
يحيى السنوار سياسيٌ وقائدٌ فلسطينيٌ، له تاريخٌ ممتدٌ مع شهر أكتوبر بدأ بمولده في التاسع والعشرين منه عام 1962 م، بمخيَّم خان يونس، لأسرة ترجع أصولها إلى مدينة المجدل – عسقلان، وظلَّ يتنقل بين مدارس خان يونس حتى أنهى المرحلة الثانوية، والتحق بالجامعة الإسلامية في غزة لدراسة اللغة العربيَّة، حيث نقطة الانطلاق لرحلته السياسيَّة الزاخرة.
بواكير النشاط السياسي
ملأت الظروف القاسية التي خيَّمت على بلاده ونشأ فيها صغيرًا – نفسَه بالسخط المتأجج على الاحتلال، والترقُّب الدائم للثأر الموعود؛ إذ فاضت أحاديثه بذكر “النكبة” وما خلَّفته من معاناة ممتدَّة، أراد أن يضع حدًا لها من خلال إحداث تغيير في موازين القوى. بدأ أثناء دراسته الجامعية نشاطه الطلابي والتنظيمي تحت لواء “الكتلة الإسلامية”، فكان أمين اللجنة الفنية في مجلس الطلاب، فأمين اللجنة الرياضية، فنائب الرئيس، حتى أصبح رئيسًا للمجلس. استقرَّ في نفسه أنَّ إخضاع الاحتلال يلزمه القضاء على جميع أدواته، ومن أخطرها العملاء والجواسيس، فأسَّس مع عدد من كوادر المقاومة عام 1985 م جهاز “مجد” الأمني، الذي شرع في تتبع عدد من العملاء الذين عملوا لصالح العدو، حتى وصل إلى اقتفاء آثار ضباط المخابرات وأجهزة الأمن الصهيونية.
الاعتقال
جرى اعتقاله لأول مرة عام 1982 م لمدة ٤ أشهر، وفي العام التالي اعتقل مجددًا ٨ أشهر على خلفية اتهامه بإنشاء جهاز الأمن الخاص بحركة حماس المسمَّى “مجد”. أسهم في إشعال الانتفاضة الأولى عام 1987 م، فاعتقل مجددًا وصدرت في حقه ٤ أحكام بالسجن المؤبَّد، قضى منها ٢٣ سنة في السجون “الإسرائيلية”، استثمرها في تعلم العبريَّة ومتابعة المجتمع الإسرائيلي والإعلام العبري، كما تعمَّق في دراسة السياسة الإسرائيلية، وألف وترجم عددًا من الكتب في المجالات السياسيَّة والأمنيَّة، أبرزها رواية “الشوك والقرنفل”. حرص السنوار خلال سنوات سجنه على التحدث مع الإسرائيليين، وتعلم ثقافتهم، الأمر الذي انعكس إدراكه لطبيعة هذا المجتمع، وأسلوب تعامله معه، بالإضافة إلى تدريسه النحو والصرف لرفاقه من الأسرى. ومن داخل محبسه أيضًا، قاد السنوار عددًا من الإضرابات والمفاوضات بصفته قائدًا للهيئة القيادية العليا لأسرى حماس في السجون، كما قاد مفاوضات بين الاحتلال وقيادات حماس في الخارج، وكانت كلمته مسموعة مُذ كان معتقلًا. أفرج عنه في إطار صفقة “وفاء الأحرار” التي تم إعلانها في “أكتوبر” عام 2011 م مع أكثر من ألف أسير فلسطيني مقابل إطلاق سراح الأسير الإسرائيلي “جلعاد شاليط”، فيما يعدُّه اليوم كثير من السياسيين في الكيان المحتل “الخطيئة الكبرى” للدولة العبرية!
