
“ديناميكية المقاومة في مواجهة آلة تدمير الاحتلال”
لطالما حكمت فكرة السطوة الدينية التي يمتلكها جيش الدفاع الأوساط السياسية والمدنية في صفوف الصهاينة اليهود. يعبر عن هذا ديفيد بن غوريون في كثير من كتاباته وتصريحاته، وجميع الصهاينة الليبراليين الذين وجدوا في إضفاء الطابع الديني على الركن الهجومي – الدفاعي في دولتهم القائمة حديثًا على دماء فلسطينيين ما يزال ذووهم على مقربة منها، في ظل انعدام أي تحديد واضح لحدود الدولة القادمة من عمق التاريخ، التي لم تفقد شرعيتها في حكم الأراضي المقدسة رغم آلاف السنين المحملة بالوجود العربي الإسلامي في بلاد الشام، وتفرق اليهود بين الدول الغربية، بل واندماج العديد منهم في هذه الدول وتحقيقهم المواطنة فيها إلى حد ما.
تأتي قدسية “جيش الدفاع” لإعطاء الساسة الصهيونيين مهربًا لا مثيل له من التزامات دينية مهمة، كانتظار الماشيح للعودة إلى أرض المقدسة، ولذا فقد كان الركن العسكري من جيش الاحتلال نقطة التقاء الصهاينة على اختلاف تياراتهم، فقد حظي بدعم الليبراليين والعلمانيين اليهود ذوي المطامع الصهيونية لتغطية نشاط بسط النفوذ وتعزيز الدور الاستراتيجي في المنطقة، كما أغدق عليه اليمين بركاته بوصفه التحقيق الأمثل لإرادة الرب في سطوع شمس الشعب المختار. كل هذه العوامل وأكثر، ساعدت الجيش الإسرائيلي ليكون مرجعًا انتمائيًّا أكثر من كونه ذراعًا عسكريًّا لهذا التنتظيم البشري المحتل. وبذا، تحققت نبوءات الكثير من الفلاسفة والسياسيين وعلماء الاجتماع المنظرين لقيام دولة اليهود في الشرق، ففي الوقت الذي امتلكت فيه كل شعوب المنطقة جيوشًا، كان جيش الاحتلال يمتلك شعبًا.
بفهم الدور الوجودي الذي يلعبه الجيش في الخريطة الهوياتية لمنظومة الاحتلال، يزول العجب من التدريبات العسكرية التي كان يخضع لها اليهود عند إحضارهم إلى فلسطين قبل إرسالهم إلى مستوطناتهم، إذ ليس الدافع لهذا الخوف الإسرائيلي من حالة ضعفه واغترابه في المنطقة، بقدر ما هو تأكيد على عنصر الانتماء بين الأرض واليهود المستعدين لسكب دمائهم حتى تروى من الظمأ. إنه التلقين الأهم من الحكومة للشعب بأن بقاءهم وحياتهم الكريمة -بعد أن كانوا مضطهدين في أوروبا- مُستمَد من إثبات وجودهم عبر الجاهزية الدائمة لحمل السلاح والموت فوق الأرض التي حُرِموا العيش فيها لآلاف السنين.
بدوره، يستمد النضال وحراك المقاومة في مواجهة الاحتلال قوَّتَه من فهمه لعدوه وإدراكه لمرتكزات وجوده المعنوي، ومنابع الانتماء العقائدي للمقاتلين في صفوفه، وهذا هو ما ميّز المهندس عياش، الذي يمثل نقطة تحول في تاريخ المقاومة، إذ كان مدركًا لحقيقة أنه يواجه إسرائيل الكبرى المتجذرة في عقليات كل المستوطنين، وأن المعركة أكبر من اشتباكات بين مسلحين فلسطينيين -مستندين إلى حاضنة شعبية بائسة- وجنود الاحتلال. فهمُ عيّاش لكون المعركة معركةَ وجودٍ بين أصحاب الأرض وأبناء الرب هو ما جعله يطرح السؤال المهم: كيف للمقاومة الشعبية أن تنجح في تصعيد المعركة إلى المحور الأعلى في بعدها الاستراتيجي وتأثيرها؟ ونجح في الإجابة على هذا السؤال بأن امتلاك السلاح -مهما كان ثقيلًا، وهو خفيف!- لا يكفي لإثبات الوجود الفلسطيني، إذن؛ لا بد من الانتقال من تهريب السلاح وامتلاكه، إلى تصنيعه وتحديثه والقتال به.
