أدى حادث دهس سيارة عربية من قبل قاطرة نقل إسرائيلية كبيرة ومقتل سبعة فلسطينيين بتاريخ 1987/12/8 إلى غليان في الشارع الفلسطيني. تفجر هذا الغليان إلى مواجهات مع قوى الجيش الإسرائيلي في شوارع مدينة غزة، وقد ازدادت مشاركة الجماهير الفلسطينية في هذه المصادمات والمواجهات مع سقوط أول جريح وأول شهيد فلسطيني من مخيم جباليا وهو الشهيد حاتم السيسي. تصاعدت الأمور يوما بعد يوم، وبات واضحا أن هذه المشاركة الجماهيرية الكبيرة ستؤدي إلى نتائج كبيرة وخطيرة على صعيد علاقة الجماهير الفلسطينية في قطاع غزة، ومن ثم الضفة الغربية لاحقا مع قوى الاحتلال الصهيوني وخاصة قواته العسكرية المحتلة لهذه المناطق الفصائل الفلسطينية المنضوية تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية أعربت عن مشاركتها في الأحداث الجارية منذ لحظتها وساعاتها الأولى حيث دعت حركة الشبيبة أنصارها في الجامعة الإسلامية والمدارس الثانوية لتصعيد المواجهات مع قوى الاحتلال في الشارع الفلسطيني والطرقات والأزقة، وتوسيع هذه المواجهات لتشمل كافة أنحاء قطاع غزة جرت هذه المواجهات بينما كانت قيادات من هذه الفصائل تجتمع بشكل متسارع من أجل تشكيل هيئة وطنية، أو قيادة وطنية جماعية تعمل للسيطرة على هذه المواجهات وتوجيهها بشكل صحيح، من أجل توسيع إطار المشاركة الجماهيرية لتشمل كافة أنحاء القطاع بعد أن كانت محصورة في بدايتها، لتشمل الضفة الغربية بعد ذلك بأسابيع. وبينما كانت هذه القيادات تتحاور التشكيل ما عرف بعد عدة أيام بـ (القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة، كانت هناك تحركات شديدة وسريعة من قبل قيادات المجمع الإسلامي من أجل محاولة استيعاب ما يحدث، وتحديد موقف تجاهه.

كان البرد قارساً، والجو ماطراً، حين كان يجلس في منزل شيخ أحمد ياسين سبعة من قادة المجمع الإسلامي هم: الشيخ محمد شمعة الشيخ عبد الفتاح دخان الشيخ صلاح شحادة، الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، الدكتور إبراهيم اليازوري المهندس عيسى النشار) مع مضيفهم الشيخ أحمد ياسين.