ذروة العمل السياسي
بمجرَّد تحرره من الأسر، عاد السنوار إلى دوره القياديّ في حركة حماس، وعمل على تعزيز حضوره داخل صفوفها، فجرى انتخابه في 2012 م لعضوية المكتب السياسي، وتولى مهمة التنسيق بين الجناحين السياسي والعسكري بصفته ممثل الكتائب في المكتب السياسي، وظل منحنى النشاط السياسي له متصاعدًا حتى انتُخب عام 2017 م رئيسًا لحماس في غزة، وأعيد انتخابه في 2021 م. لماذا السنوار هو المطلوب الأول لإسرائيل؟ يعتقد الكيان الصهيوني أن السنوار هو الذي خطط لهجوم “طوفان الأقصى”، وحدَّد ساعة الصفر، بصفته الشخصية السياسية والعسكرية الأولى في غزة، والأكثر قوة في الشرق الأوسط، فالتخلص منه يعجل بانهيار حماس عسكريًا، ويضع حدًا للحرب القائمة. يتجلى الخوف الصهيوني في وصفهم إياه بـ “الأشد خطرًا في تاريخ إسرائيل الجديدة، والأقوى في كل الإقليم”، ويجمل إسحاق هرتسوغ رئيس الاحتلال نظرتهم إلى الدور الذي يقوم به السنوار والخطر الذي يمثله وجوده عليهم بقوله: “كل شيء يبدأ وينتهي مع يحيى السنوار”. محاولة اغتياله في عام 2021 م أصابت منزله في خان يونس غارة جوية إسرائيلية غرضها القضاء على السنوار، إلا أنه ظهر في الأسبوع التالي قرابة ٤ مرات، وقال في أحد المؤتمرات على الهواء أنه سيعود إلى بيته سيرًا على الأقدام، وتحدى وزير دفاع الاحتلال علانية لاغتياله، ثم تجول في شوارع غزة والتقطت الجماهيرُ الصورَ معه، الأمر الذي دفع أحد كبار المحللين الإسرائيليين المقربين من مراكز صنع القرار إلى التعليق بقوله: “أي عار هذا الذي تعيشه إسرائيل!”
لماذا السنوار هو المطلوب الأول لإسرائيل؟
يعتقد الكيان الصهيوني أن السنوار هو الذي خطط لهجوم “طوفان الأقصى”، وحدَّد ساعة الصفر، بصفته الشخصية السياسية والعسكرية الأولى في غزة، والأكثر قوة في الشرق الأوسط، فالتخلص منه يعجل بانهيار حماس عسكريًا، ويضع حدًا للحرب القائمة. يتجلى الخوف الصهيوني في وصفهم إياه بـ “الأشد خطرًا في تاريخ إسرائيل الجديدة، والأقوى في كل الإقليم”، ويجمل إسحاق هرتسوغ رئيس الاحتلال نظرتهم إلى الدور الذي يقوم به السنوار والخطر الذي يمثله وجوده عليهم بقوله: “كل شيء يبدأ وينتهي مع يحيى السنوار”.
محاولة اغتياله
في عام 2021 م أصابت منزله في خان يونس غارة جوية إسرائيلية غرضها القضاء على السنوار، إلا أنه ظهر في الأسبوع التالي قرابة ٤ مرات، وقال في أحد المؤتمرات على الهواء أنه سيعود إلى بيته سيرًا على الأقدام، وتحدى وزير دفاع الاحتلال علانية لاغتياله، ثم تجول في شوارع غزة والتقطت الجماهيرُ الصورَ معه، الأمر الذي دفع أحد كبار المحللين الإسرائيليين المقربين من مراكز صنع القرار إلى التعليق بقوله: “أي عار هذا الذي تعيشه إسرائيل!”
