لماذا يعذِّب الإنسانُ الإنسانَ: من صيدنايا إلى جلبوع

1. تجلِّي السلطةِ فوق جبلِ الجسدِ المُعذَّب..
- عندما استقرَّ غبارُ دمشقَ إثر دخول قواتِ هيئة تحرير الشام، تهافتت الأيادي والقلوبُ إلى مراكزِ الانتهاكِ المُسمَّاة زورًا بالسجونِ لتنقذ أرواحًا طال أمدُ عذابِها لسنينَ بل وعقودٍ، وتهدّم سدُّ الخوفِ، لتنهمر على إثرِ انهدامِه الشهاداتُ المختلطةُ بالدموعِ والغضبِ والرغبةِ في الانتقامِ من وحوشِ التعذيبِ الذين فقدوا روحَهم الإنسانيّة، فنسوا أنفسَهم البشريَّة، ودنَّسوا بالتبعيةِ كلَّ مقدّسٍ، ووطئت أقدامُهُم كلَّ قيمةٍ عرفها الناس.
- تبدأُ رحلةُ التعذيبِ لا بدخولِ المُعتقلِ، بل مبكرًا جدًّا، ومنذ اللحظةِ التي يُعتقَلُ فيها الفردُ المُستهدَف.. فالزياراتُ الليليّةُ في أكثرِ ساعاتِ الليلِ سكونًا هي الوقتُ المُفضَّلُ للضبطِ والإحضارِ. تُكسَرُ محتوياتُ شقّةِ الفردِ المُستهدَفِ لا بغرضِ التفتيشِ، بل لإرساءِ وجودٍ سلطويٍّ طاغٍ.. إنّها رغبةٌ مُلحّةٌ، لا واعيةٌ ربَّما، في مشابهةِ التجلِّي الإلهيِّ فوق الجبلِ لموسى: “فإنِ استقرّ مكانَهُ فسوفَ تراني“، أو كما يُقال في العهدِ القديمِ في سِفرِ الخروجِ: “لا تقدرُ أن ترى وجهي لأنَّ الإنسانَ لا يراني ويعيش”.
- تُغمَّى الأعينُ، ويبدأُ حفلُ الاستقبالِ منذ اللحظةِ الأولى لحيازةِ جسدِ الفردِ المطلوب.. تتناوب الأذرعُ والأقدامُ في انتهاكِ ستارِ قدسيّةِ الجسدِ مُبكّرًا، مُعلِنةً حيازةً تامّةً وتحكُّمًا كاملاً فيه. الراحةُ هنا تحلُّ محلَّ الشجرةِ المُحرَّمةِ في جنّةِ آدم، بل ربّما أشدُّ حُرمةً منها، فلا يقربُها المُعتقَلُ منذ تلكَ اللحظةِ التي يُحازُ فيها جسدُه.
يدخلُ الفردُ المطلوبُ إلى المعتقلِ لتبدأ سُقُفُ الانتهاكِ في الارتفاع، وهنا تأخذ الأمورُ مأخذَ الرمزيةِ الشديدة، وكأنَّ المعذِّبَ قد اطلع على لوحاتِ عصرِ النهضةِ ففهمها وحلل ما فيها من رسائلَ مُرمزةٍ، ثم طفق يُطبِّقُ ما تعلّم على لوحاتِ رسمِه التي صودف أن اتّخذت أشكالَ أجسادٍ بشرية. إنه، أولَ ما يبدأ، يُعريها ليُعلِنَ حَوْسَلَتَها أي: تحويلَها إلى وسيلةٍ، وانصرافَها من كونِها بشرًا إلى كونِها مواضيعَ لفرضِ الهيمنةِ وإعلانِ تجلٍّ للسلطةِ كما أشرنا آنفًا.
هنا تفقدُ اسمَك فتتحولُ من فورِكَ إلى رقمٍ.. والترقيمُ هنا له جانبان: وظيفيٌّ ورمزي.
أمّا الوظيفي، فمعلومٌ من حيث إنه يُسهِّلُ على السجانِ التعاملَ مع أعدادِ المسجونين الكبيرة، خصوصًا في تلك المعتقلاتِ الضخمةِ التي تبتلع داخلَها الآلافَ.
وأمّا الجانبُ الرمزيُّ في عمليةِ الترقيم، فهو إعلانٌ غيرُ منطوقٍ من مسؤولي السجنِ للسجينِ أنه ضئيلٌ ضآلةَ رقمِه الكبيرِ، المُوحي بمرورِ الآلافِ من قبلِه. إنه إعلانُ نجاحِ الإدارةِ في التعاملِ مع آلافِ الأجسادِ، وإخضاعِها، وكسرِها، وفصلِها عن كينوناتِها.