كان الجميع يتداولون الأحداث التي عمت الشارع الفلسطيني، خاصة بعد أن تقرر إغلاق الجامعة الإسلامية من قبل السلطات الإسرائيلية، لان المواجهات الفعلية قد انطلقت من بين أسوار الجامعة. عدد من القيادات المجتمعة كان يضغط بضرورة المشاركة في هذه الأحداث لان اتساع نطاق التفاعل الجماهيري المتزايد يوما بعد يوم سيحرج (المجمع) أمام هذه الجماهير، وقد يعرض الحركة لردة فعل غاضبة من عناصرها الذين سئموا من عدم المشاركة في المواجهات والصدامات ضد الاحتلال بعض المشاركين حذر من أن عدم المشاركة قد يؤدي إلى فلتان في الحركة وعدم سيطرة على جماهيرها وأنصارها. تباينت الآراء حول موقف قيادات المجمع وخاصة الشيخ ياسين من المشاركة في هذه الأحداث، فبينما وصف الكاتبان الإسرائيليان إيهود يعاري وزئيف شيف موقف الشيخ ياسين بالسلبية : لدى اندلاع الاضطرابات في القطاع جاء إلى بيت الشيخ أحمد ياسين بعض نشطاء حركته وحاولوا إقناعه إعادة النظر من جديد في سياسته، حتى ذلك الوقت كان ياسين ينادي بما يسميه الإخوان المسلمون التربية والدعوة، صحيح أنه في إحدى المرات قبل بإخفاء بنادق لديه لكنه كان حريصاً على عدم القيام بعمليات إرهابية… قال رجاله : الانتفاضة تستوجب من الحركة الاشتراك بصورة منظمة وإدارة الأحداث، لكنه رفض… وأخيرا فقط سمح في النصف الثاني من شهر كانون أول 1987 بنشر منشور يحمل توقيع حركة المقاومة الإسلامية يدعو إلى تصعيد الانتفاضة، كما أن ضغط الأحداث بدأ يتزايد باضطراد وبسرعة، الأمر الذي جعل الشيخ ياسين يلين شيئا فشيئا و أخيرا في أواخر شهر كانون أول 1987 توصل الشيخ ياسين إلى استنتاج بأنه لم يبق لديه خيار سوى الاستجابة لتوسلات والحاح رجاله والسماح لهم بالانتقال من التربية والوعظ إلى النضال القومي النشط الفعال. وفي شهر شباط أمر بتشكيل جهاز سري جديد تماما في الحركة عرف باسم (حماس) وهي الأحرف الأولى للكلمات العربية، حركة المقاومة الإسلامية.

أصر الشيخ ياسين على أن جميع من حضروا اللقاء قد أكدوا على ضرورة المشاركة في أحداث الانتفاضة بل تعدى ذلك حين نسب إلى جماعته قضية توسيع دائرة المواجهات إلى مختلف مناطق القطاع : دعيت الاخوة لمناقشة الأوضاع الحالية التي كانت تدور حول الجامعة الإسلامية وقد كنا نريد نقل هذه الأحداث من الجامعة إلى الشوارع، ونحن جالسين سمعنا قراراً بإغلاق الجامعة الإسلامية فقلنا طالما أغلقت الجامعة فلننقل الصراع إلى الشارع، واتفقنا على نقل الصراع إلى الشارع وقد كنا قد اخترنا من كل منطقة عنصراً لتؤثر في كل المناطق وليس فقط غزة، وقد كانت البداية استعداد أحد الجالسين الدكتور عبد العزيز الرنتيسي) لذلك، حيث قال : إنني على استعداد منذ يوم السبت لنقل الأحداث إلى خانيونس، وفعلا قامت صباح يوم السبت مسيرة ضخمة في خانيونس ومن ثم بدأنا نقلها إلى مناطق أخرى بهدف رفع الضغط عن المناطق التي تشتد فيها الأحداث ولرفع الضغط عن خانيونس نقلنا الأحداث إلى المنطقة الوسطى وهكذا). استطاعت أحداث الانتفاضة أن تخرج قادة المجمع عن المألوف باتخاذهم قراراً بالمشاركة في أحداث الانتفاضة المتعلقة بمواجهة قوات الاحتلال.

قبل ذلك الوقت خرج الشيخ أحمد ياسين من المعتقلات الإسرائيلية عام 1985 وقد ازدادت خبرته الأمنية شيئا كثيرا نتاج تجربته مع المحققين الإسرائيليين، إضافة إلى ما اطلع عليه خلال هذه الفترة من تجارب من سبقه من المعتقلين الذين التقاهم في المعتقلات، ورغم قساوة السجن خاصة مع ظروف مرضية مثل الإعاقة المصاب بها الشيخ أحمد ياسين فان هاجس الجهاد لم يتغير ولم يتزحزح من فكر الشيخ ياسين، بل قد تكون تجربة المعتقل والاحتكاك المباشر مع قوات الاحتلال من خلال السجن والتحقيق والاعتقال زادت الشيخ ياسين إصرارا على مواجهة الاحتلال مواجهة عسكرية، من أجل ذلك شعر الشيخ أحمد ياسين أنه يجب العمل على تقوية الوضع الأمني لحركته ونشاطه، حتى لا يقع في ضربة أخرى مثل الضربة الأولى التي كادت أن تقضي على التنظيم لولا أنهم لم يكونوا قد استخدموا الأسلحة بعد.

