في الأيام التالية على السابع من أكتوبر، أصيب العالم بحمى رهيبة، كانت حمى الدول الغربية هيستيرية في اتجاه دعم إسرائيل والدفاع عنها وإعطائها شيكات على بياض كي تفعل ما تريد فعله، فيما كان العالم كله يتابع بحذر نذر الحرب، تواصلت الاشتباكات داخل الكيان حتى اليوم العاشر من أكتوبر، وفرضت إسرائيل حصارًا شاملًا على قطاع غزة أي على مليوني إنسان، قال وزير دفاعها بكل توحش: لا غذاء لا ماء لا دواء، وفي ظل الدعم الأمريكي العسكري والاقتصادي لإسرائيل، وقول بايدن إن دعم بلاده لإسرائيل ”ثابت كالصخر“، قامت الإدارة الأمريكية بإرسال حاملة الطائرات الأمريكية ”جريالد فورد“ Gerald USS Ford، ثم حاملة الطائرات الهجومية ”يو إس إس داويت أيزهناور“ Eisenhower .D Dwight USS، وذلك كرادع ضد أي عمليات ضد إسرائيل، وكرسالة إلى إيران وحزب الله، بعدم التدخل وعدم توسيع الحرب بين إسرائيل وحزب الله، وهو تدخل أمريكي مكثف ذو قدرات متطورة للإنذار المبكر والدفاع، والمعلومات الاستخباراتية.

استمرت الضربات الجوية الوحشية المكثفة للمباني في القطاع وجنوبه ووسطه وقد أدت إلى تدمير أربعين بالمائة من مباني القطاع خلال الشهر الأول من الحرب، وارتفاع أعداد القتلى من سكان غزة إلى ١٠٠٢٢، منهم ٤١٠٤ من الأطفال حتى مساء الإثنين ٦ نوفمبر (٢٠٢٣). ومع الهجوم البري المتدرج بالدبابات والمدرعات والقصف المدفعي، تزايدت أعداد النازحين من الشمال إلى جنوب غزة لأكثر من ٧٥٠ ألف نازح مما أدى إلى تأزم الوضع الإنساني تحت سمع وبصر المنظمات الدولية والعالم الذي يطلق على نفسه العالم الحر.

استمرت المقاومة في الصمود تجاه العدوان، ولم تتوقف عمليات إطلاق الصواريخ تجاه المدن الإسرائيلية، مما أدى إلى شلل تام في هذه المدن، فيما عجزت إسرائيل عن إيقاف عمل المقاومة أو استهدافه، فصعدت من استهداف المدنيين.

وفي الحادي عشر من أكتوبر تراجع البيت الأبيض عن تصريحات للرئيس جو بايدن أعرب فيها عن استيائه مما وصفها بصور عنيفة لمشاهد هجوم لمقاتلي كتائب القسام. ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن متحدث باسم البيت الأبيض قوله إنه “لا” الرئيس بايدن، ولا أي مسؤول أمريكي، رأى أي صور، أو تأكد من صحة تقارير بشأن ذلك بشكل مستقل”. وأضاف المتحدث، أن تصریحات بايدن بشأن الفظائع المزعومة استندت إلى مزاعم المتحدث باسم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وتقارير إعلامية إسرائيلية، تلك الحداثة كشفت بشكل صريح عن آلية عمل الدعاية الإسرائيلية الكاذبة وتمريرها في الغرب لكسب تأييد الجمهور والساسة هناك، وتبييض صورتها الإجرامية في العالم.

على إثر ذلك وبعد ما تأكد للأمريكان وللعالم كذب الرواية الإسرائيلية، وفي اليوم التالي مياشرة تعهد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بدعم الولايات المتحدة “الدائم” لـ “إسرائيل”. مؤكداً “التطلعات المشروعة للفلسطينيين الذين لا تمثلهم حركة حماس، وقال بلينكن خلال مؤتمر صحفي جمعه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تل أبيب: “أقف أمامكم ليس بصفتي وزير خارجية للولايات المتحدة فقط، وإنما بصفتي يهودياً أيضاً …. أقف أمامكم بصفتي زوجاً وأباً لأطفال صغار. أما نتنياهو، فأعرب عن تقديره للدعم الأمريكي، وقال إن “حماس، التي تحكم قطاع غزة، يجب أن تعامل مثل تنظيم داعش”. وأضاف: ” مثلما تم سحق داعش، سيتم سحق حماس”، ليتواصل سيناريو الإرهاب الصهيوأمريكي.

