير عرقي وتهجير للشعب الأصليّ وتدمير لقراه وبلدانه – وإلى الآن، لم تتوقف العصابات اليهودية عن القتل والتدمير والتنكيل بالعرب أينما وجدوهم، بسبب وبدون سبب، حتى عندما اختار أصحاب الأرض الحقيقيُّون المسار السلميَّ في الاحتجاج على ما يتعرَّض له من انتهاكات، والمطالبة بحق العودة، حينئذ رأى العالم كله كيف تعاملت “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط!” مع ذلك بقتل وأصابة آلاف الفلسطينيين، بينهم – فقط – قرابة 5000 طفل!
بل حتى عندما ينصرف المدنيُّون إلى شئونهم، ويمارسون حياتهم الطبيعيَّة في حدود المتاح، لا يمكن أن يسلموا من الأذى، إن مجرَّد وجودهم على وجه الحياة ذنبٌ عظيم لا يمكن غفرانه، وتهديد خطير لعمل الاستعمار وجهوده لا يمكن إغفاله، عارٌ لا يغسله إلا تهجيرهم من أراضيهم، أو سيلان دمائهم جميعًا عليها.
وإذَن، فالتهويد يجري على قدم وساق، والحصار مُحكَم، وعداد الأسرى والمعتقلين في ارتفاعٍ متواصل، وجرائم المستوطنين تبلغ مستويات غير مسبوقة، البطش مستمر، وشلال الدماء يهدر دون توقف، ماذا يمكن أن يحدث؟
يمكننا الآن في هذا السياق أن نقول إنَّ عمليَّة “طوفان الأقصى” التي شنَّتها المقاومة الفلسطينية في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ م جاءت استجابة طبيعية لمواجهة ما يُحاك من مخططات إسرائيلية تستهدف تصفية القضية الفلسطينية والسيطرة على الأرض وتهويدها، وحسم السيادة على المسجد الأقصى، وكسر الحصار، وفي المجمل كانت هذه العملية خطوة ضرورية وفارقة في سبيل استعادة الحقوق الوطنية، وتحقيق الاستقلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
المستعمر لا يرضيه منك إلا أن تترك له أرضك، وتبيع تاريخك، وتخرج هائمًا لا تدري أين تذهب ولا ماذا تفعل، أمَّا أن تصمد، وترفع عقيرتك مجاهرًا بالمقاومة، ثم تسخِّر مالك ونفسك لها انطلاقًا من إيمان راسخ تزول الأرض ولا يزول، فهذه جرائم متراكبة في حق المحتل تستوجب أشدَّ العقاب، الذي لا تُرعَى فيه حرمة، ولا تُحفَظ فيه ذمَّة، ولا يُبقَى فيه على عهد.
اتخذ الكيان الصهيونيُّ هذه العملية ذريعة لشنِّ حربٍ شاملة على القطاع المحاصر وتدمير بناه التحتية ومرافقه الأساسية وإبادة سكانه جماعيًا من خلال سلسلة أعمال متصلة تتفوق على نفسه يومًا بعد يومٍ في القبح والشناعة، بدعوى الدفاع عن النفس ضد الأعمال الإرهابيَّة!
وفي ظل هذه السياسة الصهيونية المستمرة في استخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين، شهد شهر نوفمبر تصعيدًا خطيرًا تمثل في سلسلة من الغارات الجوية التي استهدفت مناطق متفرقة من قطاع غزة، ففي الأول منه قصف الكيان مخيم جباليا شمالي قطاع غزة، في نفس الوقت الذي يقصف فيه النصيرات وسط قطاع غزة دون رأفة بالمدنيين والأطفال، وسقط من جراء ذلك عدد كبير من الشهداء والجرحى، بالإضافة إلى الغارات المتواصلة طوال الشهر على حي الشجاعية وشرق خانيونس وغيرهما.
