وداوني بالتي هي الداء

في سرديات الإنسان، حيث تتشابك خيوطُ الأسطورةِ بخيوطِ التاريخ، تَبرُز الحربُ كلوحةٍ مُعقَّدة، مرسومةٍ بألوانِ الدَّمِ والحديد، تعكس وجوهًا مُتباينةً من التجربةِ البشريَّة. ورغمَ قسوتِها، فإنَّها، في مُفارقةٍ مُقلقة، كثيرًا ما تُرافِق مُنعطفاتِ التقدُّمِ الإنساني. نتخيَّل أنفسَنا، في حضرةِ الحرب، كأنَّنا أمامَ مبنًى أَثَريّ، جدرانُه منقوشةٌ بآثارِ الفُتوحاتِ والانهيارات، وفي كلِّ زاويةٍ وجهٌ بشريٌّ يختزلُ التناقضَ: بين الخوفِ والبأس، وبين الفناءِ والخَلق. لعلَّ هذه هي الحربَ في جوهرِها: رَقصَةٌ أزليَّةٌ يَختبرُ فيها الإنسانُ صراعَهُ مع ذاتِه، بين توْقِه إلى البناءِ وسُقوطِه في هاويةِ الخراب والدمار.

منذ أن سطَّر هوميروس مَلحمة «الإلياذة»، حيث كانت الآلهةُ تتدخَّل في شؤونِ البشرِ بالقدرِ ذاتهِ من اللامبالاةِ التي كانوا يَتقاتلون بها، لم تَعُد الحربُ مجرَّدَ حدثٍ عابر، بل نَصًّا مفتوحًا يُعاد تأويلُه مع كلِّ عصر. رأى توماس هوبز، في تأمُّلاتِه حول الحالةِ الطبيعيَّة، أنَّ الحربَ هي الوضعُ الأصليُّ للإنسان، «حربُ الجميعِ ضدَّ الجميع»؛ فهل كان يُشير بذلك إلى أنَّنا، بطبيعتِنا، محكومون بعُنفٍ أصيل؟ أم أنَّ هيغل، بمنطقِه الديالكتيكي، كان أقربَ إلى لبِّ الحقيقة، إذ رأى في الصِّراع محرِّكًا للتاريخ، تتصادمُ فيه الأفكارُ والشعوبُ لتُنجب من رحمِ الفوضى نظامًا جديدًا؟ لكن، لِنُصغِ أيضًا إلى صوتِ شكسبير في «هنري الخامس»، حين يصفُ الحربَ بأنَّها «كلبُ الحرب» الذي يُطلَق من عِقاله، فيُمزِّق الأجسادَ ويَتركُ خلفه أنينَ الأرواح.

في هذا المقال، لا نسعى إلى تمجيدِ الحرب، ولا إلى شَجبِها بعباراتٍ اختزالية، بل إلى طَرحِ السؤال: أهي، حقًّا، ضرورةٌ لا مفرَّ منها في الحياةِ الإنسانيَّة؟ أهي الثَّمنُ الذي ندفعه لنَحفر أسماءَنا في سجلِّ الحضارة؟ أم أنَّها انحرافٌ طارئ، كما يَحلم دعاةُ السَّلام، يمكن تجاوزه إذا ما ارتقينا إلى إنسانيَّتنا الحقيقيَّة؟ فلنبدأ هذه الرحلة، عبرَ متاهاتِ التاريخِ والفكر، لِنَتبيَّن: أهي الحربُ مرآةٌ تعكس حقيقتَنا؟ أم شبحٌ من صُنع أيدينا؟


الحرب كمحرك للتقدم البشري


في متاهةِ التاريخ، حيث يَنسُج الإنسانُ مصيرَه بخيوطٍ من الطُّموح واليأس، تَظهر الحربُ كبروميثيوسٍ ذي وجهَيْن: سارقِ النار الذي أهدى البشريَّةَ نورَ المعرفة، لكنه سُلسِل إلى صخرِ العذاب بثمنٍ باهِظٍ لا ينقضي. إنَّ الحربَ، في تناقُضِها المُحيِّر، ليست مجرَّدَ مسرحٍ للدمار، بل هي، في لحظاتٍ نادرةٍ ومُقلِقة، مَعمَلٌ للخلقِ الإنساني، تُولدُ فيه من رحمِ الفوضى ابتكاراتٌ تُعيد تشكيلَ مصيرِ الأُمم.