لم تكن تسيطرُ الدولةُ كمفهومٍ غربيٍّ حديثٍ تاريخيًّا على أجسادِ محكوميها بهذا الشكلِ الذي نراه الآن، فتوثيقُ شهادتي الميلادِ والوفاةِ، على سبيلِ المثالِ، كان إعلانًا غيرَ مباشرٍ على امتلاكِ جهازِ الدولة “State Apparatus” سُلطةَ الحياةِ والموتِ للمحكومين. لكن حين نرى حياةَ الأفرادِ الخاضعينَ للاعتقالِ، نجد امتدادًا منطقيًّا لنهمِ الدولةِ في التحكُّمِ والسيطرة، إذا ما أخذنا في الاعتبارِ لا دينيّةَ المبادئِ التي قام عليها مثلُ هذا المفهوم.. إنّها محضُ سيطرةٍ، ومحضُ براغماتيّةٍ، ومحضُ إخضاعٍ لا تتوانى عن الإتيانِ بأبشعِ الأفعالِ في سبيلِ تثبيتِ نفسها.
تتحكمُ السلطةُ القاهرةُ داخلَ تلكَ الجُدرِ الآن في أوقاتِ أكلكَ وشُربِكَ، وماهيّتِهِما، وكيفيّتِهِما، وكيفيّةِ تناولِهِما.. تتحكّمُ أيضًا في أوقاتِ نومِكَ، ومدّتِه، ووَضعيّةِ الجسدِ أثناءَ ممارستِه: أفقيًّا كان أم رأسيًّا أم معلَّقًا غيرَ متّصلٍ بمكانٍ.. تتحكّمُ السلطةُ حتى بدرجةِ حرارةِ جسدِكَ، وانتقالِ الجسدِ بينَ تلكَ الدرجاتِ المختلفة، وكيفيّةِ وسرعةِ ذلكَ الانتقال، وشدّةِ درجاتِ الحرارةِ، إما حرًّا أو زمهريرًا. وكلُّ وضعٍ قد مُورسَ من قبلُ مع الآلافِ حتى أضحت نتائجُه مقاسةً بشكلٍ يجعلُ فَرضَ تلكَ الأوضاعِ والآلامِ، جسديةً كانت أم نفسيةً أم كِلاهما، وسائليًّا ووظيفيًّا.. تمامًا كنماذجِ الخدماتِ الحكوميّةِ الورقية.
2. متخطو عتبة الإنسانية: مرضى نفسيون أم مؤدو وظائف؟
- وحوش، مرضى، غيلان، عديمو الشرف، بلا دينٍ وبلا أدنى قدرٍ من الأخلاق.. لكن لماذا؟ وهل هم كذلك في حياتهم خارجَ جُدُرِ السجون، أم أنّ هناك ما يُصيبهم فيُحيلهم إلى ماكيناتِ تعذيبٍ عاليةِ الكفاءة إذا ما تحدّثنا عنهم بلغةٍ وظيفيّةٍ بحتة؟
- ممّا يُنقَلُ لنا من تقاريرِ الصحفيين الاستقصائيين العديدة عن العاملينَ بهذه السجون، أنهم أناسٌ طبيعيون للغاية خارجَ أُطُرِ “وظيفتهم” كمُعذِّبين: بُسطاء، خيرون، ودودون، يلعبون مع أطفالِهم، ويُغدقون عليهم بالعطف، ويتصدقون على الفقراء. لكنهم، هم أنفسُهم، يتحولون إلى آلاتِ تعذيبٍ داخل السجون، ليس لها أية أهدافٍ عدا إنزالِ الآلامِ الشديدةِ والمَحسوبةِ بالمساجين، بُغيةَ كسرِ الروح، أو كسرِ الجسدِ عند العجزِ عن كسرِ الأولى.
