
تمثل القدرة الاقتصادية العامل الحاسم المُحدِّد لحجم ومدى تطور القدرة العسكرية، ومن هنا كان التوظيف التاريخي للعوامل المؤثرة على القوة الاقتصاديَّة كسلاح فعَّالٍ في الحروب بين الدول. في هذا السياق يقرِّر خبير القانون الدولي البريطاني بروفيسور مدليكوت أنَّ الحرب الاقتصاديَّة عمليَّة يمكن مقارنتها بعمليات الأسلحة المقاتلة الثلاثة (١) في أن غرضها حرمان العدو من الوسائل المادية للمقاومة، بيد أن نتائجها لا تتحقق بالهجوم المباشر على العدو فحسب، بل أيضًا بالضغط على الدول التي يحصل منها العدو على تموينه وإمداده.
مفهوم المقاطعة الاقتصادية
تعدَّدت تعريفاتها وفقًا لتصوُّر الباحثين لحدودها والغرض منها، إلا أن المعنى الذي يكاد يكون ساريًا في كل التعريفات: “استخدام الاقتصاد كقوة ضاغطة”، وبمزيدٍ من التفصيل: قطع حبل المعاملات الاقتصاديَّة مع فردٍ أو مجموعة أو مؤسسة أو دولة معتدية، سواءٌ كان القطع حكوميًا أو أهليًا، جزئيًا أو كليًا، مؤقتًا أو دائمًا؛ سعيًا لتوهين الاقتصاد وتقليله، أو إرهاقه وتدميره.
دوافع المقاطعة
تلجأ الدول أو الشعوب إلى المقاطعة لأسباب متعدِّدة بتعدد السياقات، جِماعُها “الرغبة في إحداث فرق”، عن طريق خلق متاعب اقتصاديَّة لكيان معتدٍ أو داعميه بغية التأثير على ممارساته وسياساته، أو على الأقلِّ انطلاقًا من التزام أخلاقيٍّ يحمل الفرد على النأي بنفسه وإن لم يفعل ذلك غيرُه.
التخطيط الاستراتيجي للمقاطعة
يعتمد نجاح المقاطعة على التخطيط الذي يشمل “التعاون المنظم بين الفاعلين” من خلال تواصل مستمر يضمن وضوح الرؤية وتوحيد الأهداف، و”الدور الإعلامي الفعَّال” لتوسيع نطاق المشاركة الشعبية من خلال تسليط الضوء على أهداف المقاطعة وبث التقارير التي تكشف عمق تأثيرها، وفضح ممارسات الجهة المستهدفة، بالإضافة إلى “الاستراتيجيات المرنة لضمان الاستمرارية” مثل التقييم الدوري للأهداف المرحلية، وتطوير آليات التقييم، وإعادة توجيه الجهود.
تعقُّبٌ تاريخيّ
ربما لا نستطيع أن نسجل بدقة أول ظهور للمقاطعة الاقتصادية، إلا أنَّها تظل عمليَّة ضاربة في عمق التاريخ، مورست بمفهومها العام قبل الإسلام وبعده، فيوسف – عليه السلام – منع الميرة عن إخوته ما لم يأتوه بأخيهم من أبيهم، ولم يكن لهم سبيل إلى الرزق إلا تلك البلاد التي يملك زمامها نبي الله يوسف – عليه السلام -، قال تعالى حكاية عنه: “فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلَا تَقْرَبُون”.
ولمَّا أراد المشركون قتل النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – فمنعه قومُه؛ فرضوا عليهم حصارًا اقتصاديًا واجتماعيًا في “شِعب أبي طالب”، وتعاقدوا فيما بينهم ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يدعوا سببًا من أسباب الرزق يصل إليهم، حتى يسلم بنو المُطَّلِب رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – إليهم لقتله، ودام هذا الحصار نحو ثلاث سنوات.
