
هل يبدأ نهار جديد في غزة، أم هو ليل قاتم مسحوب منذ ليلة الثامن من أكتوبر، يكمل تفاصيل دنوه من الخلود؟ نشعر أنه يقاتلنا ليبقى مستمرًا، نجاتنا تعني زواله، وزواله يعني نهايته. لا ندري، هي معضلة فلسفية شاقة على التحليل، إلا أن التقصي يقول إن شموس أيام عدة أشرقت في صفيح الجحيم وغابت، وأن الأيام في تداول مستمر.
صباحًا بعد ليلة قصف مجنون معجون بالدموية، زهق عددًا اكتفاه من أرواحنا، وحمل آخرين إلى الإصابة، يبدأ النهار، رحلة من البحث المضني عن وجبة اليوم. يختلف الناس في بحثهم؛ هناك من يمشي بين الأسواق يصافح وجوه البسطات، يرى ما تيسر من طعام مشتهى، يحمل خيبته مساء، ويطعم الجوع لأهله، فلا مال يغطي نفقة الشبع. ومنهم من لا يملك رفاهية الهرولة بين البسطات، بل يتحين فرصة مرور تكيات الطعام، يتجمهر مع آخرين لوجبة واحدة تسد رمق صغارهم وتترك كبيرهم على قيد انتظار شبع الصغار.
أما الذين كان لهم حظ الجنة فحملوا وجبة من السوق إلى بيوتهم، مدركين أنها قد تكون الوجبة الأخيرة، فما ابتاعوه اليوم كلفهم ما ينفقونه شهرًا.
آخرون يكفنون جثامين الليل، ينقذون حريق العتمة، ويرتبون الركام في حصص متتالية لتصبح المدينة فارغة لنصب خيام جديدة، أو بعض الفرش حول أعمدة خشبية أو بلاستيكية. لا ساتر ولا ستار، هي محاولة بائسة بإيهام النفس أن بعض خصوصية حجبتهم عن الطريق والمارة، وخبأت بؤس يومهم عن بؤس جارهم، وتتشارك غزة كلها في بؤس جلنا نخشى أن نظهره لبعضنا البعض.
يراود كل هذه الأوقات قصف جوي، أو مدفعيات، وربما خارطة إخلاء جديدة، وهرولة الناس من جحيم لآخر، ويصبح السؤال الأكثر تعجيزًا في مفهوم البشر: “وين بدنا نروح؟”
حين كانت غزة هاربة من حلم مجنون، سقطت في كابوس المنفى أبدًا؛ منفى من البشرية والإنسان، منفى من الحضارة، منفى من الحياة، ويصير الموت نصيبًا محققًا تختلف هيئته، ويختلف دوره ومبتغاه فينا؛ فإما يحصدنا طيران مسعور، أو رصاصة طائشة وجندي، أو جوع يفتك بمن لا يحالفهم حظ الانتقال من سراديب الجوع إلى حافة الجوع.
هناك رحلة أخرى من الشقاء، رحلة الحطابة، فغزة التي سويت بالأرض منذ عامين لا يتدفق إليها وقود، تشعل النار لتطهو الحصى في قدر الماء توهم صغارها بطعام مؤجل، يكلفها كذلك أن تمنح من قوت يومها حطبًا تشعله ليمنحها صبرًا للغد. والذين وجدوا في أقدارهم غير الحصى، كطعام يطهونه — معكرونة، عدس، معلبات — فقد فازوا لأن رحلة الشقاء قد فرزتهم للغد، ولا موعد لهم مع موقف باص الجوع هذه الليلة.
تغيب شمس أشرقت، يكون بين شروق وغروب مئات من الشهداء وضعفهم من الجرحى، وآلاف من النازحين يهيمون على وجوههم في الطرقات المهدومة يبحثون عن ساتر وهمي يمنحهم أمانًا زائفًا، ويخيل إليهم به أنهم لم يخسروا آدميتهم بالنوم في الطرقات.
يلف غزة الظلام، تلبس غزة فجيعة الرعب في الليل، يبدأ مسلسل حصار المآوي المتراشقة في خطط إخلاء أعلنها الجيش للتو مناطق عسكرية حمراء، فتكون شهية الموت والفجيعة قد استحسنت مذاق ليلتها. تنادي غزة الصباح ظنًا أن في الصبح انعتاقًا ونجاة، ولا صبح قد مر عليها منذ الثامن من أكتوبر، فالشمس تكذب في شروقها وهي تخبر العالم بسيولة الزمان، لكنها تحبس غزة خارجه، وتخدعه بالغروب لأنها تحجب غزة عن العالم، فتصيح غلة الجحيم كبيرة متخمة بالشبع.
لا يبدأ نهار في غزة، ولا أيام تتوالى إلا بما يرضي الذين يعدون الموت أرقامًا، ويحسبون للجحيم عمرًا، ولا ليل في غزة يقضي على هذا الجحيم فيبتلعه مع الغروب أو يزهقه بالشروق. نراها غزة ونحن في فجوة زمان عالقة ومحشورة في حنجرة عالم كره الحضارة وأراد أن يختبر زمانًا مستمرًا أطلق عليه الإبادة.