ولم تكن الحضارةُ الإسلاميَّة بِدعًا من هذا المسار؛ فقد أفرزت الحروب والفتوحات، على قسوتِها، منظوماتٍ إداريَّة وثقافيَّة جديدة، وأنتجت احتكاكًا خصبًا بين شعوبٍ ومذاهبَ ولغاتٍ متعدِّدة، انصهرت لاحقًا في مشروعٍ حضاريٍّ متكامل. لقد خرجَت من بين رمادِ المعارك مدارسُ الفقه والطبِّ والفلك، وتشكَّلت نظمُ الحكمِ من رحمِ المغانمِ والصراعات. بل إنَّ الفقهَ السياسيَّ الإسلاميَّ نَشأ في جزءٍ كبيرٍ منه استجابةً لأسئلةِ الشرعيَّةِ والسلطةِ التي طرحتها الحروبُ الداخليَّة منذ الصدرِ الأوَّل.

وهكذا، كما في الغرب، كانت الحربُ في عالمِنا الإسلاميِّ والعربيِّ محفزًا قاسيًا على التكيُّفِ والابتكار، تُزيح القديمَ حينًا، وتُمهِّدُ لبناءٍ جديدٍ أحيانًا، وإنْ بثمنٍ فادح لا يُمحى من ذاكرةِ الأجيال.


تأمَّل أيضًا في تلك اللحظاتِ التي اضطُرَّ فيها الإنسانُ، تحتَ وطأةِ الخوفِ من الفناء، إلى استدعاءِ عبقريتِه الكامنة. خلالَ الحربِ العالميَّة الثانية، لم تكنِ السماءُ مملوءةً بالقنابلِ فحسب، بل كانت أيضًا مسرحًا لولادةِ الرادار، ذلك الجهازُ الذي منحَ البشرَ عيونًا تخترقُ الظلام. ومن رحمِ الحربِ نفسِها، انبثقت الحواسيبُ الأولى، كما لو أنَّ الآلةَ بدأت تُحاكي عقلَ الإنسانِ في محاولتِه لتخطِّي حدودِ الموت. أليس من المُفارقات أن يُستَخدَم العِلمُ، هذا النشيدُ النبيلُ للمعرفة، في صُنعِ أسلحةٍ أكثرَ فتكًا، ثم يُعادُ توجيهُه لاحقًا ليُصبح أداةً للتقدُّم؟ إنَّ هذا التناقضَ، الذي يُذكِّرُنا بماكيافيلي حين يُهمس عن ضرورةِ القسوةِ لأجلِ الاستقرار، هو في صميمِ الحربِ كمحرِّكٍ للابتكار. فهل كانت البشريَّةُ لتُحلِّق في الفضاء، لولا أن أطلقت أوَّلًا صواريخَها في ساحةِ المعركة؟

التغيُّرات الاجتماعيَّة والسياسيَّة

غيرَ أنَّ الحربَ لا تكتفي بإعادةِ تشكيلِ الأدوات، بل تمتدُّ يدُها إلى خرائطِ الأممِ وطبائعِ المجتمعات. ففي القرنِ التاسعِ عشر، حين امتزجت دماءُ الأمريكيِّين في حربٍ أهليَّةٍ مريرة، لم تكنِ النتيجةُ انتصارًا عسكريًّا فحسب، بل نهايةً لنظامِ العبوديَّة، ذاك الجرحِ الغائرِ في ضميرِ الإنسانيَّة. ألم تَكُن الحربُ، في هذا السياق، كالنارِ التي تَحرقُ الغابة لتُتيحَ نموًّا جديدًا؟ وبعدَ الحروبِ العالميَّة، شهدنا إعادةَ تشكُّلِ العالم: حُدودٌ تُرسَم من جديد، وأنظمةٌ تتهاوى، وأخرى تنهضُ على أنقاضِها، كما لو أنَّ التاريخَ لا يمضي إلَّا بعد صدمةٍ تُوقِظُه. لكن، كما تساءل هيغل، هل يعملُ الديالكتيكُ بلا صدام؟ أم أنَّ الإنسانَ، في سعيه للعدالةِ، محكومٌ بالمرورِ عبر بوَّاباتِ العنفِ ليَبلغَ ضفافَ التغيير؟