وفي الصحيحين أنَّ ثمامة بن أثال – رضي الله عنه – سافر إلى مكة بعد إسلامه للعمرة، وقال لأهلها: والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي – صلى الله عليه وسلم – في تفعيلٍ جليٍّ للمقاطعة الاقتصادية. وبنحو ذلك، أصدر حزب الوفد المصري في الربع الأول من القرن العشرين قرارًا بالمقاطعة الشاملة لبريطانيا بعد اعتقال سعد زغلول، وحثَّ المصريين على مقاطعة البضائع البريطانية، وسحب ودائعهم من المصارف الإنجليزية.
المقاطعة العربيَّة للكيان الصهيوني
يمكن القول أن المقاطعة العربية للمصالح اليهودية بدأت في 1922 م بمنع التعامل مع أي تجارة يهودية خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، ومنذ الأربعينيات أعلنت جامعة الدول العربية “حملة مقاطعة رسمية للكيان الصهيوني” مرت بثلاث مراحل: المقاطعة المباشرة لبضائع وخدمات الاحتلال، ومقاطعة الشركات الأجنبية التي تتعامل مع الاحتلال بما يعزز قوته، ومقاطعة جميع الشركات التي تشحن بضائعها أو منتجاتها عبر منافذ الاحتلال.
وفي عام 2005م أسَّس مجموعة من منظمات المجتمع المدني حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) بهدف الضغط الاقتصادي لإنهاء الاحتلال وكافة أشكال الفصل العنصري ضد الفلسطينيين، ودعم وحماية حق العودة، وهكذا كانت الدعوة إلى المقاطعة قديمة متجددة من أجل تحرير الأراضي الفلسطينية وإيقاف مسلسل الإبادة الذي يتعرض له الفلسطينيون على يد الصهاينة على مدار عقود متتالية.
شركات في خدمة الاحتلال
قد يبدو من بدايات التعاون بين “مجموعة كارفور” والاحتلال ارتكازه المجرَّد على المصلحة المشتركة: شركة توقع اتفاقية مع أخرى صهيونية لإحلال علامتها التجارية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بيد أنَّ الأيَّام أبت إلا أن تقطع الشك باليقين، وتكشف أنَّ مجرَّد المصلحة – على ما فيها من دناءة – لم تكن الدافع الأصيل لهذه العلاقة المشبوهة، وإنَّما “الدعم المباشر للسياسة الاستعماريَّة والتشجيع لما ينبني عليها من أعمالٍ إجراميَّة” وصفتها – في سلاسة عجيبة – بالجهود الوطنية! وما دامت الإبادة المنظمة التي تمارسها الصهيونية على قطاع غزة جهودًا وطنية، فلا بأس أن تعينهم عليها بشحنات من المنتجات تحمل رسائل شكرهم وتقديرهم! إن أقلَّ ما وَسِع الشعوب تقديمه إزاء هذا العدوان المركَّب أن نزعت يدها، وحجزت أموالها عن هؤلاء الطغاة جميعًا، في حملة مقاطعة شاملة أسهمت – في فترة وجيزة – في “تخفيض أرباح تلك الشركة من الشرق الأوسط” بنسبة 15%، وتسببت في “إغلاق عدد من فروعها” في بعض الدول.
أمَّا شركة “كوكاكولا” فكأنها لم تشأ أن ترهق أذهان الناس في التتبُّع والتحليل؛ إذ جاءت الأخبار من قلب الاحتلال بتبرعها قبل تسع سنوات بمبلغ خمسين ألف شيكل (٢) لمنظمة “إم ترتسو” التي تخدم أحزاب اليمين المتطرف – كذا – بغية وضع حد لظاهرة نزع الشرعية عن الكيان الصهيوني. هذا دعمٌ كبيرٌ صريحٌ من الواجب أن يحفظه لها الاحتلال ولو رمزيًا، كأن تحمل أسيرة إسرائيلية محرَّرة ضمن أحداث الحرب الأخيرة في أوَّل صورة لها عبوَّة كوكاكولا في مشهد يستعرض ثنائية الدعم والتقدير المتبادلين! وإذَن، فقد كان منطقيًا أن تطال هذه الشركة يد المقاطعة التي ما زالت تعمل جاهدة للتعتيم على آثارها الاقتصاديَّة المختبئة خلف حملاتها الإعلانية المكثفة بالتعاون مع أفراد أو مؤسسات لهم رواج شعبي؛ لتقليل الخسائر التي يبدو – والعلم عند الله – أنها موجعة لهم.