بعد خروج الشيخ ياسين من المعتقل عام 1985 بدأ يتردد عليه بعض قادة المجمع الشباب من طلبة الجامعة الإسلامية، وقد تدارس الشيخ ياسين مع هؤلاء الشباب الذين كان منهم الطالب يحيى السنوار والطالب خالد الهندي الذي رشحه الشيخ ياسين القيادة مجلس طلبة الجامعة الإسلامية بعد الشيخ حجازي البربار، تدارس الشيخ ياسين مع هؤلاء الشباب أحوال قطاع غزة الأمنية وخاصة ما تعلق منها بالمتعاونين مع السلطات الإسرائيلية، إضافة إلى الأمور المخالفة للتعاليم الإسلامية.. قام الشيخ ياسين مع بداية عام 1986 بتكليفهم بتجنيد بعض الأشخاص الثقات بهدف جمع المعلومات عن المتعاونين وعن تجار المخدرات وأصحاب محلات الفيديو، وعن أي أمور أخرى تتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي، كانت هذه التكليفات بمثابة أول خطوة اتخذها الشيخ ياسين نحو تشكيل جهاز أمني عرف فيما بعد بـ (منظمة الجهاد والدعوة مجد، ويقول الشيخ أحمد ياسين حول تأسيس جهاز (مجد): أسست مجد العمل تنظيمي أمني داخلي يبني أمناً للمواطن الفلسطيني ولابن الحركة. بالفعل قام المكلفون بتجنيد بعض الشباب البارز من نشيطي المجمع للعمل في هذا الجهاز، وقد قسم الشيخ أحمد ياسين قطاع غزة إلى منطقتي عمل هما: منطقة الجنوب وأشرف عليها بشكل مباشر الطالب يحيى السنوار ومنطقة الشمال وأشرف عليها الشيخ روحي مشتهي. بدأ أعضاء تنظيم مجد بجمع المعلومات حول محلات بيع أشرطة الفيديو التي تروج الأفلام الجنسية وقرروا إحراق هذه المحلات في مناطق مختلفة من القطاع، كما قاموا بخطف والتحقيق مع عدد من الأشخاص الذين تجمعت معلومات عنهم تفيد بتعاونهم مع السلطات الإسرائيلية. اتسع التنظيم مع قيامه بمباشرة عمله خلال عام ونصف بشكل كبير وعندما بدأت أحداث الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 وتأسست حركة حماس كان هذا التنظيم جاهزا للاستمرار في عمله الأمني الجهادي، ومع اتساع نشاط المجاهدين من خلال حركة حماس فقد بات واضحا أن هذا التنظيم سيكون له دور هام في الحركة على الصعيد الأمني الذي ستزداد متطلباته يوما بعد يوم مع استمرار الانتفاضة.