وإذا انتقلنا إلى ميدانِ الاقتصاد، بدا لنا أنَّ الحربَ تُظهِر وجهًا آخرَ من تناقضاتِها العميقة. فالدمارُ الذي تُخلِّفُه القنابلُ يُتبَع، في كثيرٍ من الأحيان، بحماسةٍ غريبةٍ لإعادةِ البناء. بعد الحربِ العالميَّة الثانية، شهدت أوروبا، تحت مظلَّةِ «خُطَّة مارشال»، نهضةً اقتصاديَّةً ما كانت لتتحقَّق لولا تلك الرغبةُ الجماعيَّةُ في طمسِ آثارِ الفناء. الصناعاتُ تنتعش، والعمالةُ تُستوعَب، والمدنُ تُبعث من رَمادِها. لكن، كما يُذكِّرنا الشاعر أودن في قصائدِه الحزينة، فإنَّ هذا الانتعاشَ لا يأتي مجَّانًا، بل يُبنى على أنقاضِ أرواحٍ لا تُحصى، ودموعٍ لا تُرى. فهل يمكننا، حقًّا، أن نحتفي بالرخاءِ الذي تولِّدُه الحربُ دون أن نُصغي إلى أنينِ ضحاياها؟

ولم يكن التاريخُ الإسلاميُّ غريبًا عن هذا النَّمط؛ ففي أعقابِ حروبِ التمكين الكبرى في صدر الإسلام، كما بعد حروبِ الفتحِ في الشامِ والعراقِ ومصر، لم يكن السَّلاحُ هو الغاية، بل البِناءُ كان هو الوعد. شهدت تلك الحواضرُ ازدهارًا اقتصاديًّا سريعًا؛ فأُنشئت الأسواق، ونُظِّمت الضرائب، وازدهرتِ التجارةُ بين أطرافِ الدولةِ الجديدة. وفي الأندلس، بعد صراعاتِ التأسيس في القرن الأوَّل الهجري، جاءت قرونٌ من النموِّ الاقتصاديّ، حيث ازدهرت الزراعةُ والصناعةُ والتبادلُ التجاريُّ مع أوروبا. لقد كانت الحرب، هناك أيضًا، مدخلًا لإعادةِ تشكيلٍ اقتصاديٍّ شامل، لكنْ بثمنٍ بشريٍّ وسياسيٍّ باهِظ لا يُمحى بسهولة.

إنَّ الحربَ، إذن، أشبهُ ما تكون بالكيمياءِ القديمة: عمليَّةٌ مؤلِمةٌ تُحوِّل الرصاصَ إلى ذهب، لكنَّها تَتركُ خلفَها نفاياتٍ سامَّة. إنَّها تُبرِز قدرةَ الإنسانِ على الإبداعِ تحتَ الضَّغط، لكنها في الوقتِ نفسه تُجبِرنا على التساؤل: هل كان في وُسعِنا بلوغُ هذا “الذهب” دون أن نغمس أيدينا في الدَّم؟

