وحدة الظل: الجهاز الذي أرغم أنف الاحتلال وكسر شوكته
- فريق تحرير الروزنامة
- 13 أكتوبر، 2025
- 0 تعليق

تقوم الحروب الطويلة دائمًا على كيانات تعيش في الظل، وتعمل بصمت، وتُسهم في رسم معادلات كبرى تقلب موازين الحرب وتعيد تعريفها. تمدنا التجربة الفلسطينية على مدار حرب طويلة وشاقة ضد الكيان المحتل بأشكال متعددة من العمل المقاوم، ربما يصعب أن تجتمع لدولة كبرى ذات سيادة حقيقية وإمكانات وفيرة: الحرب الميدانية، الإعلام العسكري، الهندسة وصناعة الأسلحة، والتقنيات الحديثة. لكن أحد أكثر هذه الأنماط تفردًا، وأكثرها غموضًا وتأثيرًا، اسمٌ غامض أخذ مكانه في حسابات العدو، وروَّع استخباراته، وأوقع الرعب في قلوب قياداته الواهية: وحدة الظل — الوحدة التي تحرس الأسرى الإسرائيليين في غزة وتتحرك في صمتٍ مطلق، لتصبح أحد أكثر فصول المقاومة تعقيدًا وإثارة للانتباه.
وُلدت فكرة هذه الوحدة في لحظة مفصلية من تاريخ الصراع، حين أدركت المقاومة أن امتلاك الأسير الإسرائيلي لا يقتصر على بعدٍ ميداني، وإنما يفتح بابًا جديدًا في معادلة الردع والتفاوض والسيادة. فبعد أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2006، واجهت المقاومة تحديًا معقدًا: كيف يمكن الاحتفاظ بأسير واحد في منطقة محاصرة، تحت أعين الاستخبارات الإسرائيلية، وبين طائرات الاستطلاع التي لا تغيب عن سماء غزة؟ من هنا بدأ التفكير في تأسيس جهاز متخصص، يعمل في الخفاء، ويتولى مهمة شديدة الحساسية: تأمين الأسرى الإسرائيليين وضمان عدم الوصول إليهم مهما اشتدت المراقبة أو حمي الوطيس.
لم يكن الهدف من إنشاء الوحدة مجرد مهمة أمنية أو احترازية، بل كان جزءًا من تحول نوعي في التفكير المقاوم: الانتقال من رد الفعل إلى الدفاع المسبق المنظم، وإدارة الملفات الاستراتيجية بسلطة تقترب من سلطة الدولة التي تفرض نفسها، وتمتلك أوراق المفاوضات.
ومنذ ذلك الحين، صار اسم “وحدة الظل” في الوعي العسكري للمقاومة عنوانًا لمجال لا يُرى، لكنه حاضر في كل مفصل من مفاصل الصراع، حتى في معقل الاحتلال المأزوم.
النشأة: من فكرة طارئة إلى جهاز منظم
كانت التجربة الأولى عبارة عن مجموعة محدودة من العناصر الموثوقين، اختيروا بعناية من الوحدات القتالية والأمنية، وتلقوا تدريبات خاصة على الحراسة، والحركة السرية، والتخفي. ومع مرور الوقت، تطورت المجموعة إلى وحدة قائمة بذاتها تحمل اسم “وحدة الظل”، تتبع مباشرة لقيادة الأركان في القسام، وتعمل بسرية تامة خارج هيكل الكتائب المعروف.
تولى الإشراف على الوحدة عدد من القادة الميدانيين البارزين، أبرزهم باسم عيسى (أبو عماد)، الذي لعب دورًا أساسيًا في تنظيمها ووضع قواعدها الأمنية. وقد استشهد باسم عيسى في مايو 2021 خلال معركة “سيف القدس”، في واحدة من أبرز الضربات التي استهدفت قيادة القسام العليا. ومع ذلك، استمر عمل الوحدة بالوتيرة نفسها، مما عكس طبيعتها المؤسسية واستقلالها التنظيمي عن الأفراد.
كان الهدف واضحًا منذ البداية: بناء منظومة مغلقة، لا يعرف تفاصيلها إلا قلة محدودة، تتعامل مع الأسرى وفق ضوابط صارمة، وتتحرك داخل شبكة محكمة من الأنفاق والمواقع السرية.