وإذا تجاوزنا هذه الأطنان من المتفجرات التي تُلقى يوميًا على رأس هذا الشعب الأعزل، فإنَّ ما يستوقفك حقًا ويصوِّر لك حجم المعاناة هو دخول شاحنة وقود واحدة في اليوم السادس عشر، بعد 41 يومًا من حصار العالم لقطاع غزة، ونفاد الوقود بشكل كامل من مستشفياتها!
بوجه عام، ظاهرٌ أنَّ هذا العدوان جزء من سياسة صهيونية ممنهجة تهدف إلى فرض السيطرة وترويع السكان، حيث لا تفرق الهجمات بين مقاوم ومواطن، بين صغير وكبير، يمثلها من جانب آخر تلك الاعتقالات العشوائية التي يقومون بها، إذ تُنفَّذ بشكل دوري وتطال الآلاف من الفلسطينيين دون توجيه تهم محددة في انتهاك صريح للقانون الدولي.
[اشتباك المقاومة]
وبينما كانت الطائرات الصهيونية تمطر غزة بالقنابل، لم يقف الفلسطينيون جميعًا مكتوفي الأيدي مستسلمين لأقدارهم منتظرين حتفهم، بل كانت المقاومة بما لديها من صبر وحكمة، وعزم وتصميم، وتسليح يُفتَرَض أنه متواضع – جدًا – بجانب ترسانة الأسلحة التي تمتلكها الصهيونية، وأمام المساعدات العسكرية والاستخباراتية غير المحدودة التي تقدمها الدول الكبرى في العالم التي تقدم لها، أقول: كانت تعزف في أناة وروية، سيمفونية رائعة تبدع في تشكيلها أيما إبداع، تمثلت في تلك العمليات النوعية سواء في المناطق المحتلة أو داخل القطاع المحاصر، التي تعكس قوة الإرادة الفلسطينية وقدرتها على التصدي، وتتنوَّع بين اشتباكات مع جنود الاحتلال، وتدمير لآلياته، وقصف المدن الفلسطينية المحتلة برشقات صاروخية، وتجتمع في كونها ردٌ على المجازر التي تُرتَكَبُ صباح مساء ويروح ضحيتها عددٌ ضخمٌ من الأبرياء، لا سيما النساء والأطفال.
يحدث هذا وسط تأييد لافت للنظر من الشعب المنكوب الذي يودِّع يوميًا آلافًا من أبنائه، ولا يكاد يمر يومٌ إلا وقد فقد طفلٌ أباه أو أمه أو كليهما، وإلا وقد فقدت أمٌ ولدها أو أولادها، وإلا وقد فقدت الأمَّة رجالًا ونساءً وأطفالًا بلا ذنبٍ أذنبوه، ولا جريرة اقترفوها.
إنَّ الفارق الحقيقيَّ ليس في كم ونوع التسليح بين الجيش والمقاومة، وإن كان لذلك دور بلا شك، لكنه أساسًا في نفسيَّة الفرد المقاتل وعقيدته القتاليَّة، فالله – سبحانه وتعالى – يأمر عباده المؤمنين في القرآن الكريم بالشجاعة والقوة في أمره، وينهاهم عن الفرار عند التقاء المتحاربين، ويدعوهم إلى الثبات والصبر، فإن النصر كما قيل مع الصبر، وفي ذلك تقوية لقلوب المؤمنين، وإرهابًا للكافرين، قال تعالى: ”يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ”. ثم يقول – سبحانه – إمعانًا في التشديد على خطورة هذا الأمر: “ومَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ”، أي: فقد رجع بغضب الله عليه، وجزاؤه النار. فالمقاتل الذي يعتقد اعتقادًا جازمًا أن الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر المفضية إلى جهنم لا يمكن أن يكون في قلبه مجالٌ للرهبة والتراجع، فكيف به وقد عرف – فوق ذلك – طبع عدوِّه ونفسيته من قديم الزمان؟ يقول الله – عز وجل – في القرآن الكريم: “لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ”، هذه الآية الكريمة تصف طبيعة القتال عند اليهود في زمن النبي – صلى الله عليه وسلم -، وتفضح ضعفهم وخوفهم من المواجهة المباشرة؛ فهم لا يواجهون خصومهم إلا إذا كانوا في مواقع حصينة أو خلف جدران تحميهم؛ لأنهم يخشون القتال المفتوح، وهذا الوصف منطبقٌ تمامًا على سلوك الجيش الصهيوني المعاصر الذي يعتمد كليًا على التكنولوجيا العسكرية المتقدِّمة والتحصينات، ويُفضِّل القتال من خلال الطائرات والمدرعات والهجوم عن بُعد بدلًا من المواجهات المباشرة على الأرض.