ملامح شخصيته
للسنوار شخصية حذرة، قليل الكلام، لا يظهر في العلن إلا نادرًا، ذو مهارات قيادية عالية، تمكننا الشهادات المتوفرة في حقه ممَّن خالطوه من تكوين انطباع عام عن شخصيَّته يمكن تلخيصه في أنَّه “حاد الطباع، وصاحب قرار”. يقول أحد الأسرى الذين عاشوا معه في المعتقل: حينما تلتقي السنوار ترى إنسانًا عاديًا، بسيطًا ومتدينًا، بيد أنه يحمل أيضًا صفات القسوة والحدة في التعامل، رجل متدين لكنه ليس خطيبًا ولا منظِّرًا. ويقول آخر: السنوار من البداية ذهنه وعقليته أمنية، عنده هوس أمني ونظرة أمنية للمحيط، ويعيش هذا الهاجس طوال الوقت، حتى قراءاته عن إسرائيل غالبيتها أمنية وعن تركيبة الجيش والمخابرات؛ لذلك هو لديه هذه الخلفية والقابلية للانخراط مع الجناح العسكري. ويصفه ثالث بأنه لا يقبل المساومة، ولا يرى إمكانية للحلول أو إمكانية للتوصل إلى صيغ واتفاقيات إلا في إطار التكتيك. فيما يؤكد الضابط الذي تولى التحقيق مع السنوار على صلابته النفسية، وقدرته على التحمل بقوله: كان السنوار يتمتع بذكاء حاد، وحنكة استراتيجية، تحمل ضغوط التحقيق، ولم يقدم سوى معلومات محدودة رغم محاولات الاستجواب المكثفة.
تحدي الاحتلال
لا يتوانى السنوار في اقتناص أي فرصة تسمح بتحدِّي الاحتلال والتأكيد على هشاشته، ابتداءً من صموده الشخصيّ في سجونهم طوال أكثر من ٢٠ عامًا، مرورًا برفضه الثابت لتقديم تنازلات كبيرة للاحتلال على حساب الفلسطينينيين في قضايا جوهرية مثل حق العودة، وانتهاءً بالتحدي العلنيّ للقدرة الصهيونية المزعومة، والتأكيد على ضرورة مواصلة الكفاح المسلح إلى أن تتحقق جميع الأهداف الفلسطينية. “مرة أخرى، أريد أن أكون أكثر وضوحًا، نحن عنيدون، وكما جعلنا حياة الإسرائيليين مريرة في فترة مواجهة الاحتلال، فسننغص عليهم حياتهم أيضًا في الحوار حول الهدنة” السنوار من داخل السجن الإسرائيلي.
سياسته في القيادة
لعلَّ أكثر السمات السياسية لصوقًا بالسنوار في العقل الجمعي هي الصرامة؛ حيث إنَّ ما يتمتع به من حزم في اتخاذ القرار أكسبه تأثيرًا قويًا لا سيما في صفوف الشباب. كما تتميَّز قيادته بالشمول والتكامل بين الجانبين العسكري والسياسي، ما يتيح له إدراكًا فريدًا للأوضاع الأمنية والسياسية، يمكنه من صناعة قرار استراتيجي فعال، بالإضافة إلى قدرته على التواصل المباشر مع الناس، ومعرفة تطلعاتهم.
نظراتٌ في خلافة السنوار لهنيَّة
على خلاف المتوقع، انتخبت حماسُ السنوار رئيسًا للمكتب السياسيّ، في إشارة واضحة إلى أن قيادة المقاومة ما زالت تتمتع بالحيوية الكبيرة في غزة، وعلى خلاف ما أراد الاحتلال تحقيقه من اغتيال هنية، أظهرت حماس قدرة تنظيمية وميدانية، وقدرة على التحكم بالمفاصل. يرى محللون سياسيون أن اختيار السنوار دون غيره لرئاسة حماس له دلالات مقصودة، أبرزها قوة الرد على العدوان بما هو معلوم عن القائد الجديد من استبسال في المقاومة المسلحة، واستمرار رمزية الطوفان، وإعادة القيادة إلى الميدان، وبيان حجم الخطأ الذي ارتكبه الاحتلال باغتيال هنية، في رسالة مؤداها أنهم قوَّضوا بأنفسهم كل الفرص الممكنة للتفاوض.