وفي ظل الحرب المتكررة على غزة، تحولت هذه الوحدة الصغيرة إلى مؤسسة أمنية دقيقة، توازي في انضباطها مؤسسات الجيوش النظامية، لكنها تعمل خارج الضوء تمامًا.
ومع اكتمال هيكلها التنظيمي، أصبحت “الظل” مسؤولة عن إدارة ملف الأسرى الإسرائيليين بكل تفاصيله: الإيواء، النقل، الحراسة، والتواصل المحدود مع القيادة. وظلت طوال سنواتٍ بعيدة عن الظهور العلني، إلى أن كُشف عنها لأول مرة عام 2016 في مشاهد بثتها كتائب القسام أظهرت بعضًا من مهماتها المرتبطة بأسر شاليط، لتؤكد رسميًا وجود الوحدة بعد نحو عقدٍ من عملها الصامت. ومنذ ذلك الظهور المحدود، ظلت كل أنشطتها التالية خاضعة لرقابة أمنية عالية من قيادة الأركان، التي تتولى الإشراف المباشر على أعمالها نظرًا لحساسية موقعها وأهميتها في إدارة التوازن مع الاحتلال.
الوظيفة: من الحراسة إلى إدارة ملف الأسرى
مع مرور الوقت، لم تعد وحدة الظل مجرد مجموعة تتولى حماية الأسرى الإسرائيليين، بل تحولت إلى جهاز إداري وأمني شامل، يدير ملف الأسرى بوصفه أحد أعقد الملفات في الصراع مع الاحتلال. تطور هذا الدور تدريجيًا مع تراكم الخبرة واتساع شبكة العمل داخل كتائب القسام، لتصبح الوحدة مسؤولة عن سلسلة كاملة من المهام التي تتجاوز الحراسة المباشرة.
في مراحلها اللاحقة، أُعيد تنظيم “الظل” لتعمل ضمن بنية منسقة تضم فرقًا مختصة بالتأمين، والرعاية، والنقل، والاتصال. أنشأت قيادة القسام حولها حلقة محدودة من المسؤولين لتبادل المعلومات، وأُغلقت جميع التفاصيل أمام بقية المقاتلين. بهذا الشكل، أصبحت الوحدة كيانًا شبه مستقل داخل البنية العسكرية، يعمل بمعايير أمنية مختلفة عن سائر التشكيلات. ولتعزيز هذا الانضباط، فرضت الوحدة تعليمات صارمة حتى على المدنيين داخل القطاع، إذ نُقل عن قيادتها تحذير السكان من نشر أي صور أو معلومات تتعلق بصفقات التبادل أو تحركات الأسرى، لما في ذلك من خطر أمني بالغ.
لم تكن هذه الإجراءات تنظيمية فحسب، بل نتاج تجربة عملية أثبتت أن الاحتفاظ بالأسير أهم من أسره، وأن القيمة السياسية والإنسانية والعسكرية لملف الأسرى تستدعي إدارة متخصصة، لا تتأثر بتبدل ظروف الميدان. لذلك، توسعت مهام الوحدة لتشمل الإعداد لعمليات التبادل، وجمع المعلومات المتعلقة بالأسرى الإسرائيليين المفقودين، ومتابعة آثار أي مواجهة جديدة قد تؤدي إلى أسر جنود آخرين.
كما اكتسبت “الظل” بعدًا استخباراتيًا داخليًا، إذ أصبحت مسؤولة عن تقييم المخاطر المحتملة، واختبار سلامة الإجراءات الأمنية داخل الأنفاق والمواقع. وشمل ذلك متابعة تحركات الاستطلاع الجوي الإسرائيلي، وتطوير أساليب تمويه وتضليل تضرب في عمق الحرب الاستخبارية، إذ تشير مصادر إلى أن الوحدة نفذت أكثر من عملية تضليل ناجحة للاستخبارات الإسرائيلية، ساهمت في إرباك مسارات التقدير وتضخيم أوهامها حول أماكن الاحتجاز. كان هذا العمل الصامت يهدف إلى شيء أكبر من الأمن المباشر: خلق معادلة ردع متواصلة تجعل أي عملية عسكرية إسرائيلية ضد غزة محكومة باعتبارات الأسرى الموجودين لديها.
وبذلك، تحولت الوحدة إلى جزء من هندسة الردع نفسها، لا تعمل في الميدان فحسب، بل تضع حضورها كعامل دائم في حسابات الحرب والتفاوض. ومع أن مهامها تظل محاطة بالسرية، فإن أثرها الواضح هو ما جعلها تُوصف — حتى من قبل أعدائها — بأنها أحد أعمدة القوة الكبرى في المقاومة الفلسطينية.