تأسست حماس ومع تأسيسها والإعلان عنها كحركة مقاومة أدرك القادة أن المعالم الأمنية للمرحلة القادمة يجب أن تتغير كلية بحيث يجب تغيير مفاهيم التعامل في الجوانب الأمنية ويجب إتباع قواعد وقوانين أمنية تضمن لهم الاستمرار وتوفر لهم الحماية من متابعة القوات الإسرائيلية المحتلة التي أدرك قادة حماس أنها ستلاحقهم وأنهم سيصبحون أهدافا لنشاطات جهازها الأمني المعروف باسم الشين بيت بمجرد صدور أول بيان سيحمل توقيع الحركة، فكيف إذا ما تم تشكيل جهاز عسكري وبدأت حماس تمارس عمليات عسكرية ضد قوات الاحتلال من أجل ذلك كله بدأ قادة حماس بابتداع منظومة أمنية وأغلب الظن أنها كانت وليدة تجارب ذاتية وشخصية لقادة وعناصر الإخوان ومع مرور الوقت وتزايد هذه الخبرة وجدنا أن هذه المنظومة الأمنية تتسع شيئا فشيئا إلى أن وصلت إلى درجة أصبح لدى حماس فيها القدرة ليس فقط على مواجهة تحديات المتابعة من قبل جهاز الشين بيت الإسرائيلي بل مهاجمته ومباغتته في عقر داره ضمن ما يسمى بالأمن المضاد ويتحدث كتاب الانتفاضة لا يهود يعاري وزئيف شيف عن المراحل الأمنية الأولى لحماس ذاكرا : ” كان أحد الأهداف الفورية لزعماء حماس هو إطلاع رجالهم على خطورة العمل السري وضرورة الانضباط الشديد والحرص على الأسرار … وفي ضوء النجاح الذي كان يحققه الشاباك في التغلغل في صفوف المنظمات الفلسطينية طلب مساعد و الشيخ ياسين بلورة نظرية خاصة بهم لمنع تجنيد عملاء في أوساط عناصر حركة حماس من أجل ذلك كله فقد بدأ قادة حماس بنشر التوعية الأمنية بين عناصرهم من خلال عدة أساليب كان منها :

1 – توزيع نشرات ومنشورات أمنية حول مفاهيم العمل الأمني ومقوماته وطرق الإسقاط التي تقوم بها المخابرات الإسرائيلية الإسقاط الشباب والشابات في براثن العمالة. 2 – توزيع الكتيبات والدراسات الأمنية التي تشرح بالتفصيل المفاهيم الأمنية وقواعد العمل السري التنظيمي. 3. إقامة جلسات وحلقات أمنية داخل السجون والمعتقلات من أجل التوعية الأمنية، وحيث أن خبرة عناصر حماس الأمنية كانت ضعيفة مقارنة بخبرة عناصر وقادة فصائل منظمة التح فقد استعان عناصر وقادة حماس في السجون مع بداية الانتفاضة الأولى بإخوانهم من فصائل المنظمة في المجال الأمني واستفادوا من أرشيفهم ومن تجربتهم الأمنية. وقد كان من أشهر الكراسات والدراسات الأمنية التي وزعتها الحركة في مجال التوعية الأمنية: فرسان الشهادة صراع الأدمغة، مصائد الشيطان المجاهد في التحقيق والتعذيب). وقد تناول الكاتبان الإسرائيليان زئيف شيف وإيهود يعاري الجانب الأمني الحماس بمزيد من التفصيل: في البداية تبين أن الإيمان الديني العميق يمنح قوة ذاتية ونفسية للإنسان يجعله قادرا على مواجهة المحققين الإسرائيليين، فقد تبين أن أعضاء حركة حماس يصعب كسرهم حتى بعد اعتقالهم، وكثير منهم عرفوا كيف يحافظون على صمت مطبق خلال التحقيق الطويل الذي كان يجريه الإسرائيليون معهم.

ورد في دليل مكتوب ومنشور وزعت منه نسخ كثيرة في شباط 1988 توجيه من قبل زعماء حركة حماس لرجالهم حول كيفية التصرف منذ أول لحظة يستدعى أحدهم المقابلة رجال الشاباك الإسرائيلي … وجاء في هذا الدليل المرشد أن رجل المخابرات الإسرائيلي يريد أولا معرفة نوعية ومستوى شخصية محدثه ومن ثم يجس نبضه، ومن ثم يحاول ربطه به بصفة مخبر، ولكي يضعف الإسرائيليون الشخص المرشح للتجنيد كمخبر يتركونه ينتظر لعدة ساعات قبل مقابلته، حتى أنهم يرسلون إليه أشخاصا ليثيروا الرعب لديه ويخوفونه من التعذيب … وخلال المقابلة نفسها إعتاد الضابط الإسرائيلي أن يصرخ على فترات في وجه المعتقل ويهدده بحرمانه مثلا من التقدم لامتحانات الثانوية العامة، أو يمنعه من السفر إلى الخارج، أو بالمس بمصدر رزق أسرته والهدف من ذلك هو تخويف الشاب المعتقل وتهيئته للاستسلام.