ينحدر المهندس يحيى عيَّاش من قرية رافات التابعة لنابلس، من تولد عام 1966، لعائلة ريفية بسيطة، وأبوين متدينين، لم يجل بخاطرهما آنذاك أن هذا الرضيع الذي يحملانه بين أيديهما بوداعة سيشرف على عدة عمليات تُنفَّذ في عمق الأراضي المحتلة، سوف تجعل إحداها “عملية الخضيرات” المستوطنين اليهود يتظاهرون في شوارع فلسطين المحتلة مطالبين باستقالة رئيس وزراء دولة الاحتلال وقتها؛ إسحاق رابين.
لم يمهل القدرُ عيَّاش إلا سنة واحدة من حياته، قبل أن يشهد بعينيه الذاهلتين عما يحدث مآسي نكسة عام 1967، ويبدأ سجلّ طفولته البريئة بسنوات صعبة من القهر والحصار والعذاب، والتغريب، والجوع، والحزن.
كل هذه المآسي في طفولة عياش المبكرة وجهت بوصلة حياته نحو الثابت الحتمي في مصير الفلسطينيين؛ المقاومة. أثبت خلال مراحل دراسته تفوقًا منقطع النظير سيفتح له أبواب كليات الهندسة في جامعات كاليرموك والجامعة الأردنية، إلا أنه رفض الدراسة هناك منضمًّا إلى جامعة بيريزت، للبقاء قريبًا من أهله وتوفير نفقات الدراسة حتى لا يثقل كاهلهم وهم يعانون من ضيق ذات اليد، يضيف القدر سببًا ثالثًا لدراسته في بيريزت، حتى تتقاطع طرقه والمقاومة، يقول الثأر؛ وليصنع على عيني.
شارك عيَّاش في أعمال المقاومة بعد أن تعرف إلى طلاب الحركة الإسلامية –التي ستكون الجناح الطلابي لحماس بعد تأسيسها بصورة رسمية عام 1987، وكان شاهدًا على انتفاضة الحجارة بكل ما حملت من مأساة الفلسطينيين وعزمهم على استرجاع أراضيهم المحتلة مهما كان الثمن، ليختفي يحيى وقتها منهمكًا في تنفيذ عمليات منفردة ضد جيش الاحتلال، إلى أن استطاع خلال سنوات القليلة أن يتوصل نتيجة دراساته وأبحاثه إلى الطرق الأمثل لتصنيع البارود وتصميم الأسلحة اعتمادًا على الإمكانيات المتواضعة آنذاك، التي تلخصت بذهب زوجته أم البراء، وسيارة صديقه، وغيرها من الإسهامات الفردية.
استطاع العياش حتى لحظة اغتياله تغيير مسار المقاومة، وإخراجها من حالة رد الفعل الشعبي العشوائي المعتمد على الحجار والرصاص، إلى حالة الفعل العسكري والمبادرة به، من خلال المفخخات والمتفجرات التي صممها وركّبها ووقَّع بيمينه المباركة على تنفيذها، والصواريخ التي أكملت المقاومة تطويرها عن دراساته وأبحاثه، والتي تجلت في صاروخ عياش – 250 الذي أطلقته المقاومة في معركة سيف القدس عام 2021، ليقول الفلسطينييون للاحتلال بعد اغتيال عياش بعشرات السنين: ما تزال آلة تدميركم، في مرمى ديناميكية المقاومة، وتحت سطوة يد المهندس القائد يحيى.