من شاليط إلى اليوم: محطات في مسارٍ طويل من الخفاء
بدأت قصة “وحدة الظل” فعليًا مع أسر الجندي جلعاد شاليط في 25 يونيو 2006. كان هذا الحدث أول تجربة حقيقية للوحدة الوليدة، واختبارًا قاسيًا لقدرتها على الصمود الأمني والتنظيمي في ظروف معقدة. طوال أكثر من خمس سنوات، ظل شاليط محتجزًا في غزة دون أن تتمكن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من تحديد مكانه، رغم حملات الملاحقة والتجسس والمراقبة الجوية المكثفة.
نجحت الوحدة في الحفاظ على سرية معلوماتها حتى تمت صفقة التبادل في أكتوبر 2011، التي أُفرج بموجبها عن أكثر من ألف أسير فلسطيني مقابل شاليط. كانت تلك الصفقة بمثابة إعلان غير مباشر عن وجود جهازٍ خفي قادر على إدارة ملف بهذا الحجم دون ثغرة واحدة.
بعد الصفقة، واصلت الوحدة عملها في صمت، لكن طبيعة مهامها بدأت تتغير. فقد أدركت القيادة أن تجربة شاليط كشفت عن قيمة استراتيجية جديدة: أن السيطرة على ملف الأسرى تمثل مصدر نفوذ طويل الأمد، ومع العدوانات المتكررة على غزة، خاصة في أعوام 2014 و2021، برز دور الوحدة مجددًا، وإن ظل غير معلن رسميًا.
خلال حرب 2014، التي شهدت معارك عنيفة داخل القطاع، أُعلن عن فقدان عدد من الجنود الإسرائيليين، بينهم الضابط هدار غولدن والجندي شاؤول آرون، ومنذ ذلك الوقت ظل مصيرهما مجهولًا. ورغم محاولات إسرائيل المكثفة للحصول على معلومات دقيقة، وقواها الاستخباراتية التي تتغنى بها، وتقنياتها العظمى التي تنفق عليها مليارات الدولارات، لم تُكشف أي تفاصيل عن ظروف أَسرهما أو مواقع احتجازهما، ما عزز الاعتقاد بأنهما تحت إدارة “وحدة الظل”.
في عام 2016، سمحت كتائب القسام بظهورٍ محدود للوحدة، من خلال فيلم وثائقي مصوَّر بثته قناة الأقصى، تضمن مشاهد من داخل أماكن يُعتقد أنها استخدمت في احتجاز شاليط. كانت تلك المرة الأولى التي يُذكر فيها اسم الوحدة علنًا، بوصفها الجهاز المسؤول عن الأسرى الإسرائيليين.
هذا الظهور لم يكن عرضًا دعائيًا، بل رسالة سياسية وأمنية مزدوجة: أن الوحدة ما زالت تعمل، وأن ملف الأسرى لم يُغلق رغم مرور السنوات.
وفي الأعوام التالية، ومع كل تصعيدٍ جديد في غزة، عاد اسم “الظل” إلى التداول في وسائل الإعلام، بوصفها العامل الغامض في معادلة الحرب. فخلال جولات حرب 2021 و2023، تناقلت الصحف الإسرائيلية تقديرات تشير إلى أن الوحدة طورت بنيتها التنظيمية ووسائل اتصالها، وأنها باتت تمتلك قدرات متقدمة في الإخفاء والمراقبة ونقل الأسرى عبر أنظمة معقدة من الأنفاق.
ورغم ذلك، لم يصدر عن المقاومة ما يؤكد أو ينفي هذه التقارير، مما حافظ على الطابع الأساسي للوحدة: العمل في الخفاء دون اعتراف أو نفي.
الأثر العسكري والسياسي: معادلة الردع والتفاوض
مع تطور تقنيات جنود الأنفاق، صاغت المقاومة معادلة خطيرة بوعيٍ ظاهر خلال هذه الجولات المتتالية من الحرب ضد الكيان: أن القدرة على الاحتفاظ بالأسير، وليس مجرد أسره، هي ما يمنح الطرف الأضعف ميدانيًا قدرة على فرض الشروط.