الحربُ كضرورةٍ بيولوجيَّةٍ ونفسيَّة

في أعماقِ النفسِ البشريَّة، حيثُ تتداخلُ الغرائزُ البدائيَّةُ مع أحلامِ السُّمو، تَقبَعُ الحربُ كظلٍّ لا يُفارِقُ صاحِبَه. إنَّها، ربَّما، ليست مجرَّدَ اختيارٍ واعٍ، بل نِداءٌ خفيٌّ يَنبعُ من أعماقِ الكيان، من تلك اللحظةِ الأولى التي شَهدَ فيها الإنسانُ خطرَ الفناءِ وشهوةَ الغَلَبة. كأنَّ البقاءَ لا يتحقَّقُ إلَّا بالصراع، وكأنَّ القتالَ هو النَّفَسُ الذي تُبعَثُ به الرُّوح. فهل الحربُ، يا تُرى، قَدرٌ بيولوجيٌّ لا فكاكَ منه، أم أنَّها تعبيرٌ مُشوَّهٌ عن طاقاتٍ أصيلةٍ يمكنُ توجيهُها إلى مساراتٍ أقلَّ دمويةً وأشدَّ إنسانيَّة؟

دعنا نغوصُ في هذا اللغزِ الغائر، حيثُ تتشابكُ الطَّبيعةُ مع الثَّقافة، والغريزةُ معَ القِيَم، لنستكشف: أهي الحربُ ضرورةٌ لا تستقيمُ الإنسانيَّةُ بدونها؟ أم وَهْمٌ قديمٌ نَصنعُه بأيدينا، ونُؤمنُ به كي لا نُحاسبَ أنفسَنا على قَسوَتنا؟

لقد ذهب بعضُ علماء النفس التطوُّري إلى اعتبارِ الحربِ امتدادًا لغريزةٍ كامنةٍ في البنية البيولوجيَّة للإنسان. يرى سيغموند فرويد، في مراسلاته الشهيرة مع أينشتاين، أن الحربَ ليست حدثًا طارئًا، بل هي انعكاسٌ لقوى التدمير الكامنة في النفس، تلك التي تُقابل “غريزة الحياة” بما أسماه “غريزة الموت” (ثاناتوس). أما كونراد لورنتس، عالِم سلوك الحيوان الحائز على نوبل، فقد رأى أن العنفَ جزءٌ من آليَّات البقاء التي ورثها الإنسان عن أسلافه، لكنه أكَّد في الوقت نفسه أن هذه الغرائز يمكن كبحُها وتوجيهُها بالثقافة والتربية.

لكن، في المقابل، تُظهر لنا الأنثروبولوجيا مشاهدَ مُغايرة؛ فليست كلُّ المجتمعات البشريَّة محكومةً بنَسَق الحرب. لقد عاشت بعضُ الشعوب، كقبائل “الزوندي” في أفريقيا الوسطى أو “الهوبي” في أمريكا الشماليَّة، قرونًا طويلة دون نزاعاتٍ مسلَّحة تُذكر، حيث شكَّلت الثقافةُ بنيةً مانعةً للعنف، وأنتجت أنماطًا من التنظيم الاجتماعي تقوم على الحوار والمجالِس الجماعيَّة. وهذا يفتح البابَ للسؤال من جديد: هل الحربُ قدرٌ مكتوب في جيناتِنا، أم قرارٌ نُبرره بأوهام الضرورة؟

ربَّما لا تكون الحربُ، في جوهرها، لا طبيعةً ولا ثقافة، بل نتيجةَ التقاءٍ مُعقَّد بينهما، يَنتج عن اختلال التوازن بين دوافعِ البقاء ومبادئ المعنى. وإذا كان من الممكن للحضارات أن تُروَّض غرائزها بالعقل والقِيَم، فإنَّ الحرب، حينها، لا تعود حتميَّةً، بل خيارًا، وإنْ تلبَّسَ ثوبَ القَدَر.

