
في ظل تصاعد حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الصهيوني على الفلسطينيين منذ أكثر من عام، شهدت الأوساط الأكاديمية حول العالم حراكًا متزايدًا في صور متعدِّدة لدعم القضيَّة الفلسطينية، حيث أدان العديد من الأكاديميين تلك السياسات الصهيونيَّة بوصفها انتهاكًا للقانون الدولي وحقوق الإنسان، وترجموا ذلك إلى حركات احتجاجيَّة ومقاطعة أكاديميَّة للضغط من أجل وقف الحرب.
يرى الأكاديميُّ البريطاني موشي ماشوفز المقاطعة عملًا تضامنيًّا مع الشعب المظلوم، ويصفها بالجهد السلمي والأسلوب الناجح لحشد الدعم في أوساط الرأي العام لقضية الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت الاحتلال والقهر منذ عقود.
وتعلِّل حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) دعوتها إلى مقاطعة جامعات الاحتلال بتورُّطها المقصود والممنهج في جرائم الاحتلال المستمرَّة عن طريق تبرير الاستعمار المطَّرد للأراضي الفلسطينية، وتشريع التطهير العرقي التدريجي للفلسطينيين، وتمييزها العنصري ضد الطلبة “غير اليهود”، استنادًا إلى دراسة منظمة “هيومن رايتس ووتش” عام 2001 م التي خلصت إلى وجود تمييز عنصري مُمَأسَس ضد الفلسطينيين في نظام التعليم الصهيوني، بالإضافة إلى الدور الأساسي الذي تلعبه في تطوير أسلحة وأنظمة عسكرية تستخدم في العدوان المتكرر على العرب، لا سيما في لبنان وفلسطين.
تمثلت المقاطعة الأكاديمية العالميَّة للجامعات الصهيونية في عدة مظاهر، منها إلغاء نشر أو تغطية الأبحاث والمقالات العلمية المشتركة، وشطب أسماء المحاضرين الصهاينة من تلك الأبحاث، ورفض طلبات التمويل البحثي المقدمة من مؤسسات صهيونية.
أصدرت مجموعة من الباحثين والأكاديميين من دول الشمال مكونة من 939 باحثًا، في غضون شهر من اندلاع الحرب، بيانًا دعا الأكاديميين حول العالم إلى اتخاذ موقف أكثر حزمًا من العدوان الصهيوني، وطالبوا بتجميد التعاون مع جامعاته حتى تتوقف سياسات الاحتلال.
وقد امتدت هذه الدعوات إلى الجامعات النرويجية، حيث فسخت جامعة “أوسلو متروبوليتان”، وجامعة “جنوب شرق النرويج”، وغيرهما، جميع الاتفاقيات الأكاديمية مع جامعات صهيونية بدعوى تورطها في جرائم إبادة جماعية في غزة.
وفي سياق مشابه، أصدر ائتلاف يضم 34 منظمة طلابية بجامعة هارفارد بيانًا يوضح أن هجوم “طوفان الأقصى” الذي شنته المقاومة على الاحتلال لم يأتِ من فراغ. هذه الرؤية نفسها التي دفعت العديد من الجامعات والمؤسسات البحثية حول العالم إلى إعادة النظر في علاقاتها الأكاديمية مع الكيان الصهيونيّ، ومنه ما صرح به الصحفي “تاني غولدشتاين”، محرر موقع “زمان يسرائيل”، أن 8 جامعات على الأقل في دول مثل كندا والبرازيل وإيطاليا وبلجيكا والنرويج فرضت نوعًا من المقاطعة الأكاديمية الجزئية منذ بداية الحرب.
ومع استمرار العدوان وتصاعد وتيرته، قررت جامعة “غنت” في بلجيكا، في مايو 2024 م، وقف جميع أشكال التعاون المؤسسي مع الجامعات والمؤسسات الصهيونية، في خطوة تعزز الموقف المناهض للاحتلال. ولم تكن تلك الجامعة الوحيدة التي سلكت هذا الاتجاه، إذ سبقها في مارس إنهاءُ ٤ جامعات نرويجية جميع تعاوناتها الأكاديمية مع مؤسسات الاحتلال، جمدت على إثرها اتفاقيات التبادل الطلابي والبحثي؛ أيضًا بسبب تواطؤ تلك الجامعات في الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، ودورها في تطوير المعرفة العسكرية التي تُستخدم ضد الفلسطينيين.
وفي بريطانيا، وقع أكثر من 180 أكاديميًا على عريضة تدين الهجمات الصهيونية المستمرة على المؤسسات التعليمية في غزة واستهداف الطلاب والباحثين، مؤكدين أن تلك الممارسات تمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي.