وكعلاج لهذا الأسلوب نصح زعماء حماس رجالهم بأن يتذكروا بأنه لا يجوز أبدا ولا بأي حال من الأحوال أن يسمحوا للخوف بأن يسيطر عليهم، ويجب عليهم أيضا عدم الرد على الأسئلة الأدبية المهذبة والتي تبدوا ساذجة من قبل المحقق لان التفاهم مع المحقق ظاهريا سيؤدي بالتأكيد إلى تكليف الشباب بمهام بسيطة ثم تصبح هذه المهام أخطر وأعقد .. لذلك أورد الدليل خطوطا عامة وواضحة لتصرفات المعتقل أثناء التحقيق على النحو التالي: – إذا التقيت بضابط مخابرات إسرائيلي أجبه بنعم أو لا ولا تتحدث أكثر من ذلك. اظهر أمامه إنسانا صلبا وليس شخصية لينة. – لا تعطه أية معلومة، حتى لو كانت بسيطة جدا ولا تقدم له أية خدمة.

لا تدل في مكتبه بأية بيانات ولا توقع على وثائق. لا توافق على لقاءات أخرى معه، قل له أنا بين يديك الآن، خذ ما تريده کن مصرا على موقفك وليكن ما يكون – لا يجوز لك أن تشرب عنده مشروبا باردا أو ساخنا أو أن تذوق الطعام عنده من المحتمل أن تحتوي هذه المشروبات أو المأكولات على مواد مخدرة أو منومة، أو مادة مثيرة للغريزة الجنسية وهذه المواد قادرة على إضعافك وإفشالك – اجعلهم يشعرون بأنك تكرههم، وأنك لست على استعداد للتعاون معهم لا تخف من التهديد باعتقالك إن الاعتقال أفضل من خم هذا العالم والعالم الآتي أيضا. وقد ورد في منشور آخر أن رجال الشاباك يمكن أن يصوروا فتيات فلسطينيات وهن بالملابس الداخلية فقط أثناء قيامهن بقياس الملابس في المحلات التجارية بدون علمهن، ثم يهددوهن بالفضيحة إذا لم يرضخن للتعاون مع المخابرات. وكذلك نصح المنشور الشباب بأن المخابرات الإسرائيلية تلجأ لاستخدام المخدرات والمشروبات الروحية كوسيلة لإيقاع ضحاياها في الشرك. لذلك يجب على الشباب والفتيات الفلسطينيين التمسك الشديد بأخلاق الإسلام.

