الانتفاضة الثانية

اقتحم الإرهابي أربيل شارون زعيم حزب الليكود الإسرائيلي، يوم 2000/9/28 م ساحة المسجد الأقصى تحت حراسة مشددة من القوات الإسرائيليه، ما أدى إلى مصادمات دامية مع الفلسطينيين الذين تصدوا للاستهتار الاستفزازي بالمقدسات الاسلامية فواجهتهم القوات الإسرائيليه بنيران الرشاشات وانتهت المصادمات بإصابة الكثيرين من بينهم المناضل (فيصل الحسيني).

احتجت السلطة الفلسطينية على هذه التصرفات غير المسؤولة من القوات الإسرائيليه ووقاحة الزيارة الاستنفزازيه التي تعمدها الارهابي { شارون قائد مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982، في اليوم التالي وبعد صلاة العصر هاجمت القوات الإسرائيلية المصلين في ساحة المسجد الأقصى فأصابت منهم أكثر من 200 جريح وسقط عدد من الشهداء. دعت القيادة الفلسطينية إلى الإضراب العام احتجاجاً على التصرفات الإسرائيلية الخطيرة، فواجهت القوات الإسرائيلية الإضراب العام بوسائل القمع الوحشية فأدى ذلك الى المصادمات التي شملت الضفة والقطاع وجميع المدن والقرى الفلسطينية وخاصة غزة ورام الله، والخليل، ونابلس، وغيرها من المدن والقرى، حيث استشهد أكثر من 13 مناضل في هذه المصادمات الدامية. في يوم (10/1) تصاعدت الاحتجاجات والمصادمات الدامية، فعمت جميع مدن وقرى الضفة والقطاع والأحياء الفلسطينية الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي في الناصرة وغيرها … وارتفع عدد الشهداء إلى 35 شهيد، وعدد الجرحى والمصابين إلى المئات، من بين الشهداء الطفل الشهيد (محمد جمال الدرة الذي أغتيل في أبشع جريمة تقدم عليها قوات إجرامية ضد طفل بريء يحتمى بظهر أبيه وهو في حالة فزع ورعب. قامت القوات الإسرائيلية بسد مداخل المدن بالدبابات ولاحقت المتظاهرين بالمروحيات وقصفت المناطق السكنية بالصواريخ والمدفعية ومقرات السلطة الفلسطينية في غزة، غير أنه في الأيام التالية ازداد زخم الانتفاضه ليشمل جميع المدن والقرى الفلسطينيه وتضاعفت المصادمات وتساقط الشهداء والجرحى نتيجة استعمال القوات الإسرائيلية الجميع أنواع الأسلحة المحرمة…. الانشطارية والحارقة، واستهدفت بوجه خاص الشباب الفلسطيني بإصابات في أماكن قاتلة للقضاء على القدرات الفاعلة في الانتفاضة.

أصدرت قيادة العدو التعليمات الى قيادات الجيش لتجهيز آلة عسكرية ضخمة تضم مختلف الأسلحة من دبابات ومدافع ومروحيات مزودة بالصواريخ والرشاشات والأسلحة المحمولة ذات القذائف الانشطارية والحارقة والغازات، لقمع الانتفاضة بكل الوسائل الوحشية الممكنة. وأمرت بسد الطرق بالدبابات والحواجز لمنع مسيرات المتظاهرين وتفريقهم بالأسلحة النارية والغازات السامة ومطاردتهم برشاشات المروحيات. وأمرت بقصف مقرات السلطة الفلسطينية ومكاتبها وعناصرها وكذلك المساكن والمباني القريبة من المستوطنات.

وتعمدت إصابة وقتل الشباب الفلسطيني لزيادة حالة الحزن والإحباط لدى أولياء الأمور، والتدليل للرأى العام العالمي على زعمهم بأن القيادة الفلسطينية تزج بالشباب في مصادمات دامية لا تقدر عواقبها. ثم قامت بإغلاق المعابر، وحصار المدن، وعزل الشعب الفلسطيني وحرمانه من التواصل من مدينه الى أخرى، ومنع اتصاله بالمنظمات الإنسانية، وحرمانهم من العمل والارتزاق. وقطع التيار الكهربائي لوقف حركة النشاط الاقتصادي، ومنع وصول الوقود إليهم لشل حركة الإنتاج، وحرمانهم من العلاج والأدوية، ودفعهم للقبول بالأمر الواقع والتخلي عن الانتفاضة، وغلق المطار لمنع الاتصال بالعالم الخارجي وحرمان الجرحي والمرضى من وصول الأدوية أو السفر للخارج لتلقى العلاج. ونشرت القوات الخاصة التابعه للموساد الإسرائيلي بين الفلسطينيين لاغتيالهم واعتقالهم عند وصول القوات الاسرائيلية إلى مواقع المقاومة، وقامت بتسليح المستوطنين المتطرفين وإشراكهم في عمليات القمع والاغتيال، والاعتداء على المواطنين العزل. واستخدمت أساليب القمع الوحشية مع التظاهر الخادع إعلامياً بالاستعداد للتفاهم للوصول إلى تسويات لوقف العنف.