الصِّراعُ كجزءٍ من الطبيعةِ البشريَّة

تخيَّل، غابةً كثيفةً يتنافَسُ فيها كلُّ مخلوقٍ على بُقعةٍ من الشَّمس أو لُقمةٍ من الطَّعام. هكذا رأى داروين العالَم: صراعًا دائمًا من أجل البقاء، لا يَنجو فيه إلَّا الأقوى أو الأقدرُ على التكيُّف. فهل الإنسانُ، بكلِّ ما يَدَّعيه من رُقيٍّ وحضارة، قد تحرَّر حقًّا من هذا القانونِ الأوَّليّ؟

إنَّ الحروب، بكلِّ ما تحمله من عُنفٍ وفوضى، قد لا تكون سوى امتدادٍ لهذا الصراعِ الأصليّ، حيث يتنافَسُ البشرُ على الموارد: الأرضِ، والماءِ، والثَّروات، بل أحيانًا على أوهامٍ كالمجدِ أو الهيمنةِ الرمزيَّة. رأى فرويد أنَّ الإنسانَ مُمزَّقٌ بين غريزتَيْ الحب (إيروس) والموت (ثاناتوس)، فهل الحربُ، في جوهرها، تعبيرٌ عن ذلك الثاناتوس المُستتر، تلك الرَّغبة اللاواعية في الهدم والانمحاء؟

لكنْ، لِنَنظر أيضًا في ما اقترحه نيتشه، حين ربطَ بين القوَّةِ الحيويَّة والعنف، لا باعتباره تدميرًا فحسب، بل كمصدرٍ للطاقةِ الخلَّاقة، تلك التي تدفع الإنسانَ إلى تجاوزِ ذاتِه وكسرِ قيودِ الضَّعف. وهنا يَبرزُ التناقضُ الجوهري: أفي الحربِ مبدأٌ خفيٌّ من مبادئ الحياة؟ أم أنَّها مجرَّدُ انفلاتٍ للغريزة في لحظةِ غيابِ العقل؟

إنَّ هذا التوتُّرَ بين البناءِ والهدم، بين الحياةِ والموت، هو ما يجعلُ الحربَ لغزًا بيولوجيًّا ونفسيًّا لا يَنفكُّ يُلاحقُ البشريَّة، مهما تغيَّرت أسماءُه أو أشكالُه.

الهُويَّة الجماعيَّة

غير أنَّ الحربَ لا تقتصرُ على الصِّراعِ الفردي، بل تَرتقي لتُصبح نشيدًا جماعيًّا يُوحِّد القلوبَ تحتَ رايةٍ واحدة، ولو إلى حين. تَأمَّلْ في ملحمةِ هوميروس، حيثُ وجد الإغريقُ معنًى لوجودِهم في حصارِ طروادة، كما في تلك اللحظاتِ التي تتحوَّل فيها شعوبٌ مُبعثرةٌ إلى أمَّةٍ واحدة، مُتلاحمةٍ في وجهِ الخطر. في الحربِ العالميَّة الأولى، لم تكنِ الخنادقُ أخاديدَ محفورةً في التُّراب فحسب، بل كانت مشاهدَ كثيفةً لتَجربةٍ إنسانيَّةٍ فائقةِ القسوة، حيثُ يتقاسمُ الجنودُ الخُبزَ والخوفَ وذُرَاتِ الأمل.

إنَّ الحربَ، في هذا السياق، تَصنعُ هُويَّةً جمعيَّة، تُذيبُ الفروقَ الفرديَّةَ في بوتقةِ المصيرِ المُشترك، كما تفعلُ النَّارُ حين تُصهَر المعادنُ المختلفةُ لتُصبحَ سبيكةً واحدة. لكن، كما يُذكِّرنا توماس إليوت في «الأرضِ اليباب»، فإنَّ هذه الوحدةَ قد تكون وَهْمًا مؤقَّتًا، تتلاشى ملامِحُه بانطفاءِ نيرانِ المعركة، وتعودُ الذواتُ إلى تَشظِّيها القديم.