إن هذه الأساليب التي تمنحهم تفوقًا تقنيًا تُظهر في الوقت نفسه خشيتهم من الاشتباك المباشر، مما يعكس نوعًا من الجبن وضعف الإرادة في مواجهة عدو يقاوم بأبسط الإمكانيات.
إذا عرفت هذا، ونجحت هذه اللمحة الخاطفة في إيقافك على طبيعة هذا العدو القائمة على التحصُّن والتخفي وراء الوسائل التي تقيه المواجهة، سواء كانت جدرانًا في الماضي أو ترسانة عسكرية في الحاضر، مع شدة بأسهم فيما بينهم عند اختلاف المصالح، سَهُل عليك فهم وتوجيه هذه الكثرة المبهرة من المعارك اليوميَّة من المسافة صفر التي تبلي فيها المقاومة بلاءً حسنًا منذ اندلاع الحرب، واستطعت أن تثمِّن بعمق مقطعًا تشاهده أثناء تصفُّحك وسائل التواصل مثلًا أو على التلفاز، يظهر فيه شابٌ عاديٌ جدًا، ربما ثيابه مهترئة، لكن قلبك صلب، يخرج من مكمنه في اللحظة المواتية، يفجِّر آليَّة عسكريَّة ضخمة كلفت الاحتلال قرابة ٦ ملايين دولار، بقذيفة محليَّة الصنع لا تتجاوز تكلفتها خمسمائة دولار، أسموها “الياسين” تخليدًا لاسم الشيخ أحمد ياسين، رحمه الله.
على مدار الشهر الثاني من الحرب، صارت هذه المقاطع مألوفة واعتياديَّة، عدد كبيرٌ من الآليَّات العسكريَّة يُدمَّر، تكلفة باهظة يتحملها الاحتلال في غضب يكتمه قدر طاقته، اشتباكات يوميَّة عنيفة مع القوَّات التي (تحاول) التوغل في قطاع غزة، جنود يُقتلون باستمرار، كتائب تسقط … قذائف الياسين، قذائف الهاون، كمائن، أسماء تتكرَّر يوميًا، وجولة بالغة التأثير في حربٍ طويلة آخرها التحرير والاستقلال بإذن الله، ورجاء المؤمنين في الله عظيم، فالله مولى المؤمنين، أما الكافرون فلا مولى لهم. قال تعالى: “إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا”.
لم يقتصر عمل المقاومة على التصدي لهذا الاجتياح البري الصهيوني فحسب، بل شمل أيضًا توجيه ضربات صاروخية مكثفة نحو مدن فلسطين المحتلة؛ ردًا على الجرائم والمجازر التي تُرتكب بحق المدنيين في غزة، وفي إطار ردع هذا العدوان، وتأكيد حق الشعب الفلسطيني في المقاومة والدفاع عن أرضه وكرامته.