مثلت حادثنا خطف الجنديين الإسرائيليين أفي سبورتس وأيلان سعدون خروجا عن المألوف من قبل حماس في علاقتها مع القوات الإسرائيلية، وقد مثلت هاتان الحادثتان تحديا واضحا ليس فقط للجيش الإسرائيلي الذي خطف جندياه، بل أيضا لجهاز الأمن الإسرائيلي الذي عثر على جثة المختطف الأول الرقيب أفي سبورتس الذي اختطفه بتاريخ 17 / 2 / 1989 أعضاء من المجموعة (101) التي شكلت نواة عمل جهاز حماس العسكري الأول الذي عرف باسم المجاهدون الفلسطينيون برئاسة الشيخ صلاح شحادة الذي كان يحمل الرمز ” 101 في الحركة عشر جهاز الأمن الإسرائيلي على جثة الرقيب أفي سبورتس بعد عمليات تمشيط وبحث واسعة النطاق استخدم فيها آلاف الجنود والمتطوعين والكلاب وقصاصي الأثر، أما المختطف الثاني وهو الجندي أيلان سعدون الذي اختطف في الثالث من مايو من نفس العام 1989 فلم يتم العثور على جثته بتاتا، ولم يفك لغز جثة سعدون الذي خرج خاطفوه بعد خطفه إلى ليبيا ومنها إلى السودان، إلا بعد قدوم السلطة الفلسطينية التي استطاعت من خلال مفاوضات ولقاءات مع قادة من حركة حماس استمرت قرابة العامين الاستدلال على مكان جثة الجندي المذكور وتسليم خرائط للإسرائيليين حول مكان الدفن بتاريخ 5/25/ 1996 . جهاز الأمن الإسرائيلي (الشين بيت الذي اعتبر خطف الجنديين ضربة قوية وجهت إليه من قبل حماس بادر على الفور بتوجيه ضربة قوية لقيادة حماس حيث اعتقل الشيخ أحمد ياسين بتاريخ 1989/6/15 وعدداً كبيراً من قادة الحركة بلغوا مائتين وستين عضوا وأثناء التحقيق اعترف الشيخ أحمد ياسين على تأسيسه حركة المقاومة الإسلامية حماس، وتمكن المحققون الإسرائيليون من تفكيك أجهزة الحركة من خلال الاعترافات التي أدلى بها مئات المعتقلين. اعتقد الإسرائيليون أن حماس ستنتهي بعد هذه الضربة القوية التي أطاحت بقادتها ومؤسسيها وكشفت أجهزتها الأمنية والعسكرية والسياسية، إلا أن بيانات حماس وفعالياتها استمرت بعد فترة قصيرة من حملة الاعتقالات التي نفذها جهاز الأمن الإسرائيلي، عندها أدرك الإسرائيليون أن حماس قد خرجت عن إطار السيطرة وهذا يوجب العمل بشكل أوسع من أجل الحد من نشاطاتها وفعالياتها، خاصة ما يتعلق بالعمل العسكري الذي كان يمثل الهاجس الأكبر للأمن الإسرائيلي. حماس التي تلقت ضربة قاسمة استعادت وعيها بسرعة واستطاع من تبقى من قادة ومسؤولين خارج المعتقلات بمساعدة ودعم من مناصري الحركة في الخارج بناء الهيكل التنظيمي بشكل سريع والاستمرار في فعاليات الحركة المعتادة، وكان واضحا أن هذه الضرية ستزيد حماس قوة أكبر لانها ستأخذ العبر منها وستستفيد مما حدث في تطوير أدائها وفعلها الانتفاضي في مواجهة الاحتلال.

الإسرائيليون الذين شعروا بأن حماس استعادت تنظيمها وقوتها مرة أخرى وجهوا ضرية ثانية لحماس مع أواخر عام 1990 وبداية 1991 حيث اعتقلت سلطات الاحتلال ما يقارب ألف وسبعمائة عضو من نشطاء حماس في الضفة الغربية وغزة. حماس التي كانت قد استفادت من تجربتها الأولى في تقوية أواصر تنظيمها والإعداد لأي طارئ قد تمثله الاعتقالات الإسرائيلية سواء العشوائية أو المنظمة كان واضحا أنها مستعدة لتلقي مثل هذه الضربة، حيث تبين أن فعاليات حماس قد استمرت بقوة بعد هذه الضربة. كانت المعركة الأمنية على أوجها بين حماس وجهاز الأمن الإسرائيلي، فمسؤولو جهاز الأمن الإسرائيلي سعوا بكافة الطرق إلى تتبع نشاطات حماس وقادتها ومسؤوليها وفعالياتها من أجل توجيه ضربات موجعة لقادة حماس كلما توفرت الإمكانيات لذلك، وقد استخدم الإسرائيليون في ذلك العملاء الذين باعوا ضمائرهم للشيطان الإسرائيلي وقاموا بالإبلاغ عن نشطاء الانتفاضة الفلسطينية من كافة الفصائل ومن ضمتها حماس. أما قادة حماس على الطرف الآخر فقد تعلموا من أخطائهم واستفادوا من تجاربهم وكان أداؤهم الأمني يزداد تحسنا يوما بعد يوم وكانت التحقيقات التي تتم مع العملاء الذين يتم كشفهم من قبل القوى الفلسطينية والمعلومات التي أدلى بها هؤلاء العملاء لمحققيهم من حماس وغيرها من القوى الفاعلة في الانتفاضة تزيد من معرفة العدو وطرق إسقاطه، والجوانب التي يرغب بمعرفتها عن نشطاء الانتفاضة وتنظيماتها وبالتالي فقد شكلت دروسا أمنية استفادت منها حماس وجعلتها تتخذ كافة الاحتياطات اللازمة لسد هذه الثغرات الأمنية التي كانت تجدها، مما أهلها للمحافظة على هيكلية التنظيم وبنائه إذا ما تعرض لضريات إسرائيلية، وقد استخدمت حماس في ذلك أسلوبا قياديا كان متبعا لدى الفصائل الفلسطينية الفاعلة في الانتفاضة الا وهو قيادات الظل أو البدائل الذين كانوا ينشطون فور حدوث أي طارئ لبدائلهم.