في هذا الإطار، أصبحت وحدة الظل أداة ردع استراتيجية؛ فوجودها يعني أن أي مواجهة برية أو عملية توغل إسرائيلية داخل غزة قد تُفضي إلى أسر جنود من جيش الاحتلال، وأن مصيرهم بعد ذلك سيبقى مجهولاً تمامًا.
هذا الاحتمال وحده كان كافيًا لتغيير سلوك الجيش الإسرائيلي في ميدان المعركة، إذ بات يولي أهمية مضاعفة لحماية أفراده، ويتجنب الدخول في مواجهات طويلة أو معقدة داخل المناطق السكنية.
بذلك، تحولت الوحدة إلى عامل ضغط نفسي وتكتيكي يعمل في الخلفية، دون أن تطلق رصاصة واحدة.
ومن الجدير بالذكر أن هذه الوحدة نجحت حقًا في أن تبلغ العدو من مَأْمَنه، وأثارت في صفوفه هلعًا أدى بإسرائيل إلى تحول كبير في سلوك الجيش على أولوياته الميدانية واستثماراته العسكرية، فمع تزايد الخوف من تكرار سيناريو الأسر، اتجهت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى تعزيز الحماية الفردية لجنودها، فأنفقت مليارات الدولارات على تطوير المعدات والوسائل التي تقلل احتمالية الوقوع في الأسر أو التعرض للخطر المباشر.
تقدمت مشاريع تسليح مثل دبابة “ميركافا” إلى صدارة الميزانيات كدرعٍ متحرك لحماية جنودها، أضيفت إليها أنظمة إنذار وتحصين وتحصين ذاتي مكلفة، إلى جانب أنظمة اعتراض مثل “تروفي” لحماية الدبابة من الصواريخ المحمولة.
كذلك أُعيد تصميم المركبات المدرعة، وجرى تطوير معدات الاتصال الميداني لتقليل الحاجة إلى التحرك المكشوف أو الانفصال عن القيادة، ومع كل ذلك، ظل الدافع واحدًا: الخوف من تكرار تجربة فقدان الجنود، التي أثبتت أن وقوع أسير واحد بيد المقاومة قد يفرض على إسرائيل أثمانًا سياسية وعسكرية تفوق بكثير تكلفة تجهيز جيشٍ كامل.
وقد خابت جهود الاحتلال رغم كل ذلك؛ لأن فرسان المقاومة استطاعوا عدة مرات بيدٍ واحدة وأسلحة بدائية وعلى بعد أمتار قليلة من هذه المعدات التي تحمل أجهزة إنذار لمدى واسع طويل وحولها، أن يدمروا عددًا ضخمًا من إصدارات الميركافا وغيرها من وسائل الكيان الأمنية، ليظل بلا حيلة أمام إيمان حقيقي.
على الصعيد السياسي، منحت الوحدة المقاومة قدرة تفاوضية حقيقية، فملف الأسرى لم يعد مسألة إنسانية أو تبادلية محدودة، بل ورقة يمكن إدارتها في الوقت المناسب لانتزاع مكاسب سياسية وشروط ميدانية.
وفي كل جولة تصعيد، كانت إسرائيل تجد نفسها مطالبة بالكشف عن مصير جنودها المفقودين، فيما تلتزم حماس الصمت، تاركة الميدان يتحدث عنها.
بهذا الأسلوب، تحولت “الظل” إلى رمز للسيطرة المعنوية في الصراع — سيطرة لا تقوم على التفوق في القتال كأحد أسباب النصر، بل على امتلاك زمام الميدان؛ وتوظيفه جيدًا، والتحرك فيه بأريحية دون أن يشعر جندي إسرائيلي واحد، أو حتى يثار شكه.
من الناحية العسكرية، ساعدت الوحدة في تطوير منظومة الحماية الداخلية داخل كتائب القسام. فالإجراءات الأمنية التي طُبقت في عملها أصبحت نموذجًا يحتذى به في وحدات أخرى، سواء في إدارة المعلومات أو في ضبط الاتصال بين المقاتلين والقيادة.
ومع مرور السنوات، ساهمت هذه المنهجية في رفع كفاءة الجهاز العسكري بأكمله، وأظهرت أن المقاومة لا تتحرك وفق الارتجال أو الحماس اللحظي كما ظن البعض، بل ضمن نظام إداري منضبط قادر على إدارة الوقت وحفظ أوراق التفاوض.
وبينما ظل اسمها محجوبًا، ظل أثرها ظاهرًا في كل مفاوضة، وكل هدنة، وكل حديثٍ عن صفقة قادمة.