- ما وصل إلينا أيضًا أن ممارسي التعذيبِ كانوا يغضبون بشدة حين يقعُ تحت أيديهم فردٌ ضعيفُ الإرادة.. إنهم يرون فيه فرصةً فائتةً ضائعةً لإثباتِ كفاءةِ أداءِ العمل، وربما الحصولِ على الترقيات التي تُحسن بالضرورةِ أوضاعَهم الماديةَ، للتوسعةِ على ذويهم، وربما إرضاءَ الخالق، إن كانوا ممن يؤمنون به، عن طريقِ إعطاءِ المزيدِ من الصدقاتِ للفقراء، وإدخالِ السرورِ عليهم.. إنّها حياةٌ يتجسّد فيها التنافرُ المعرفيُّ لممارسِ التعذيب، ولا يمكنُ تفسيرُ هذا بأيّ شيءٍ غيرِ بالعيشِ في بوتقاتٍ مختلفةٍ كلَّ الاختلافِ، ومعزولةٍ كليًّا عن بعضِها البعض.. لكن، كيف يمكننا تفسيرُ مثلِ هذه الحياةِ المتناقضة؟
- في محاولةٍ للإجابةِ على هذا السؤال، وبالتوازي مع بدءِ محاكمةِ أدولف أيخمان في عام 1961، قام عالمُ النفسِ “ستانلي ميلجرام” بإجراءِ تجربةٍ في قبوِ جامعةِ “ييل”، حيث يقوم المشاركون بممارسةِ دورِ المُعلّم/المُلقِّن لشخصٍ آخر، لا يعلمُ المشاركون أنّه يؤدّي دورًا تمثيليًّا، وأنّ المشاركَ هو نفسُه موضوعُ التجربة.
- يُخبرُ المشرفُ الفردَ المتطوّع أنّ موضوعَ التجربةِ هو اختبارُ القدرةِ على التذكّرِ مع وجودِ الألم، ثم يُخضِعُ المشرفُ المتطوّعَ القائمَ بدورِ المُعلّم لشحنةٍ كهربائيّةٍ تجريبيّةٍ بسيطةٍ لإعطائه فكرةً مرجعيّةً عن مقدارِ الألمِ حالَ زيادةِ الشحنة، ثم يأمرُهُ أخيرًا بتلقينِ الممثّلِ القائمِ بدورِ المُتعلّم أزواجًا من الكلماتِ، ليختبرهُ بعدَ ذلك في حفظِها، مع التصريحِ له بإخضاعِ المُتعلّم لشحنةٍ كهربائيّةٍ عندَ الخطأِ في التذكّر، مع زيادةِ الشحنةِ بخمسةَ عشرَ فولتًا عند كلّ مرّةٍ يُخطئُ فيها المُتعلّم.
- يُفصَلُ المُتعلّم داخلَ غرفةٍ عن المُعلِّم بحيث يُسمَع صوتُه فحسب، وتبدأ رحلةُ الاختبارِ والألم، التي لا يُدرِك المُعلِّم أنّها ألمٌ ناتجٌ عن شحناتٍ كهربائيةٍ مزيفة، مع أصواتِ صراخٍ مُسجَّلةٍ مسبقًا تتناسبُ مع مقدارِ الشحنةِ الكهربائية.. تستمرُّ التجربةُ إلى أن تصلَ الشحنةُ إلى مقدارِ 450 فولتًا، أو أن يُصرَّ الفردُ المُتطوِّعُ القائمُ بدورِ المُعلِّم على إنهاءِ التجربة، رغم إصرارِ المشرفِ على استكمالِها باستخدامِ عباراتٍ سلطويةٍ إملائيّةٍ متدرجةٍ في الشدة، مثل: “فضلًا، أكمِل”، وصولًا إلى “من الضروريّ للغاية أن تُكمِلَ التجربة” أو “ليس لديكَ اختيارٌ إلّا أن تُكمِلَ التجربة”.
- كانت النتيجةُ مع انتهاءِ التجربةِ مُخيفةً للغاية، حيث أكملَ معظمُ المُتطوّعين التجربةَ رغمَ عدمِ ارتياحِهم، حتّى أنّ بعضَهم قد أصابه الضحكُ العصبيُّ اللاإراديُّ كوسيلةٍ للدفاعِ ضدّ ذلكَ الشعورِ الداخليّ.. قليلونَ هم من أوقفوا التجربةَ للتأكُّدِ من غرضِها ومساءلةِ تقنيّةِ إجرائها، لكنّهم، على الرغمِ من هذا، استكملوا دورَهم عند تأكيدِ مشرفِ التجربةِ أنّ كلَّ شيءٍ على ما يُرام، وأنّه لا يوجدُ ما يدعو للقلقِ على الإطلاق.