وقامت بالتنسيق مع اللوبي الصهيوني الأمريكي للتأثير على الرأى العام الأمريكي أثناء مرحلة الانتخابات الانتقالية لابتزاز تأييد المرشحين للرئاسة لتأييد إسرائيل. كما رفضت أي مساعي لوقف العدوان والإرهاب الإسرائيلي باستثناء الوساطة الأمريكية التي هي سلفاً منحازة بالكامل للطرف الصهيوني، وتحميل مسؤولية الأحداث الدامية للفلسطينيين. وانتهجت سياسة ترويع الأسر الفلسطينة بقصف بيوتهم بمدفعية الدبابات وصواريخ المروحيات وهدم مساكنهم وتخريب مزارعهم باقتلاع أشجارها بالجرافات، وتحريض المستوطنين المتطرفين على العدوان على ممتلكاتهم والتحرش بهم لاجبارهم على مغادرة أرضهم لتخصيصها لبناء المستوطنات الجديدة. واتبعت كل الوسائل الوحشية للقضاء عليهم وتهجيرهم رغم كل القرارات الدولية التي تنص على إزالة جميع آثار العدوان وحق الشعب الفلسطيني في العودة وفي العيش في سلام.

مشهد الدرة، لا يفارق أجيالنا..

لا يستطيع جمال الدرة (۲۱) عامًا وصف اللحظات الرهيبة التي عاشها وهو يرى طفله محمد 12 عامًا يصرخ مستغيثًا به من ألم الرصاص الذي اخترق جسده الصغير: بابا.. أسعفني.. يا بابا، قبل أن يسكت لسانه إلى الأبد وهو بين ذراعيه.

ويمسح جمال دمعة اختنقت في عينيه ويكابر على ألم فقدانه ابنه الذي مازال صراحه يدوي في أذنيه وألم الرصاصات الخمس التي اخترقت جسده ويرسم ابتسامة خفيفة ة على وجهه الشاحب وهو يستقبل آلاف المواطنين والمسؤولين الذين قدموا لعيادته في قسم الجراحة بمستشفى الشفاء. وكان مراسل القناة الثانية للتلفزيون الفرنسي قد تمكن من النقاط المشاهد المثيرة لدى اطلاق الجنود النار باتجاه الأب وطفله حينما حاولا الاستتار خلف حجر اسمنتي صغير بجوار الجدار إلا أن رصاصات الجيش كانت لهما بالمرصاد فقتلت الطفل وأصابت الأب بجراح خطيرة.

ووقف الصحافيون ولا حيلة لهم وهم يراقبون الصبي مع والده وقد حاصرهما وابل من الرصاص المنهمر فيما تعالى: صراخ الطفل باكيا وقد رسمت على وجهه علامات الخوف والذهول واحتمى بوالده الذي رفع يده ملوكا الموقف اطلاق النار فيما حاول حماية طفلة بجسده دون جدوى.

ولم يكتف الجنود الاسرائيليون بذلك بل أطلقوا النار على سائق الاسعاف الذي حاول اسعاف محمد ووالده ونقلهم إلى مستشفى الشفاء مما أدى إلى استشهاده. وأثارت لقطات استشهاد الطفل واصابة والده بجراح خطير قرب مستوطنة تتساريم وسط قطاع غزة من معسكر محصن للجيش الاسرائيلي خلال المواجهات الدامية ضجة في أوساط وسائل الإعلام ولدى المشاهدين في كافة انحاء العالم. وقال والد الطفل أنه اصطحب طفله إلى غزة منطلقين من منزلهم في مخيم البريج منذ الصباح وذلك لرغبته فى شراء سيارة خاصة إلا أنه عاد أدراجة نظراً للاضراب الشامل والحداد الذي خيم على الأراضي الفلسطينية في أعقاب مجزرة الأقصى.

ويتابع قائلًا: ركبنا سيارة أجرة ولدى وصولنا إلى مفترق الشهداء توقفت السيارة ولم تواصل السير بسبب المواجهات المندلعة واصطحبت طفلي محمد وحاولنا عبور المفترق مترجلين قبل أن يمطر جنود الاحتلال المكان بنيراهم الكثيفة مما اضطرنا للاحتماء بالجدار والحجر الاسمنتي. ويتذكر الأب تصيبه الرصاصة الأولى حاول طمأنة والده وقال له بابا والألم يعتصره أن أن طفله محمد قبل أن مافيش حاجة أنا بتحمل، ولكنه حينما أصيب بالرصاصة الأولى في كوعه صرخ متألما مستغيثا بوالده لكي ي يسعفه وكان رد والده أصبر يا بابا ، إلا أن الرصاصة الثانية التي استقرت في صدرها ره أسكنه إلى الأبد. ويبقى الأمر الذي لا يتذكره الوالد المفجوع بعد اصابته بالرصاص وغيابه عن الوعي استمرار اطلاق الرصاص من قبل الاسرائيليين لمدة ٤٥ دقيقة دون توقف رغم استشهاد الطفل وغيبوبة الأب وذلك حسبما أفاد به طلال أبو رحمة مصور هذه المشاهد المرعبة. وقد قام سفراء الدول العربية لدى السلطة الفلسطينية أمس بزيارة والد الطفل في المستشفى وعبر سفراء مصر وتونس والمغرب عن اعتزازهم بصموده ووصفوه بالبطل وحادثه سفير مصر أحمد رسلان قائلاً: أنت عبرت عن صمود وتماسك الشعب الفلسطيني بحق حتى ولو ضحيت بفلذة كبدك ..