في إطار دعمه للحقوق والحريَّات، أصدر اتحاد عمال “مجموعة ستاربكس” بيانًا أعلن فيه تضامنه مع الفلسطينيين أمام البربريَّة الصهيونية؛ فلم تكتفِ الشركة بإعلان براءتها من هذا البيان الذي رأت أنه لا يمثل موقفها، بل رفعت ضده دعوى قضائية أثارت أخبارها حملة مقاطعة واسعة النطاق للشركة ومنتجاتها تسببت مع عدد من العوامل الأخرى في “انخفاض القيمة السوقية للشركة” بـ 10.98 مليارات دولار، وتراجُع المستثمرين عن تملُّك أسهمها، بل ودفعها إلى “أطول سلسلة خسائر منذ أول طرح لها في أسواق المال” عام 1992 م. إنَّ الشعوب لا يمكنها أن تقف متفرِّجة على ما تقدمه الرأسمالية المتوحشة من دعم مطلق لتلك الممارسات الآثمة، دون إجراء إنسانيٍّ ينصف المظلوم ويأخذ على يد الظالم.
المقاطعة كأسلوب مقاومة
“تمثل المقاطعة الاقتصادية سلاحًا آمنًا” بأيدي العرب والمسلمين لدعم أبناء الشعب الفلسطينيّ المقاوم على أرضه في مواجهة آلة الحرب الصهيونيَّة الباطشة، والدعم الأمريكي المطلق، والتواطؤ الدولي المفضوح، من حيث كونها وسيلة متاحة لكافَّة الفئات والشرائح، وكونها غير مكلفة ولا تضع المواطن في صدام مباشر مع أحد، بالإضافة إلى دورها الفاعل في إعادة الاعتبار للمنتج المحلي، وبالتالي إعادة توجيه السياسة الاقتصادية استراتيجيًا، وأنفس من ذلك كله إحياء روح المبادرة، والثقة بالنفس.
في ميزان الشريعة
الجهاد بالمال مقدَّم على الجهاد بالنفس في مواضع كثيرة من الشرع الشريف، قال تعالى: “انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ…”، والمقاطعة الاقتصاديَّة لا تخرج عن أحد تخريجين شرعيَّين: أن تكون من ضروب الجهاد المنصوص عليه إذا تحققت غاية نصرة المسلمين وإضعاف العدو بقطع دفق الأموال عليه، أو تكون مصلحة مرسلة، لم يُلزم بها الشرع ولم يلغها. “وقد دعا الأزهر الشريف إلى تجديد تفعيل مقاطعة المنتجات الصهيونية”؛ حماية للدم الفلسطيني، وردًا للعدوان.
الآثار السياسية والاجتماعيَّة
يتجلى القدر الأكبر من الآثار السياسية للمقاطعة في “الضغط الدولي على الاحتلال”، و”تقليل شرعية التطبيع”، و”تعزيز المواقف المناهضة للاستعمار”. من ناحية أخرى، كانت وعود جيمي كارتر لجماعات الضغط اليهودي بمكافحة حركة المقاطعة العربية للشركات الأمريكية العاملة مع الاحتلال، أحد أسباب انتصاره على جيرالد فورد في انتخابات الرئاسة الأمريكية، ما يكشف عمق تأثير المقاطعة الاقتصادية على المشهد السياسيّ العالميّ.
واقتصاديًا، قدَّرت جامعة الدول العربية الخسائر المتراكمة للاحتلال بسبب المقاطعة العربية حتى نهاية عام 1999 م بنحو 90 مليار دولار، فيما أشارت التقديرات إلى تراوح خسائر المنتجات الأمريكية في دول مجلس التعاون ومصر عام 2002 م بين 150 إلى 200 مليون دولار بسبب حملات المقاطعة، ما يعادل 15 – 20% من إجمالي الواردات الشهرية من الولايات المتحدة لتلك الدول.