فالظل — كما أراد له صانعوه — لا يظهر، لكنه يُحدث أثره الكامل في المشهد.
واليوم، بعد ما يقارب عقدين على تأسيسها، أصبحت “وحدة الظل” جزءًا ثابتًا من البنية العسكرية للمقاومة في غزة، وعنصرًا حاضرًا في كل حديثٍ عن صفقة تبادل محتملة. وظلت على امتداد هذه السنوات تحتفظ بطابعها الأصلي: الهدوء، السرية، والانضباط الصارم، وهو ما جعلها أحد أكثر الأجهزة العسكرية غموضًا في تاريخ الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
البنية الفكرية والتنظيمية
تقوم البنية الفكرية للوحدة على مفهوم العمل المؤسسي، حيث لا يُترك شيء للصدفة أو الاجتهاد الفردي. كل عنصر فيها يعمل ضمن تسلسل دقيق من المهام، وتُدار الأوامر وفق مبدأ “الحد الأدنى من المعرفة”، أي أن كل فرد يعرف فقط ما يلزمه لأداء مهمته. بهذه الطريقة، تضمن القيادة سلامة الهيكل ومنع التسرب المعلوماتي حتى في حالات الطوارئ أو الاستهداف المباشر.
على المستوى التنظيمي، يمكن وصف الوحدة بأنها جهاز أمني داخلي عالي الانضباط، له هيكل هرمي صغير وفعال. لا تظهر رتب أو تسميات واضحة لأفراده، ولا يُعرف عنهم سوى التزامهم الصارم بالكتمان. هذا النمط من الإدارة جعل الوحدة بعيدة عن الانقسامات أو التسريبات، وحافظ على استمراريتها رغم تغير القيادات والظروف.
أما من الناحية الفكرية، فقد نشأت داخل الوحدة ثقافة عمل خاصة، تقوم على أن النجاح لا يُقاس بالظهور أو الإعلان، بل بقدرة المهمة على الاكتمال دون أن تُعرف تفاصيلها. هذا المبدأ تحول مع الوقت إلى جزء من هوية القسام نفسها، حيث صارت السرية والانضباط قيمة تنظيمية مشتركة تتجاوز حدود الوحدة إلى الجهاز العسكري ككل.
ومن هنا، يمكن القول إن “وحدة الظل” لم تكن مجرد جهاز يُنفذ تعليمات عسكرية، بل مدرسة فكرية وتنظيمية تركت أثرها العميق في طريقة تفكير المقاومة وإدارة صراعها مع الاحتلال.
وحدة الظل في طوفان الأقصى
جاءت عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 لتضع هذه الوحدة مجددًا في قلب الحدث. ففي الساعات الأولى للهجوم، أعلنت كتائب القسام أسر عشرات الجنود الإسرائيليين، لتبدأ بعدها واحدة من أعقد مراحل العمل السري في تاريخ المقاومة.
عملت وحدة الظل على نقل الأسرى وتوزيعهم في شبكة أنفاق تحت الأرض تمتد على عشرات الكيلومترات داخل القطاع، بترتيب يضمن عدم إمكانية اكتشاف مواقعهم. ووفق ما أظهرته لاحقًا تقارير ميدانية وشهادات الأسرى المفرج عنهم، فقد أُخفي معظمهم في مواقع تبعد أحيانًا أمتارًا قليلة عن نقاط انتشار الجيش الإسرائيلي نفسه، دون أن يتمكن من تحديد أماكنهم رغم التفوق التكنولوجي والاستخباري.
ولشهورٍ طويلة، فشلت كل عمليات الرصد والمداهمة في الوصول إلى الأسرى، حتى أن الاستخبارات الإسرائيلية اعترفت لاحقًا بأن تقديراتها كانت “خاطئة تمامًا”، وأن بعض المواقع التي احتُجز فيها الأسرى لم تكن في الحسبان أصلًا.
خلال الحرب، حاولت قوات الاحتلال تنفيذ عمليات إنقاذ محدودة، لكن نتائجها جاءت كارثية. ففي ديسمبر 2023، قُتلت ضابطة إسرائيلية أسيرة خلال محاولة فاشلة لتحريرها، كما قُتل ثلاثة أسرى آخرون بنيران الجيش الإسرائيلي نفسه بعدما أخفق الجنود في التعرّف عليهم. وتكررت الحوادث لاحقًا حين قُتل ستة أسرى داخل نفقٍ في أغسطس 2024 أثناء قصف إسرائيلي لموقع قريب، في واقعة أثارت جدلًا واسعًا داخل إسرائيل حول جدوى محاولات الإنقاذ.