أما في الولايات المتحدة، الداعم الأكبر لسياسات لاحتلال في حروبه الجائرة، وقوته الضاربة الحقيقيَّة، فقد شهدنا حادثة تعكس المناخ الضاغط الذي يواجهه الأكاديميون المؤيدون لفلسطين، عندما فُصلت مورا فينكلشتاين أستاذة الأنثروبولوجيا اليهودية الأمريكية من منصبها بكلية مولينبيرغ للفنون الحرة في مايو 2024 م بسبب منشور لها على إحدى وسائل التواصل يدعو إلى نبذ الصهيونية.
والسؤال الذي يمكن أن يطرح نفسَه: واقعيًا، ما الأثر الذي يمكن أن تحدثه هذه المقاطعة الأكاديمية؟
يرى الأستاذ الفخري للقانون الدولي في جامعة برينستون الأمريكية والنائب الفخري لرئيس الجمعية الأمريكية للقانون الدولي، ريتشارد فالك، أن المقاطعة الأكاديمية، خاصة عند اقترانها بنشاط احتجاجي جامعي واسع النطاق، يمكن أن تؤدي بطريقة ما إلى وقف الإبادة الجماعية والعدوان في فلسطين المحتلة، بالإضافة إلى احتماليَّة التأثير على الرأي العام في الدول الداعمة والمتواطئة خاصة الولايات المتحدة، بما يدفع في اتجاه الدبلوماسية والقانون الدولي والأمم المتحدة.
من وجهة نظره، ربما لن تؤثر المقاطعة على العمل الأكاديمي والبحثي المستمر في الجامعات الدولية حاليا، بيد أنها قد تثبط المشاريع التعاونية الجديدة، ولذلك تأثيره النفسي على الكيان، عدا فقدانه للشرعية بسبب هجومه الهمجي على مدار العام الماضي.
ومن طريق آخر، يستشهد أستاذ الرياضيات الفخري في كلية لندن للاقتصاد جوناثان روزنهيد بما كان للمقاطعة في جنوب أفريقيا من فضل في إنهاء الفصل العنصري، رغم استغراق العمليَّة من انطلاق المقاطعة إلى تحقيق أهدافها حوالي 30 عامًا.
إذَن، فهي ليست حلًا سريعًا، ولا حملة لها أهداف قصيرة المدى، لكنها تسعى إلى خلق مناخ من الرفض الثقافي، ثم الاقتصادي، وأخيرًا السياسي، للتعامل مع الكيان الصهيوني.
كان لهذا الحصار الأكاديميّ بالطبع أصداؤه الكاشفة في الداخل المحتل، حيث قالت البروفيسورة راشيل ألترمان، المحاضرة في مجال تخطيط المدن والقانون في مدينة التخنيون وعضو الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للعلوم، أن فرص قبول الباحثين الصهاينة للحصول على درجة الدكتوراه في الخارج انخفضت بنسبة 10%. في حين قال البروفيسور حاييم هايمس، رئيس جامعة بن غوريون التابعة للاحتلال: “اتصل بي 3 عمداء جامعات في أوروبا، وكتبوا أن هناك طلب في مجلس شيوخهم بوقف كل أشكال التعاون مع الجامعات في إسرائيل”.
وتحاول دولة الاحتلال تكثيف جهودها في عدد من الجامعات عن طريق اللوبي الصهيوني المكلف بتنفيذ حملات لمراقبة وترهيب المسار التعليمي والأكاديمي في الغرب بغرض إسكات انتقادات الجامعات للكيان، والإساءة للشخصيات المرموقة والمجتمع الفلسطيني بحجة “معاداة السامية”.
الأمر أشدُّ وطأة وأظهر أثرًا مما يبدو، لكن ملخصه ما قاله البروفيسور أودي سومر، الأكاديمي بكلية العلوم السياسية في جامعة تل أبيب وجامعة مدينة نيويورك، والرئيس السابق لأكاديمية الشباب الإسرائيلية: “لقد التقيت بالفعل بباحثين من الخارج قطعوا العلاقات مع إسرائيل ومع الباحثين الإسرائيليين. على المستوى العاطفي الأمر مخيب للآمال، وعلى المستوى المهني الأمر مقلق، وهذا يشكل ضررا خطيرًا للباحثين الإسرائيليين، وعلى إسرائيل أن تبني استراتيجية للتعامل مع هذه الأزمة والتنبؤ بالأزمة القادمة”.