المقاطعة سلاحٌ فعَّال
يحفظ التاريخ للمقاطعة دورها الحيوي في حياة الشعوب والأمم لتحقيق آمال الحرية والكرامة والانعتاق من هيمنة الاستعمار والاستبداد، عبر إنجاز تحولات سياسية وتاريخيَّة كبرى، بدءًا من دفع حركة الاستقلال في الهند ووصولًا إلى إنهاء الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
قاد “المهاتما غاندي” حركة مقاومة سلمية ضد الاحتلال الإنجليزي بدأت بحملة “مقاطعة المنتجات البريطانية” التي أطلق خلالها مقولته الشهيرة: “احمل مغزلك واتبعني” لتشجيع المواطنين على صناعة ملابسهم بأيديهم؛ احتجاجًا على احتكار بريطانيا شراءَ القطن الهندي الطبيعي بثمن بخس وإعادة بيعه للهنود بعد تصنيعه بأغلى الأثمان.
وفي عام 1930 م خطا غاندي خطوة أكثر جرأة بإطلاق “مسيرة الملح”؛ حيث قطع مع رفاقه مسافة 240 ميلًا على الأقدام نحو البحر لاستخراج الملح الذي احتكره الاحتلال وحرَّم على الشعب الهنديِّ استخراجه، في تحدٍّ صارخٍ للقوانين الاستعمارية دفع ثمنه عدَّة أشهر في السجن، إلا أنَّه قاد لاحقًا إلى “معاهدة غاندي – إيروين” التي أعطت الهنود الحق في جمع وتصنيع الملح للمرة الأولى. ورغم قمع السلطات البريطانية إلا أن هذه الحملات أسهمت في إضعاف سيطرتها، ممَّا أدى في النهاية إلى استقلال الهند عام 1947 م.
أما في جنوب أفريقيا، فقد انطلقت حملات محلية ودولية في أوائل الخمسينيات لمقاطعة المنتجات والشركات التي تدعم النظام كردِّ فعلٍ على سياسات التمييز العنصري التي كانت تنتهجها الحكومة البيضاء، وشهدت السنوات اللاحقة تصاعدًا كبيرًا في الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية إلى جانب المقاومة الشعبية الداخلية أدى بعد عقود إلى انتهاء نظام الفصل العنصري رسميًا مع انتخاب “نيلسون مانديلا” رئيسًا للبلاد في أول انتخابات ديمقراطية.
“في ختام هذا المقال”، يتبيَّن لنا أن المقاطعة الاقتصادية سلاح استراتيجيٌ ذو تأثير عميق على الصعيدين السياسي والاقتصادي، أثبت فعاليته عبر التاريخ في الضغط على الأنظمة والدول، وتغيير السياسات، وتعزيز الحقوق، عندما يُستخدَم بذكاء وتنظيم، كما تبرز المقاطعة في ضوء مبادئ الشريعة كوسيلةٍ مشروعة للدفاع عن الحقوق وتحقيق العدالة الإنسانية.
المراجع:
- من ثقافة المقاطعة إلى ثقافة المقاومة: أحمد بهاء الدين شعبان، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، الطبعة الأولى، 2014 م.
- المقاطعة الاقتصادية بين النظرية والتطبيق: أيمن نور الدين عمر، مكتبة السائح، بيروت، الطبعة الأولى، 1424 هـ.
- فقه السيرة: محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر، سورية، الطبعة السابعة.
- المقاطعة الاقتصادية، تأصيلها الشرعي، واقعها، والمأمول لها: عابد بن عبد الله السعدون، دار التابعين، الرياض، الطبعة الأولى، 2008 م.
- المقاطعة الاقتصادية، ماهيتها، حكمها، أقوال العلماء فيها: عبد الرحمن الحميدي الشامي، رابطة علماء ودعاة سورية.
- U.S. policy and the Arab economic boycott: understanding the origins and dealing with it’s consequences, Donald D.A. Schaefer, University of Michigan.
- Why we boycott: consumer motivations for boycott participation, Jill Gabrielle Klein, N. Carig Smith, and Andrew John, 2004.
ملاحظات:
- (١) القوات البرية والبحرية والجوية.
- (٢) وحدة العملة الرسمية في الكيان الصهيوني.