فهل الحربُ، حقًّا، شرطٌ لمعرفةِ ذواتِنا الجمعيَّة؟ أم أنَّ الهُويَّةَ الحقيقيَّة لا تحتاجُ إلى السُّيوفِ كي تتجلَّى، بل إلى الوعيِ والرؤيةِ والمشتركِ الحضاريّ؟

الحفاظ على التَّوازُن

وإذا ما انتقلْنا إلى تأمُّلٍ أكثرَ قتامة، فقد تَبدو الحربُ، في بعضِ السياقات، كآليَّةٍ طبيعيَّةٍ للحفاظِ على توازُنِ الكون. في عالمٍ يَزدحمُ بالبشر، وتئنُّ الأرضُ تحتَ وطأةِ الاستهلاكِ المتصاعد، هل تُصبِح الحربُ، كما خَشِي مالتوس في نَبوءاتِه الكئيبة، وسيلةً قاسيةً للحدِّ من التكدُّسِ السكاني؟ أم أنَّها، كما في الأساطيرِ القديمة، قُربانٌ يُقدَّم لإلهٍ غاضبٍ في لحظةِ اختلال، لإعادةِ توزيعِ المواردِ والثروات؟

إنَّها فكرةٌ مُثيرةٌ للقلق، تُثيرُ أسئلةً أخلاقيَّةً لا مَفرَّ منها: هل يجوزُ للإنسانيَّةِ أن تُبرِّرَ الموتَ الجماعيَّ باسمِ تَوازُنٍ بيئيٍّ أو عدالةٍ كونيَّة؟ أم أنَّ هذا النوعَ من التفكيرِ ليس سوى محاوَلةٍ لتغليفِ الوحشيَّةِ بقناعٍ فلسفيٍّ مزيَّف؟

هُنا، تَظهرُ الحربُ كسِكِّينٍ ذي حدَّيْن: أداةٌ للتصحيحِ من وجهةٍ واحدة، وكارثةٌ تُسرِّعُ في وجهةٍ أخرى من انحدارِنا الجماعي.

إنَّ الحربَ، إذن، تُشبِهُ نهرًا هائجًا يحملُ في تيَّارِه الحياةَ والموتَ معًا. إنَّها تُجسِّدُ غَرائزَنا البدائيَّة، وتُشكِّلُ هُويَّتنا الجمعيَّة، وربَّما تُعيدُ ترتيبَ العالَمِ بطريقتِها القاسية. لكن، كما يُذكِّرُنا سقراط في حواراتِه، فإنَّ المعرفةَ الحقيقيَّةَ تبدأُ من السُّؤال: هل نحنُ محكومون بهذا النهر؟ أم أنَّ في وُسعِنا أن نُغيِّرَ مجراه؟

الجانب المُضاد والاعتبارات الأخلاقيَّة

إذا كانتِ الحربُ، كما زَعَمْنا، بروميثيوس يحملُ شُعلةَ التقدُّمِ ونارَ الهُويَّة، فإنَّها أيضًا سيزيف، يدفعُ صخرةَ الدمارِ في دائرةٍ عبثيَّةٍ من المعاناةِ المتكرِّرة. في ظلالِ المدافعِ وأَنينِ الجرحى، ينكشفُ وجهُ الحربِ الأشدُّ قتامةً، حيث تُطرَح أسئلةٌ لا مفرَّ منها: أهي، حقًّا، ضرورةٌ لا غنًى عنها، أم خَطأٌ مأساويٌّ في نصِّ البشريَّة؟ دعنا نُديرُ المرآةَ إلى وجهِها الآخَر، حيثُ تتردَّد أصداءُ الخسائرِ الإنسانيَّة، وتلوحُ أشباحُ البدائلِ السلميَّة، وتُطرَحُ الأسئلةُ الأخلاقيَّة كسيفٍ مُعلَّقٍ فوقَ رؤوسِنا.

الدَّمار والخسائر البشريَّة

تخيَّل مدينةً كانت يومًا عامرةً، بأسواقِها النابضةِ بالحياةِ، وأطفالِها الذين يملؤونَ الشوارعَ بالضَّحكِ والصَّخب، ثم تحوَّلت، في طرفةِ عين، إلى أنقاضٍ متهدِّمةٍ تحتَ وطأةِ القنابل. هكذا كانت هيروشيما، وهكذا كانت درسدن: مدنًا أُضرِمت فيها النيرانُ على مذبحِ الحروبِ الكُبرى، وصارَت رمادًا.