ضربات تثير دهشة الاحتلال حقًا، أفراد قلائل في بقعة محاصَرة من الأرض، تحت قصفٍ متواصل لا يتوقف أريد له أن يأكل الأخضر واليابس، كيف يقدرون على الصمود والرد بهذه القوة وهذا التوزيع دون توقف؟
[التداعيات السياسية للحرب على إسرائيل]
اتسع نطاق الحرب، وكثرت الاشتباكات بكثرة الأهداف المراد تحقيقها، تزداد الخسائر يومًا تلو الآخر، يستغل الاحتلال الفرصة ويسخِّر كلَّ مقدراته المادية والمعنوية في سبيل إبادة الفلسطينيين جميعًا، والقضاء على أيِّ ذرَّة أملٍ في قيام دولة فلسطينية، يبقى العضو الغريب غريبًا في الجسم مهما طال أمدُ بقائه فيه، يبذل جهدًا مجنونًا على أمل النجاح، عاش اليهود على مدى التاريخ مشتتين، ربما بمزيد من القتل والتخريب تنجح هذه التجربة، وتكون لليهود دولة، تجاوزت تطلعاتها حد الدفاع عن وجودها، إلى الاعتداء على الآخرين لأغراض توسعيَّة، ولا يلوح لهم في الأفق نصرٌ قريب.
في عصر العولمة والانفتاح الثقافي الذي أتاحته وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، ومع تصاعد وتيرة الأحداث، يتجاوز تأثير عمليَّات المقاومة حدود الميدان العسكريّ، ويمتدُّ إلى الساحات السياسيَّة والدبلوماسيَّة والشعبيَّة العالميَّة. الكلُّ يرى بعينيه الإجرام الصهيونيّ والبطش غير المبرر في حق المدنيين، إهدارٌ كامل لكرامة الإنسان في عصر كان ينبغي أن تُصان فيه وتُحفَظ، تظهر المقاومة تحديًا كبيرًا أمام آلة الحرب الصهيونية، وتنجح في كسر الصورة النمطية التي يروجها الاحتلال عن نفسه كدولة مظلومة تواجه إرهابًا أبعد ما يكون عن الإنسانية، وتتجلى بعض جوانب الحقيقة على مرأى ومسمع من شعوب العالم، وتعجز أنظمة كثيرة مع هذا الزخم وهذا الوضوح أن تدفع الحقائق التي تعلن عن نفسها كل يوم بمزاعم قديمة متجددة ليس لها برهان أو سند، الآن تتراجع الثقة الدولية في الاحتلال التي طالما كذب ودلَّس وزيَّف لبنائها، وتحوَّلت النظرة العامَّة إليه من نظرة المصدِّق لمظلوميته إلى المستريب في أمره، ثم إلى المتثبِّت من إجرامه وعدوانه.
تمثَّلت التداعيات السياسيَّة العالميَّة على الاحتلال من جرَّاء حربه الوحشيَّة على المدنيين في غزة أوَّلًا في إجراءات دبلوماسيَّة اتخذتها دول عدَّة حول العالم تنديدًا بهجماته البربريَّة على القداع المحاصر، وشهد النصف الأوَّل من هذا الشهر نشاطًا كبيرًا في هذا الجانب، حيث سحب عددٌ من الدول سفراءهم لدى الاحتلال، وقطع عددٌ آخر علاقاته الدبلوماسية معهم، مثل: بوليفيا، وكولومبيا، والبحرين، وهندوراس، وجنوب أفريقيا، وتشاد، وغيرهم.
خطوة سحب السفير تمثل إجراءً دبلوماسيًا معناه العملي تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسى – ولو مؤقتًا – للتعبير عن موقف الدولة الرافض لسياسات ومواقف دولة أخرى.
كما شهد العالم على مدار الشهر عددًا من المظاهرات في أماكن متفرقة من العالم شرقًا وغربًا لإعلان التضامن مع غزة في حرب الإبادة التي تتعرض لها، ولم تكن هذه الاحتجاجات إلا ثمرة لنمو الوعي العام العالمي بالقضيَّة الفلسطينية التي أحيا ذكرَها طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر، وهذا وحده يمثل نصرًا حقيقيًا للمقاومة له أهميته السياسية.