بجانب الطريق، على أسفلت رملي، صنعوه الناس بحجارة الركام، جلس ينادي: “الـ 3 باكيتات بشيقل”. ساعة كاملة لم يجب أحد نداء صوته المستغيث، في كل نداء يتحول الصوت من البيع إلى البكاء.
ماذا يفعل الشيقل في هذه الإبادة، إن أقل وجبة لفرد واحد تحتاج إلى مئة شيقل، مئة صوت يجد فيها استجابة، وإلى الآن لا أحد يجيب.
يبدو في عمر الثانية عشرة، مثله الآن على مقاعد الدراسة، يقلب دفاتره وكتبه، يستعد لمراجعات نهاية العام الدراسي، يعيشون عبء الحفظ والمراجعة، لكنهم خرجوا من عبء الطفولة إلى عبء الكهولة، صار العبء كيف يصير معيلًا! فإسرائيل قتلت الآباء وشوهت دورهم، أسقطت من النسيج المجتمعي الأب ووظيفته، وألقتها على الناجي الوحيد، الذي لا يكون في غالب الأمر ناجيًا، وليس وحيدًا، سرعان ما تختفي الكاميرات يجد الناجي فردًا أو اثنين مصابين يحتاجون إعالة قد أسقطهم الإعلام من تعداد المأساة.
اقتربت منه، همست له: منذ متى وأنت هنا؟ طالعني وبصوت حاد أجاب: “الثلاثة بشيقل”! فهمت المقصد، أخرجت له خمسة شواقل وقلت: أجبني؟ سأشتري منك الوقت! قال: شو يعني؟ قلت: أسألك وإن أردت تجيب وأعطيك ثمن الجواب!
ظن أنني أتحايل عليه، قلت له افتح يدك: خمس شواقل مقابل كل سؤال، وافق على الفور. قلت: أجب الأول، منذ متى وأنت هنا؟
قال: منذ مئتي يوم.
قلت: هل تعدهم؟ قال: لا أغادر، أنام هنا، وأشار لسجادة صلاة تبعد عنه أمتارًا في مقبرة وخيمة.
قلت: أين أهلك؟ ومن يساعدك؟ قال: هذا سؤال أو سؤالين؟ ابتسمت وقلت: ذكي، سؤالين، أجب!
قال: أمي على كرسي متحرك في الخيمة ومعها أختي، أصرف عليهما. ثم أردف بسرعة بديهة: 10 شواقل.
ابتسمت له: هل كنت مجتهدًا في دراستك؟
قال كأنه انفجر ولم يهتم بعدد الأسئلة: لا، لا أحب المدرسة، لكني كنت أحب الجامع، لكنني مستعد للعودة إلى المدرسة وأقدم اختبارًا كل يوم وأرسب يوميًا ويعاقبني أبي بدلًا من “الـ 3 بشيقل”.
منحته 20 شيقل، كل ما كان معي، وانصرفت لمشوار الجحيم في سوق نشتهي فيه أكثر مما نشتري.
أثناء عودتي خالية، استوقفني مشهده باكيًا بنحيب نفض قلبي نفضًا، اقتربت منه وقلت: ما بك؟
هل سرق منك الـ 20 شيقل؟
صرخ بوجهي وركل رجليه إلى الأمام: “هي الـ 20 شيقل شو بدها تجيب لي؟ راحت عليا التكية، وانتِ بتسألي شو بدي أطعمي أمي وأختي اليوم؟”
قلت له: بتصف طابور تكية كمان! قال بحرقة تعتلي وجهه وغضب ينفثه من صدره:
“أصحو صباحًا من هنا، أذهب هناك” وأشار لمكان الخيمة، “أشد الخيمة وأرتبها، أحمل ثلاث جالونات من الماء أجرهم وأملأهم من آخر الشارع”، وأشار إلى مكان في ظني لم يكن آخر الشارع، إنه يبعد كيلومترين سيرًا. ثم تركته يكمل:
“أعود لبسطتي هنا، أنادي الـ 3 بشيقل، مرات الله بيرزق، مرات الله ما بيقدر، بعد ساعتين بتيحي التكية”، أشار إلى نهاية الشارع مرة أخرى، “أصف طابورًا لإطعامهم، وطابور ثالث بجالون المي الحلوة”.
حين تكلم شعرت أنه خفف عن نفسه قليلًا، قلت له: “تعال معي”.
قال: “إلى أين؟”
أجبته: “نجيب أنا وانت إشي ناكله”.
مشى معي حافيًا، فهمت أنه بلا حذاء.
اعتصرني ألم، كيف أساعده؟ سأطعمه وجبتي لهذا اليوم، وكيف أشتري له حذاء؟
ضممت قلبي وقلت: ليأكل اليوم، وغدًا أعود له بحذاء.
اشتريت له كيلو من البندورة وآخر من الخيار، قفز في الهواء يترنح يمينًا وشمالًا، فارًا مني قبل أن يستيقظ من الحلم ولا يجد بين يديه شيئًا.
رهنت ساعتي للبائع وتعاهدت معه أن أعود في الغد بثمن بهجة الصبي.