إنَّ الحربَ لا تُقاسُ فقط بعددِ القتلى – أولئك الملايين الذين انطفأت حيواتُهم بلا وداع – بل في موجاتِ التَّشرُّدِ، وفي الأيتامِ الذين يُفتِّشون عن وجوهٍ لن يَرَوْها مجدَّدًا، وفي الجراحِ النفسيَّة التي لا تندمل. وإذا كان الاقتصادُ – كما أشرنا – قد ينتعشُ في أعقابِ الحرب، فإنَّ التكلفةَ الإنسانيَّةَ طويلةَ الأمدِ تَبقى فادحة: مدنٌ تحتاجُ عقودًا لتُبنى من جديد، وأجيالٌ تنشأُ في ظلالِ الخوفِ والحرمان.

ألم يَصِف إريش ماريا ريمارك، في روايتِه كلُّ شيءٍ هادئٌ على الجبهةِ الغربيَّة، كيف تُحوِّلُ الحربُ الشبابَ إلى أشباحٍ قبل أن يُدفَنوا؟ فهل بوسعِنا، ونحن نَشهدُ هذا الدمارَ المُتمادي، أن نُردِّدَ – بيُسرٍ – أنَّ الحربَ ضرورةٌ لا مفرَّ منها؟

وإذا ما انتقلْنا إلى الميدانِ الأخلاقي، فإنَّ الحربَ تُواجِهُنا بأسئلةٍ تُمزِّقُ القلبَ والعقلَ معًا. هل يُمكن تبريرُ قتلِ الآلافِ باسمِ تقدُّمٍ مُفترَض؟ رأى كانط، في حلمِه بالسلامِ الدائم، أنَّ الأخلاقَ تُلزِمُنا بالسَّعي إلى عالمٍ خالٍ من الحروب، لكنَّ الواقعَ، كما في رواياتِ كامو، يُذكِّرُنا بأنَّ الإنسانَ كثيرًا ما يُواجِهُ العبثَ في خياراتِه. إنَّ الفوائدَ التي قد تُنتجُها الحرب – من تكنولوجيا وهُويَّة وتوازن – تُوزَنُ دائمًا في كفَّةٍ تقابلُها أكلافٌ لا تُحتمل: الأرواح، الكرامة، الأمل.

فهل يوجد ميزانٌ أخلاقيٌّ قادرٌ على مُعادلةِ هذه الأضداد؟ أم أنَّنا، كما أوحى سارتر، محكومون بحريَّةٍ مُرعبة، تَجعلُنا نختارُ بين الحربِ والسَّلام، مع إدراكِنا أنَّ كلَّ خيارٍ يحملُ عبءَ مسؤوليتِه؟ إنَّ الحرب، في هذا المقام، ليست مجرَّدَ فِعلٍ سياسيّ، بل سؤالٌ وجوديّ: ما الذي يُحدِّدُ إنسانيَّتَنا؟ قدرتُنا على القتال؟ أم قدرتُنا على التَّسامح؟

إنَّ هذا الجانبَ من الحرب، بما يحمله من دمارٍ وأملٍ خادع، يُجبِرُنا على إعادةِ النَّظرِ في تصوُّراتِنا عن الضرورةِ والتقدُّم. إنَّها تُذكِّرُنا، كما في مأساةِ أوديب، بأنَّ أعظمَ كوارثِنا قد تَنبُعُ من جهلِنا بأنفسِنا. فهل نستمرُّ في ترديد أنَّ الحربَ ضرورةٌ محتومة، أم نجرؤُ على تخيُّلِ عالمٍ يُكتَب فيه التاريخُ بمِدادٍ أقلُّ احمرارًا؟

إنَّ الحربَ، كما رأيْنا، نَصٌّ مفتوح، مكتوبٌ بحبرِ الدَّمِ وقلمِ الطُّموح، يُدوِّنُ سيرةَ الإنسانِ في تناقضاتِه العجيبة. لقد كانت، في لحظاتٍ من التَّاريخ، بروميثيوس يَمنحنا نارَ التقدُّم، إذ أنجبتِ الرَّادارَ والحواسيبَ من رحمِ الفوضى، وأعادتْ تشكيلَ أُممٍ وهُويَّاتٍ تحت راياتِ الصِّراع. وفي أعماقِنا البيولوجيَّة، بدَت كأنشودةٍ بدائيَّة، تعزفُ على أوتارِ الغريزة، وتُوحِّدُ القلوبَ في وجهِ الخطر.