هكذا، لم تقتصر العمليات التي نفذتها المقاومة على التأثير العسكري، بل تجاوزت ذلك لتحدث زلزالًا سياسيًا ودبلوماسيًا على مستوى العالم، وتحولت الحرب من مجرد صراع عسكري على الأرض إلى معركة لكسب الرأي العام، وباتت إسرائيل تواجه تحديًا مزدوجًا: مقاومة فلسطينية متصاعدة، وسخطًا دوليًا يتنامى بشكل غير مسبوق.
[الحرب النفسيَّة والإعلاميَّة التي تشنها إسرائيل على المقاومة]
وجد الاحتلال نفسه في موقف حرج أمام الرأي العام العالمي، ولم يعد من السهل تبرير أعماله العدوانية، فكان لا بدَّ من سلاح آخر ربما أشدُّ فتكًا من القنابل والصواريخ لتعويض هذا التراجع في الدعم، وهو الحرب النفسية والإعلامية، حيث سعى جاهدًا لإعادة تشكيل الرأي العام لصالحه، وتخفيف حدة الغضب المتصاعد ضده، من خلال حملة شرسة تستهدف تشويه صورة المقاومة الفلسطينية، ومحاولة قلب الحقائق أمام العالم.
لقد كرَّر الاحتلال خلال هذا الشهر قطع الاتصالات والإنترنت عن قطاع غزة أكثر من مرة؛ ليقطع – أولًا – أخبارهم عن العالم، ويحرمهم – ثانيًا – من القدرة على الاستغاثة بالإسعاف والدفاع المدنيّ، ثمَّ يقطع التواصل – ثالثًا – فيما بينهم، فيدبَّ الفزع في قلوبهم إذا تسرَّب إليهم أنَّهم مقتولون جميعًا دون أن يرى أو يسمع بهم أحدٌ من العالم، ولا شك أن هذه الحرب الإلكترونيَّة قدمت غطاءً ملائمًا ارتكب الاحتلال تحته المجزرة تلو الأخرى دون رقيب.
وبينما يحرص الاحتلال بجدية على منع صوت ضحاياه من الوصول إلى آذان العالم فيما يمطرهم بقذائفه، يسعى الملياردير الأمريكي باري ستيرنليخت – وأمثاله كثيرون – إلى إطلاق حملة إعلامية ضخمة بتكلفة تتجاوز 50 مليون دولار، بهدف شيطنة حماس وتعريفها للشعب الأميركي كمنظمة إرهابية، مستعينًا على ذلك بمشورة عدد من السياسيين الأمريكيين والرؤساء التنفيذيين لشركات كبرى وتبرعات من مؤسسة خيرية يهودية كبيرة!
ويخرج رئيس وزراء الاحتلال على العالم متقمصًا دور المدافع عن الإنسانية، ليعلن بكل محبَّة وإخلاص: إننا بحاجة للنصر على حماس، ليس فقط من أجل أنفسنا، ولكن من أجل الشرق الأوسط أيضًا، ومن أجل جيراننا العرب، ومن أجل سكان غزة الذين وقعوا في قبضة هذا الطغيان الأسود الذي كان قاسيًا عليهم، يجب على قوى الحضارة أن تهزم هؤلاء البرابرة، وإلا فإن هذه الهمجية ستنشر وتعرض العالم بأسره للخطر. كل أمريكي، كل دولة متحضرة ستكون في خطر.