حماس التي أصبحت قوة أمنية لا يستهين بها الإسرائيليون أقدمت على تحدي جهاز الأمن الإسرائيلي مرة أخرى من خلال خطف جندي إسرائيلي في الثالث عشر من ديسمبر عام 1992 بهدف مقايضته بالشيخ أحمد ياسين، وقد أعطى الخاطفون للإسرائيليين مهلة 24 ساعة من أجل إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين وإلا فان الجندي المختطف نسيم طوليدانو سيقتل، لم ترضع إسرائيل المطلب حماس لذلك فقد قتل الجندي الإسرائيلي. رابين الذي اعتبر حادثة خطف الجندي وقتله خطيرة بكل المقاييس وهي تحد ليس فقط لجهاز الأمن الإسرائيلي أو للجيش، بل هي تحد مباشر للقيادة السياسية في إسرائيل التي أصرت على أنها لن ترضع المطالب حماس ولن توافق على ابتزازها أمنيا وسياسيا – رابين رئيس وزراء إسرائيل في ذلك الوقت اجتمع مع قيادات الدولة الأمنية والسياسية واتخذ قراره الهام بإبعاد كافة قادة ومسؤولي حماس إلى جنوب لبنان. جلب هذا القرار كما ثبت فيما بعد فشلا ذريعا للسياسة والأمن الإسرائيليين فإسرائيل التي أصدرت قرارها بإبعاد قادة حماس لمدة عامين معتقدة أنهم سيتبخرون في الشتات بين الدول العربية، وافقت على تقليص مدة الإبعاد فيما بعد إلى سنة واحدة وعودة المبعدين على دفعتين أما جهاز الأمن الإسرائيلي الذي أيقن أن كافة الضربات التي وجهها لحماس من خلال حملات الاعتقال التي طالت عدداً كبيراً جدا من عناصر وقيادات الحركة منذ انطلاقتها وحتى هذا الوقت لم تفلح بالقضاء عليها، اعتقد بأن إبعاد قياديي حماس سوف يفتت الحركة ويقضي عليها، وقد ثبت فيما بعد أن التوقعات الأمنية الإسرائيلية كانت خاطئة، وأن الإبعاد كانت له نتائج إيجابية عديدة لحماس كما سنذكر لاحقا في باب الإبعاد . لم تكتف حماس خلال مقارعتها جهاز الأمن الإسرائيلي بموقف الدفاع الأمني بل تعدته في أحيان كثيرة لتباغت جهاز الأمن الإسرائيلي بضربات موجعة، كان من هذه الضربات ما نشر تحت عنوان (أسماء وعناوين وأرقام هواتف قادة الجيش الإسرائيلي) في كتيب لدى حركة حماس وقد ورد فيه ذكرت مصادر صحفية إسرائيلية أن عائلة إسرائيلية من نتيبوت بعثت برسالة إلى أوساط أمنية بخصوص أحد أفراد العائلة وهو ضابط برتبة رائد يقدم للمحاكمة اليوم بتهمة التنكيل بمواطنين عرب وبتصرفات لا تتوافق مع رتبته … وورد في الرسالة بأنه عثر في إحدى عمليات الاقتحام التي قامت بها وحدة عسكرية إسرائيلية خاصة قبل عامين لاحد المساكن السرية لأعضاء حماس في حي القصبة في مدينة نابلس على كتيب يتضمن أسماء وعناوين وأرقام هواتف جميع قادة الجيش الإسرائيلي من رتبة رائد وحتى عميد خدموا في مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة … هذا وأدى الكشف عن الكتيب والتفاصيل الكاملة بما في ذلك التفاصيل الشخصية التي يعتبر بعضها سريا عن ضباط الجيش إلى ذهول أوساط في المخابرات الإسرائيلية الشاباك) والجيش .

