طوفان الأقصى: ديسمبر، ج1
- فريق تحرير الروزنامة
- 2 أكتوبر، 2024
- 0 تعليق

انقضى نوفمبر، وانقضت معه الهدنة القصيرة التي تمَّ التوافق عليها وتمديدها مرَّة بعد مرَّة، وعاودت آلة الحرب الصهيونية دكَّ أرجاء القطاع المحاصَر من جديد بنهم أكبر وضراوة أشد، كأنَّما يستدرك الاحتلال على نفسه أيَّام الهدنة التي توقف فيها – نسبيًا – تدفق نهر الدماء المراقة.
لم يلتزم الاحتلال التزامًا تامًا بشروط الهدنة، هذه طبيعة يهوديَّة متأصِّلة، لا بد من نقض العهود والمواثيق، وفي الساعات الأولى من وقف إطلاق النار، تُفتح النار على الفلسطينيين العائدين إلى مدينة غزة.
لم تكن هذه الهدنة إنسانيَّة بالمعنى الدقيق، فالقطاع الذي يحتاج إلى 1000 شاحنة مساعدات يوميًا على الأقل للتعافي من آثار القصف الذي استمر نحو خمسين يومًا قبل الهدنة المؤقتة، لا يتجاوز عدد ما يدخله يوميًا 150 شاحنة فقط، في الوقت الذي يحذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من خطر حدوث مجاعة في غزة لعدم كفاية الإمدادات في التعامل مع معدَّل الجوع الذي رصدوه في ملاجئ الأمم المتحدة وأماكن النزوح الأخرى.
الحقيقة التي أعلنت عن نفسها أن هذه الهدنة كانت مجرَّد استراحة قصيرة يعيد خلالها الاحتلال ترتيب صفوفه، وإعداد عدَّته، وتهدئة الأنفس الثائرة في الداخل تطلعًا إلى تحرير الأسرى.
ومع بداية ديسمبر، شهد القطاع موجة جديدة من القصف العنيف، لم تفرق بين صغير وكبير، بين مستشفى ومخيم، بين حي سكني ومجمع طبي. ترددت في الأيام الأولى من الشهر أصداء المجازر في كل الأحياء، وتضمنت حصيلة اليوم الأوَّل – فقط – من الشهر بحسب وزارة الصحة في غزة 178 شهيد فلسطيني و 589 مصاب، جراء استهداف جيش الاحتلال للمباني السكنية في أنحاء القطاع، وقصف مدرسة للأونروا تؤوي نازحين.
واشتد القصف يومًا بعد يوم، وتوالت المجازر، فوقع في اليوم الثالث – مثلًا – 23 مجزرة راح ضحيتها 316 فلسطيني، وارتفع العدد في اليوم السابع إلى 350 شهيد، و 900 مصاب، ويتكرر المشهد حتى يكاد يؤلف، وتفقد الأرقام دلالتها، كأنَّ الإنسان في عالمنا المتحضِّر مجرَّد رقم، كأنه ليس لحمًا ودمًا وتاريخًا وآمالًا، اقتحام في إثر اقتحام، وقصف عقب قصف، 17 مجزرة، 25 مجزرة، … ، تُظهر كاميرا إحدى القنوات الإعلامية آثار جريمة دهس ارتكبتها جرافات الاحتلال بحق خيام النازحين والمرضى في ساحة مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزة أدت إلى دفنهم أحياء تحت الأنقاض! ويعلن المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قرب منتصف الشهر توثيق إنشاء أكثر من 120 مقبرة جماعية عشوائية في محافظات القطاع لدفن الشهداء، والعثور على 15 جثة متحللة لشهداء فلسطينيين اتضح من الفحص الأولي تعرضهم لإعدامات ميدانية خلال استجوابهم من جيش الاحتلال في مدرسة أبو غزالة الحكومية بمنطقة الفالوجة غرب مخيم جباليا.
هذه الأرقام الكبيرة هي فقط ما تم توثيقه، ما قُدِر على الوصول إليه، كيف يمكن أن يتصوَّر العقلُ الأعدادَ الحقيقيَّة؟