وكأن إسرائيل، التي لا تكف عن ممارسة القتل والتدمير، قد أصبحت فجأةً حاميةً للقيم الإنسانية! هكذا يواصل الاحتلال تصوير المقاومة على أنها إرهاب يمثل التهديد الأكبر للاستقرار والحضارة، ويمكر في الوقت ذاته لتجميل صورته أمام العالم، فيطل رئيس وزرائه بعد يومين معلِّلًا ضرب مستشفى الشفاء بغزة بأنه “كانت هناك مؤشرات (قوية) على وجود رهائن محتجزين فيها، ولكن الجيش لم يعثر على أحد منهم حين شن عمليته هناك هذا الأسبوع”، هذا التصريح يراد به أداء مهمتين في نفس اللحظة، الأولى: تبرير جريمة ارتكبها الاحتلال دون مسوِّغ، والثانية، وهي الأخطر: الإيحاء إلى العالم “بإنسانية” الاحتلال، وأن جيشه أخلاقي، يعترف بأخطائه إن وقعت. بيد أن الحقيقة الجلية أنه لا يرتكب أخطاءً، بل ينفذ سياسة ممنهجة من القتل والتدمير في حق المدنيين، دون أدنى اعتراف أو تراجع، محاولًا تسويق (طرف) من هذا الإجرام كحالات فردية أو أخطاء غير مقصودة.
وفي العموم، تظل الحرب النفسية والإعلامية التي تشنها إسرائيل محاولة يائسة لتشويه صورة المقاومة، وإلباسها ثوب الشيطان، لكن الحقيقة عصية على التزييف مهما تكاثفت الأكاذيب.
[الذكاء السياسي للمقاومة]
على النقيض مما سبق، برعت المقاومة الفلسطينية في توظيف ذكائها السياسي وإدارة حربها النفسية بمهارة فائقة. فبينما يستميت الاحتلال في إظهارها كعدو لا يعرف الرحمة، كانت المقاومة توصل رسائلها بطرق مدروسة وهادئة، تجلى هذا مثلًا في مقطعٍ نشر في التاسع من نوفمبر للأسيرة المسنة حنا كتسير – من مستعمرة نيري عوز – تقول فيه إن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو هو المسئول عن كل الفوضى في العالم، وإنها تعيش في مكان ليس مكانها، وتشتاق إلى بيتها وزوجها وأولادها، وتأمل أن تراهم
الأسبوع المقبل، متهمة نتنياهو باستهداف الناس وتعذيبهم والتسبب في قتل الأطفال، وتدمير كل شيء جميل، وعليه ترك منصبه والجلوس في بيته. هذه الأسيرة التي أبدت الفصائل استعدادها لإطلاق سراحها لأسباب إنسانية، أعلن لاحقًا عن وفاتها في غزة بسبب مماطلة الاحتلال، واستغلت المقاومة الفرصة لتجديد إخلاء مسئوليتها تجاه أسرى الاحتلال الاسرائيلي لديها في ظل القصف الهمجي والمسعور على كل شبر في قطاع غزة. ولا شك أنك ترى الآن سياسة المقاومة للضغط على حكومة الاحتلال وإخضاعه لرغباتها في رويَّة وتؤدة.
وبعد مقطع كتسير بأربعة أيام، تنشر المقاومة مقطعًا لمجندة أسيرة قتلت في قصفٍ جوي إسرائيلي على القطاع، في تصعيد متدرج لأساليب الضغط على حكومة الاحتلال، وتهييج سكان الداخل عليها، وفضح وحشية الاحتلال وآثار همجيته حتى على أسراه. هذا الذكاء السياسي في تقييم المشهد والتعامل معه، هو الذي دفع المقاومة أواخر الشهر إلى الإفراج عن أحد المحتجزين لديها من حملة الجنسية الروسية استجابة لجهود الرئيس الروسي وتقديرًا لموقف دولته، بما يضرب الجهود السياسية الصهيونية لشيطنتها والسبق عليها في مقتل. وبالمثل، أظهرت رسالة أسيرة محررة كتبتها عشية تبادل الأسرى – الوجه الإنساني للمقاومة، حينما أثنت على تعاملهم الراقي مع ابنتها التي شعرت أنها ملكة في غزة، معربة عن شكرها “للجنرالات” الذين رافقوها في غزة على إنسانيتهم.