- إنّه تأثيرُ السلطةِ إذًا، والشعورُ بخدمةِ هدفٍ أكبرَ يتخطّى الأفرادَ داخلَ التجربة، هو ما مكّنَ المُتطوّعين من تَخطّي حاجزِ الضميرِ الذاتيِّ والبناءِ الأخلاقيِّ الفرديّ.. نُضيفُ أيضًا بُعدًا آخرَ للتجربة، وهو مستوى وعيِ المشاركين، الجامعيّين على الأغلب، الذي، رغمَ إكمالِ معظمِهم للتجربة، مكّنَهم على الأقلِّ من مساءلةِ التجربةِ أثناءَ إجرائها، أو كان سببًا في شعورِهم بعدمِ الارتياح. حينئذٍ نرى أنّ من يُمكنهم إجراءُ تجاربٍ مشابهة، أو -بأرضِ الواقع- وظائفُ مماثلةٌ لطبيعةِ التجربةِ بلا أدنى قلق، هم من يمكنُ أن يكونوا على مستوى تعليميٍّ وثقافيٍّ أقلّ، ما يجعلهم أكثرَ قابليّةً للسيطرةِ، وملءَ فراغِ جهلِهم بعلمٍ وظيفيٍّ يُمكّنُهم من إخضاعِ شتّى أنواعِ التعذيبِ والإهاناتِ على المُعذَّبين، بُغيةَ إعادةِ إنشائِهم مرّةً أخرى على صورةٍ ترغبُ سلطةُ المُعتقلِ في تكوينِها، أو حتّى إفناءِ المُعذَّبين، ربّما لانْتفاءِ الغرضِ من وجودِهم، أو لإرسالِ تهديداتٍ لزملائِهم داخلَ جدرانِ المُنشأةِ المُرعبة.
- هنا نرى تحوُّلَ الشرِّ إلى وظيفةٍ.. محضِ وظيفةٍ تُمارَس وتُتْقَن ويُبدَعُ فيها، ويترقّى ممارسُها بحسبِ قدرتِه على أدائِها وإتقانِها.. إنه شرٌّ لا يُشبه ذلكَ الشرَّ الساذجَ الذي تعوّدنا أن نسمعَ عنه في طفولتِنا.. إنّه شرٌّ غايةٌ في الاعتياديّة.. تافهٌ تمامَ التفاهةِ، كما أسمتْه “هانّا آرِنت” في تأمّلِها في شخصيّةِ “أيخمان” إبّانَ محاكمتِه بالقدس، والتي توصّلت فيه إلى أنّه كان، فحسب، شخصًا يُمارسُ وظيفةً أعطته، فحسب، سُلطةَ إخضاعٍ وسُلطةَ تعريفٍ لفئةٍ من البشر، أو، فلنقُل: إعادةِ تعريفٍ، ليُضحوا أولئك مجرّدَ كُتَلٍ تشغلُ مكانًا يُرادُ إفراغُهُ منهم بأعلى كفاءةٍ وأقل تكلفة.
- تُصبحُ حينئذٍ معادلةُ تصنيعِ ممارسِ التعذيبِ ببساطةٍ مكوّنةً من ثلاثةِ عناصرَ أساسيّة، وهي:
- تأييدُ سُلطةٍ قاهرةٍ لممارسِ التعذيب، مع إغراءٍ بالمكافآت لضمانِ كسبِ ولائه.
- إقناعُ ممارسي التعذيبِ أنّهم جزءٌ من قضيّةٍ أكبرَ تتخطّى ذواتَهم وذواتِ المعتقلين الضئيلة.
- إعادةُ تعريفِ المعتقلين، وإخراجُهم من مستوى البشرِ إلى ما هو دونَه، حيثُ تُساهمُ عمليّةُ الترقيمِ والتعريةِ ومحوِ الهويّةِ في تحويلِهم إلى أشياء، ما يُمكّنُ ممارسَ التعذيبِ من أداءِ عملِه بكفاءةٍ دونَ أدنى خطرٍ من احتماليّةِ اعتراضِه على ذلك.
إنها عمليةُ تصنيعٍ ذاتُ مراحلَ محدَّدة، تُشبه تمامًا دخولَ البلاستيكِ في صورتِه الخامِ إلى خطِّ الإنتاجِ ليصيرَ بالنهايةِ إلى شيءٍ مُشكَلٍ على صورةٍ تُؤدّي وظيفةً محدَّدةً بمنتهى الكفاءة..
يدخلُ فيها ممارسُ التعذيبِ دونَ إدراكٍ منه، ليُضحي ماكينةً تستخدمُها السلطةُ كليةُ الوجودِ وكليةُ القوةِ، وقتما، وحيثما، وكيفما شاءت، لتتجلى بواسطتِها على أجسادِ محكوميها.