في المقابل جدد الأزهر الشريف، في بيان له، تحيته لصمود أبناء فلسطين العزيزة، وتقديره لتشبثهم بأرضهم الغالية، وتمسكهم بالبقاء فوق ترابها مهما كان الثمن والتضحيات، وطالب الأزهر الحكومات العربية والإسلامية باتخاذ موقف جاد وموحد في وجه هذا الالتفاف الغربي اللا إنساني الداعم لاستباحة الصهاينة لكل حقوق الفلسطينيين المدنيين الأبرياء. وهو الموقف الذي عبر عن مئات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم.

نشطت بعد ذلك مظاهرات في بلدان عدة، عربية وإسلامية وغربية، عبرت عن دعمها الكامل لفلسطين وشعبها، ولقضيتها العادلة، وقامت على إثر الأحداث حركة مقاطعة اقتصادية كانت لها آثارها البالغة ضد الشركات الداعمة للاحتلال وجرائمه، خاصة شركة كوكاكولا وشركة ستاربكس وماكدونلز وكنتاكي وغيرها، وقد تلقت تلك الشركات خسائر فادحة.

في السابع عشر من أكتوبر ارتكبت “إسرائيل” جريمة إبادة جماعية، حيث استهدفت ساحة المستشفى الأهلي المعمداني في قطاع غزة التابع للكنيسة الأسقفية الأنجليكانية في القدس، وهو أحد أقدم المستشفيات في غزة، ما أسفر عن استشهاد 471 فلسطينياً. وقال الناطق باسم وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة أشرف القدرة إن حصيلة ضحايا المجزرة الأكبر والأعنف” التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي المجرم داخل المستشفى المعمداني بلغت 471 شهيداً، بالإضافة إلى 314 إصابة بجراح مختلفة. ومن جهته، أعلن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الحداد ثلاثة أيام، وأكد أن قصف الاحتلال للمستشفى جريمة إبادة جماعية وكارثة إنسانية. وحمل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية أمريكا المسؤولية عن هجوم المستشفى بسبب ما توفره من غطاء للعدوان الإسرائيلي.

استمر الصراع في منحنى متصاعد، ومعه جرائم إسرائيل ضد المدنيين، وبعدما فشلت إسرائيل في تحقيق أي هدف استراتيجي من القصف الجوي، أقدمت على الدخزل البري في نهاية شهر أكنوبر.

سقط محور صلاح الدين، انتهى الأمر، هكذا صاحت إحدى القنوات العربية في الثلاثين من أكتوبر، مروجة لهزيمة نفسية يريدها الاحتلال، فقد عمل من خلال الأحزمة النارية والقصف العنيف المستمر على حماية تقدم جيشه المذعور في محاور رئيسية ليمارس عملية خداع وتهويل نفسي على المقاومة ومجتمعها، بالنسبة للكثير من المتابعين في العالم العربي والذين لم يعرفوا الكثير عن حروب غزة السابقة كان ذلك خبرًا مفجعًا، والبعض راح يندب وكأن الحرب قد حسمت لصالح العدو، وهو الأمر الذي سيتكرر لاحقًا في عشرات الأحداث، في السابعة مساءً أعلن الإعلام العسكري للمقاومة تصدي مجموعات مقاومة للدبابات المتقدمة على محور صلاح الدين وتكبيدها خسائر فادحة، وفي اليوم التالي نشرت توثيقًا لمجزرة مريعة تعرضت لها آليات العدو، أثبتت المقاومة أنها وطنت نفسها على صد ألاعيب العدو وحيله النفسية، وأنها أعدت العدة لحرب استنزاف طويلة تسيطر فيها على مجريات الأمور رغم تفوق العدو في الإمكانات والتقنية.

قال الناطق الرسمي لكتائب القسام أبو عبيدة في خطاب متلفز بثته قناة الأقصى الفضائية، إن المقاومة تصدت للقوات الإسرائيلية في جميع المحاور، ونفذت عمليات وتسلّلاً خلف خطوط العدو، وخاضت معها مواجهات ضارية ومباشرة. وأضاف قائلاً: “تمكن مجاهدونا من الالتحام مع قوات العدو في كل نقاط التقدم، وتدمير 22 آلية عسكرية حتى الآن بقذائف الياسين المضادة للدروع، كما تمكنوا أيضاً من قتل وإصابة عدد كبير من جنود العدو خلال الاشتباكات”. وكشف أيضاً عن استخدام المقاومة “طوربيد العاصف” الموجه ضد الأهداف البحرية للمرة الأولى في هذه المعركة. وأكد أبو عبيدة أن المقاومة أدخلت أيضاً ” في هذه المعركة للمرة الأولى عبوات تستخدم من المسافة صفر ضد الدبابات”. ووجه أبو عبيدة رسالة أخرى إلى قادة “إسرائيل”، قائلاً إنه يبشر نتنياهو وأركان حربه أنهم سيجثون على الركب في نهاية المعركة”