[جرائم الاحتلال]
ربما لا تتصوَّر معي بدقة إلى الآن – عزيزي القارئ حجم الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني في حق الشعب الفلسطيني المقاوم، والتي ترقى في كثير منها إلى أن تكون جرائم حرب مكتملة الأركان. من هذه الجرائم قصفه المتكرر للمستشفيات وتدمير ما ومن فيها بالكلية حتى تخرج من الخدمة، ولعلَّ يومًا على مدار الشهر الثاني لهذه الحرب لم يخل من هذا العمل الآثم، فمجمع الشفاء مثلًا تدمَّر أقسامه الطبية، وتقصف ألواحه الشمسية، وتدمِّر الجرافات الصهيونية الجزء الجنوبي منه، وتستهدف الغارات محيطه. أيضًا، تُقصَف المدارس التي يلجأ إليها النازحون المدنيون لتجنب ويلات الحرب، وتقصف المساجد على رؤوس المصلين؛ لأنَّه ليست في نفس العدو حرمة لشيء، وتقصف المطحنة الوحيدة العاملة في قطاع غزة؛ لئلا يجد الناجون من القصف – إلى حين – ما يأكلون!
في كلِّ يومٍ تُرتكب المجازر على مرأى ومسمع من العالم أجمع، ويزيد عدد الشهداء والمصابين، وتعلن المنظمات تحققها من استخدام جيش الاحتلال القنابل الفسفورية المحظور استخدامها في المناطق المأهولة بالسكان خلال غاراته على قطاع غزة وعلى مواقع على الحدود اللبنانية. يقوم عمل هذه القنبلة على انفجار الفوسفور عند ملامسته للأكسجين، ويستمر في الاحتراق حتى يتم استهلاكه طالما أن المادة تتلامس مع الأكسجين، وقد تصل الحروق التي تتسبب فيها إلى العظام. ويؤكد مقررون بالأمم المتحدة أن قوات الاحتلال ترتكب إبادة جماعية عبر انتهاكاتها الخطيرة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، ويدعون المجتمع الدولي في بيان إلى الحيلولة دون وقوع إبادة جماعية ضد الشعب الفلسطيني.
لم يسلم الأحياء من جرائم الاحتلال، ويبدو أن الأموات لم يسلموا أيضًا، إذ تدور شبهات حول سرقة جيش الاحتلال أعضاء من جثامين شهداء احتجزها حسبما أعلن المرصد الأورومتوسطي اعتمادًا على شهادات أطباء أجروا فحوصات لبعض الجثامين بعد الإفراج عنها ولاحظوا سرقة أعضاء مثل قرنية العين وقوقعة الأذن، وأعضاء حيوية أخرى مثل الكبد والكلى والقلب.
[الأسرى بين المقاومة والاحتلال]
هذه القسوة المتمثلة في الجرائم التي يرتكبها الاحتلال ضد الفلسطينيين تنسجم مع ما يعانيه الأسرى الفلسطينيون في معتقلاتهم من إهمال طبي متعمد وتعذيب وإهانة، وهذا يفسر طبعًا إجبار شرطة الاحتلال الإسرائيلي عائلات أسرى القدس المُفرَج عنهم على توقيع تعهُّدات بعدم إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام أو الإدلاء بأي تصريحات حول ظروف اعتقالهم وسوء المعاملة التي تعرضوا لها داخل السجون، إنَّ المحتل المجرم يتطلع إلى السيطرة على الرواية الإعلامية بالقوَّة، ومنع تسليط الضوء على ظروف الاعتقال والانتهاكات التي يتعرَّض لها الأسرى في السجون، بما يؤكد مخاوفه من تأثير الإعلام على الرأي العام الدولي والمحلي، ويعكس حرصه على تقليل الأضرار التي قد تلحق بهم عقب نشر هذه الشهادات.