وقد استطاعت حماس من خلال عمليات التفجير الاستشهادية داخل إسرائيل أن تحرز انتصارا على جهاز المخابرات الإسرائيلية حيث أن نجاح هذه العمليات لم تقتصر نتائجه على تكبيد العدو خسائر مادية ومعنوية فقط بل كان يعتبر أيضا انتصارا أمنيا خاصة عندما كانت هذه العمليات تنطلق من قطاع غزة ، ومن يعرف مداخل إسرائيل المطلة على قطاع غزة ويعرف أن قطاع غزة أشبه بسجن من الناحية الجغرافية، فالبحر يحده من جهة الغرب، أما الجهة الجنوبية فتشترك حدوده مع الحدود المصرية، أما من ناحية الشرق فخط الهدنة ذو الأسلاك الشائكة والمنطقة المعزولة والمكشوفة والتي يتواجد على طرفها الآخر دوريات إسرائيلية راجلة وثابتة وأبراج مراقبة على مدار الساعة، أما جهة الشمال فهي المعبر الوحيد لقطاع غزة على إسرائيل وهي عبارة عن منطقة حدودية مكشوفة تحدها الأسلاك الشائكة والمستوطنات والمواقع الأمنية باستثناء منطقة معبر بيت حانون (معبر ایرز) التي بها المعبر الحدودي الذي يفرض فيه الإسرائيليون إجراءات أمنية معقدة لا تسمح بإدخال ذرة رمل دون معرفة الإسرائيليين . من يعرف كل هذه الحقائق يدرك أن مجرد تسلل مواطن فلسطيني أعزل إلى إسرائيل يعتبر نصرا أمنيا على أجهزة الأمن الإسرائيلي فكيف إذا ما كان هذا المتسلل يحمل متفجرات يصل بها إلى العمق الإسرائيلي في تل أبيب أو نتانيا أو حيفا أو ….. الخ ثم يقوم بتنفيذ عملية في حافلة أو سوق أو مستوطنة … إنها بلا شك انتصارات أمنية للمنفذين ومن خلفهم وإخفاقات أمنية لأجهزة الأمن الإسرائيلي. كما استطاعت حماس أن توجه ضربة موجعة لجهاز الأمن الإسرائيلي في عملية اعتبرت من أخطر حالات الاختراق لجهاز الشين بيت وذلك حين قام المجاهد ماهر أبو سرور بإبلاغ جهاز حماس الأمني بأن أحد الضباط الإسرائيليين قام بتجنيده للعمل ضد حماس.

واستطاعت حماس أن تستدرج الضابط الإسرائيلي في الفخ الذي نصب له، حيث أعطيت التعليمات لأبو سرور بمقابلة الضابط الإسرائيلي في المكان المعتاد والزمان المحدد، ومن ثم قتل الضابط الإسرائيلي أثناء اللقاء، وبالفعل استطاع أبو سرور أن يقتل ضابط الأمن الإسرائيلي (حاييم نحماني) بتاريخ 1993/1/3، كما استطاع أبو سرور أخذ سلاح الضابط وأوراقه.