هذه الوقائع كشفت عن نجاح المقاومة في تثبيت معادلة الردع الجديدة: أن مصير الجنود الإسرائيليين لم يعد بيد قيادتهم العسكرية، بل في يد من يحتجزهم في قلب غزة.
ومع اقتراب توقف الحرب، دخلت المفاوضات مرحلة أكثر جدية. وخلال صفقات التبادل التي بدأت أواخر 2023 واستمرت حتى 2025، تولت وحدة الظل إدارة عمليات التسليم الميداني للأسرى الإسرائيليين، حيث شوهد عناصرها وهم ينقلون الأسرى إلى نقاط التسليم تحت إشراف الصليب الأحمر، ضمن إجراءات أمنية دقيقة شاركت فيها وحدات حماية خاصة من القسام.
في تلك المشاهد التي بثتها وسائل الإعلام، ظهر عناصر الوحدة بزيهم الموحد، بوجوه مغطاة، يسلمون الأسرى في هدوءٍ، بينما حمل آخرون أسلحةٍ غُنمت خلال المعركة، في صورةٍ جمعت بين الانضباط والمغزى السياسي، وبالطبع، الهزيمة الإسرائيلية المنكرة.
في الصفقة الأولى عام 2025، كشفت كتائب القسام عن فصلٍ جديد من القصة حين أعلنت استعدادها لتسليم جثامين عائلة بيباس وجثمان الأسير عوديد ليفشتس، مؤكدة أنهم كانوا على قيد الحياة قبل أن تُقصف أماكن احتجازهم بشكلٍ متعمد من طائرات الاحتلال.
كان هذا التصريح بمثابة توثيقٍ رسميٍّ لدور الوحدة حتى اللحظات الأخيرة: إدارة ملف الأسرى من لحظة الأسر حتى التسليم، في مواجهة جيشٍ حاول بكل وسائله أن يفرض معادلاته بالقوة، فلم ينجح سوى في تأكيد فاعلية الطرف الآخر.
بعد نحو عقدين من العمل، خرج اسم هذه الوحدة من الغموض الجزئي إلى الوعي العام، لكن من دون أن تفقد طبيعتها الأولى. فما زالت تعمل بالصمت نفسه والانضباط ذاته، رمزًا لفكرة أوسع في القضية الفلسطينية، وهذا الرمز مستمر حتى تلوح بشائر النصر في الأفق، وتؤكد البيانات الصادرة عن كتائب القسام أن مهمة “وحدة الظل” ليست مؤقتة أو مرتبطة بجولات الحرب، بل ممتدة إلى أن يتم تبييض سجون الاحتلال، أي تحرير جميع الأسرى الفلسطينيين.
لقد كشفت تجربة “وحدة الظل” أن ما يحسم الصراعات الطويلة ليس حجم الجيوش ولا القوة العسكرية الكبرى، بل قدرة الإرادة الاستراتيجية على التنظيم وامتلاك أوراق فعالة تقلب موازين الحرب. على امتداد ما يقارب عقدين، ظلت هذه الوحدة تعمل في حضورٍ كبير دون أن تتمكن استخبارات الكيان التي تروج لها الأبواق الإسرائيلية وتمجدها ليل نهار من تصفية أفرادها أو كشف أماكن اختبائها أو التسلل إلى أراضيها، وإن كانت على بعد أمتار محدودة، ليهدر هذا الاستعراض الكبير علنًا، ويفضح جنود الاحتلال المأجورين أمام العالم، في رسالة مفادها أن أهل غزة أدرى بشعابها، وأن الملثم لما قال: “لن تأخذوا أسراكم إلا على طاولة المفاوضات ولو فتشتم كل رمال غزة”، لم يكن قوله حطًّا من قدرة العدو أو إخمادًا لشرارته، بل حقيقة معلنة نراها كل يوم، حتى أرغمت أنوف القيادات الإسرائيلية وكسر جناحيهم، وجلسوا وجهًا لوجه على هذه الطاولة مع قيادات المقاومة، يفاوضون من أجل وقف الحرب، واستلام أسراهم الذين فشلوا في الوصول إليهم.