على الجانب الآخر، رأى العالم كله المظهر المرتب الذي ظهر به أسرى الاحتلال أثناء تسليمهم إلى الصليب الأحمر، ورفق أفراد المقاومة بهم، وتبادلهم الابتسامات الودودة والوداع الحار.
إنَّ الإسلام يحرِّم العدوان، ويأمر بالإحسان إلى الأسرى، والرفق بهم، بينما ينكل الصهاينة بأسرى العرب والمسلمين أيَّما تنكيل! ينبغي أن تكون هذه رسالة من رسائل عديدة بعث بها طوفان الأقصى إلى أحرار العالم تنطوي على حقيقة الموقف برمته بين محتل غاصب ليس لشيء عنده حرمة ولا لمقدس قدسية، ومقاومة تسعى إلى تحرير بلادها من هذا المحتل، دون تشوف إلى ممارسة العدوان والفتك بالآخرين.
[الهدنة الإنسانية]
في 22 من نوفمبر نجحت وساطة كل من قطر ومصر والولايات المتحدة الأمريكية بين الاحتلال والمقاومة، واتُّفق على هدنة إنسانية مدتها أربعة أيام، تشمل وقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات إلى القطاع، وضمان حرية الحركة للناس، وتبادل الأسرى بمعدل أسير صهيوني واحد مقابل ثلاثة أسرى فلسطينيين من النساء والأطفال. بدأت الهدنة فعليًا في 24 من نوفمبر، وبمجرد دخولها حيز التنفيذ عاد أهالي غزة إلى منازلهم في مختلف مناطق القطاع، في تصرف كاشف لطبيعة الفلسطيني القوية، وإرادته الصلبة العصية على الكسر. وبدأ استخراج الجثامين من تحت الأنقاض. وقبيل نهاية اليوم الرابع تم تمديدها يومين جديدين بنفس الشروط، وقبيل انقضاء اليوم الأخير اتُّفق على تمديدها يومًا آخر، استأنف الاحتلال فور انتهائه قصفه على كل مناطق غزة.
لقد أبرزت هذه الهدنة أيضًا حقيقة الصهاينة، وعظيم إفسادهم في الأرض، وسفكهم الدماء، حتى لم يسلم منهم حي ولا ميت.
[التضامن مع الفلسطينيين]
في عصر كالذي نعيش فيه، صار العالم قرية صغيرة بفضل التقدم التقني ووسائل التواصل، يؤثر بعضه في بعض، وتصل الأخبار من أقصى الأرض إلى أدناها في لحظات معدودة، وصارت للشعوب كلمتها، فلم يرتضوا الوقوف مكتوفي الأيدي أمام هذه الانتهاكات السافرة في حق الشعب الفلسطيني؛ فأشهروا سلاح المقاطعة الاقتصادية في وجه الاحتلال ومعاونيه وداعميه، وانخفضت على إثر هذه المقاطعة مبيعات الشركات في عدد من الدول بنسب متفاوتة، وبخاصة في الدول العربية والإسلامية.
فيما أعلن 939 باحث وأكاديمي من مجموعة دول الشمال (فنلندا والسويد والنرويج وأيسلندا والدنمارك) تضامنهم مع الشعب الفلسطيني، ورفضهم للعدوان الإسرائيلي على غزة، ومطالبتهم بوقف إطلاق النار، مؤكدين في بيانهم أنه “لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي، بينما تقتل الدولة الإسرائيلية آلاف المدنيين الفلسطينيين”.
إن القضية الفلسطينية وإن كانت قضية العرب والمسلمين في المقام الأول كونها جزءًا أصيلًا من تاريخهم، ولقدسية المسجد الأقصى المبارك في نفوسهم، أولى القبلتين وثالث الحرمين، فإنها أيضًا قضية أحرار العالم جميعًا؛ إذ الحر لا يقبل الضيم، ولا يرضى الظلم لنفسه ولا لغيره.