لكنْ، كما رأينا أيضًا، فإنَّ هذه النَّارَ تُحرِقُ أكثرَ ممَّا تُضيء، وتَتركُ خلفها أنقاضَ المدن، وأنينَ الأرواح، وأسئلةً أخلاقيَّةً تُطاردُنا كالأشباح. إنَّ الحربَ، في جوهرِها، مرآةٌ تُظهِرُ قدرتَنا على الخَلقِ والتدمير، على الحبِّ والكراهيَّة، على أن نكونَ آلهةً أو وحوشًا.

لكنْ، دعنا لا نستسلمُ لفكرةِ أنَّ الحربَ هي قدَرُنا الوحيد. إنَّ الإنسانَ، كما تَخيَّل أفلاطون في جمهوريتِه، قادرٌ على بناءِ مدينةٍ فاضلة، لا بالسَّيف، بل بالحوارِ والعقل. وإنْ كانتِ الدبلوماسيَّةُ، برغمِ هشاشتِها، والمنظَّماتُ الدوليَّة، رغمَ عيوبِها، تُشيرُ إلى أملٍ خافت، فإنَّ هذا الأملَ يستحقُّ أن نُراهنَ عليه: أن نَجدَ طريقًا إلى التقدُّم دونَ أن نَغرقَ في الوحلِ والدَّم.

إنَّ السعيَ إلى السَّلامِ ليس حُلمًا رومانسيًّا، بل تحدٍّ واقعي، كما واجهَه شيلر في أناشيدِه للفرح، حين دعا إلى أُخوَّةٍ إنسانيَّةٍ تحتَ سماءٍ واحدة. لكن، كما يُحذِّرُنا أمبرتو إيكو، فإنَّ التاريخَ ليس روايةً ذات نهايةٍ سعيدة، بل متاهةٌ تتطلَّبُ منَّا شجاعةَ اختيارِ المَسارات.

ليست الحرب دائمًا خيارًا مطروحًا يُؤخَذ عن سَعة، ولا قرارًا ينبع من ترفٍ أو رغبة في النزاع. كثيرًا ما جاءت في لحظاتٍ فارقة، لا بوصفها انفعالًا طائشًا، بل استجابةً اضطرارية حين ضاقت الخيارات، وانهارت سُبل التفاهم، وخُنقت الكلمة في مهدها.

ولم تكن الحرب في جوهرها نقيضًا دائمًا للعقل؛ بل كانت في بعض اللحظات أقصى درجات حضوره، حين استُنفدت الحُجج، وتراكم الظلم، وغاب النصير، في تلك اللحظات، لا تُستعاد الحقوق إلا بالقوة، ويصير الصمت خيانة، والانتظار سقوطًا.

نحن لا نُقدِّس الحرب، ولا نُشيطنها، بل نحاول فهمها في تعقيدها وتكاليفها. فما من أمَّة خاضتها إلا وخرجت منها بأسئلتها الكبرى: ما الذي كان يمكن تَجَنُّبه؟ وما الذي لا يمكن التفريط فيه؟ ما الثمن الذي دُفع؟ وما المعنى الذي بَقِي؟

ولعل الجواب، كما التاريخ كله، يظل مفتوحًا، لا لأن الحقيقة مفقودة، بل لأن التجربة الإنسانية لا تختصر في حكمٍ أخلاقيٍّ مُطلَق. إنما الذي يبقى هو وعي الإنسان، واقفًا في كل مرة أمام مفترقٍ حاد: بين صمتٍ يُفقده ماء وجهه، وموتٍ يحفظ له كرامته.