
ثقافة المقاومة: في تحيزات المصطلح الصهيوني
د. عبد الوهاب المسيري
حاول الخطاب السياسي العربي أن يتعامل مع الظاهرة الصهيونية في تفردها وعموميتها، فقد كانت بالفعل ظاهرة جديدة كل الجِدة على الشعب العربي، سواء في فلسطين أم خارجها:
أن تأتي كتلة بشرية تحت رايات الاستعمار البريطاني وتبدأ تدريجيًا في احتلال الأرض، إما بالقوة العسكرية أو من خلال شراء الأراضي، إما مباشرة من بعض كبار الملاك أو بشكل غير مباشر من خلال وسطاء، ثم تتحول الكتلة البشرية الغازية بين يوم وليلة إلى دولة تستولي على جزء كبير من فلسطين، ثم تقوم بطرد السكان الأصليين، يساندها في ذلك العالم الغربي بأسره.
ورغم أن التجربة الصهيونية الاستيطانية تجربة فريدة في كثير من جوانبها، إلا أن هناك جوانب كثيرة منها مشتركة مع ظواهر أخرى مماثلة، أي أنها تنتمي إلى نمط عام متكرر. فهي جزء من الغزوة الاستعمارية التي أخذت شكل استعمار عسكري مباشر في بعض البلدان العربية، فهناك التجربة المصرية والسودانية والعراقية واليمنية مع الاستعمار البريطاني التقليدي، والتجربة السورية واللبنانية والمغربية والتونسية مع الاستعمار الفرنسي، والتجربة الليبية والصومالية مع الاستعمار الإيطالي. وهذا النوع من الاستعمار يأخذ شكل جيش نظامي يغزو بلدًا ما ويحتله ويديره بطريقة تخدم مصالح الدولة الغازية. كما أخذت الغزوة الاستعمارية شكل الاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر، وهو نقل كتلة بشرية من الغرب وتوظيفها في الشرق، وتؤسس جيبًا استيطانيًّا يستوعب الفائض البشري الغربي، ويكون بمثابة قاعدة عسكرية اقتصادية تخدم مصالح الوطن الأم الذي نقل المستوطنين وأمّن وجودهم.
وهناك أخيرًا الاستعمار الاستيطاني الإحلالي. ففي جنوب السودان، قام الاستعمار البريطاني بنقل (ترانسفير) السودانيين المسلمين منه حتى يجعل الجنوب خاليًا من العرب (بالألمانية: أراب راين Arabrein). والصهيونية تنتمي لهذا الشكل الأخير، وإن كان الشكل مختلفًا، فهو استعمار استيطاني إحلالي، فقد قام ابتداءً بنقل (ترانسفير) كتلة بشرية غربية بيضاء (يهودية) من أوروبا ووطّنها في فلسطين، لتحلّ محل السكان الأصليين، الذين تم نقلهم (ترانسفير) خارج وطنهم، أي فلسطين.
وقد أدرك الصهاينة تمامًا أهمية المصطلح، وأهمية تسمية الظواهر، ونجحوا في إشاعة مصطلحاتهم ومفاهيمهم، بكل ما تحمل من تحيزات عنصرية، من خلال الإعلام الغربي الذي يساند المشروع الصهيوني ويشارك في تحيزاته.
ولذا نجد أن آلة المصطلحات الصهيونية لا تكف عن الدوران وعن إنتاج عدد كبير من المصطلحات لتغطية كل ما يستجد من متغيرات ومواقف. ولذا علينا أن ننظر للظواهر ونضعها في سياقاتها المختلفة (التاريخية والثقافية والاقتصادية)، ثم نسميها حسبما رأيناها ورصدناها ودرسناها، فنعيد تعريف المصطلح أو نستبدله.
وفيما يلي بعض المصطلحات الصهيونية التي سادت والتي اخترقت الخطاب السياسي العربي، مع محاولة تفكيكها لإظهار التحيزات الكامنة فيها.
بعض المصطلحات العامة الشائعة:
1- الصهيونية العالمية:
“الصهيونية العالمية” ترجمة للمصطلح الإنجليزي “World Zionism”، وقد شاع المصطلح في اللغة العربية، وهو يفترض أن الصهيونية حركة عالمية، أي تمارس نشاطها في أنحاء العالم بين جميع أعضاء الجماعات اليهودية في كل البلاد. ولنضع هذا المصطلح في سياقاته المختلفة لنكتشف أن ثمة خللًا أساسيًّا فيه يعود إلى ما يلي:
أ) نشأت الصهيونية في الغرب، في البلاد الاستعمارية (البروتستانتية) في بداية الأمر، ثم تبنّاها يهود العالم الغربي (في شرق أوروبا وغربها) لأغراض مختلفة. فالصهيونية ليست عالمية من ناحية النشأة، خصوصًا وأن 90% من يهود العالم كانوا يوجدون داخل التشكيل الحضاري الغربي مع نهاية القرن التاسع عشر، وهي المرحلة التي نشأت فيها الصهيونية.
ب) كانت الصهيونية، ولا تزال، جزءًا من التاريخ الاقتصادي والسياسي والحضاري للغرب، والإمبريالية الغربية هي الآلية الأساسية لتحويل الصهيونية من مجرد فكرة إلى دولة استيطانية.
وعلى هذا، فإن الصهيونية لم تنشأ في العالم ككل، أو داخل التاريخ العالمي بشكل مطلق، أو حتى بين كل أعضاء الجماعات الدينية والإثنية اليهودية المتناثرة في العالم، وإنما هي إفراز تشكيل حضاري محدد في لحظة زمنية محددة، ولا يمكن دراستها خارج هذا التشكيل، ولا يمكن فهمها دون الرجوع إلى مراحل تطوره وأزماته وطريقة حله لهذه الأزمات، وإن كان هذا لا يعني بطبيعة الحال إسقاط السمات التي تشكل خصوصية الحركة الصهيونية الغربية.
ولعل الإنسان الغربي أطلق صفة “العالمية” على الصهيونية للأسباب التالية:
أ) ينظر الخطاب الإنجيلي إلى اليهود باعتبارهم شعبًا مختارًا، وجزءًا من الدراما الكونية التي يتحرك في إطارها تاريخ العالم والعالمين. والتاريخ اليهودي، حسب الرؤية الإنجيلية، تاريخ مستقل عن تاريخ الأغيار، ومع هذا يشكل هذا التاريخ الركيزة الأساسية لتاريخ العالم. وهذا الخطاب الإنجيلي متغلغل تمامًا في الوجدان الغربي.
ب) بعد أن ظهرت الصهيونية بين يهود الغرب، قامت بصهينة معظم يهود العالم، خصوصًا بعد إنشاء الدولة الصهيونية، ومن ثم فهي حركة عالمية بهذا المعنى. ولابد أن نسارع بالقول بأن الغالبية الساحقة من يهود العالم توجد الآن إما داخل التشكيل الحضاري الغربي (فرنسا – إنجلترا – روسيا)، أو داخل التشكيل الاستعماري الاستيطاني الغربي (الولايات المتحدة – كندا – أستراليا ونيوزيلندا – أمريكا اللاتينية – جنوب أفريقيا – إسرائيل)، وعلى وجه التحديد داخل التشكيل الاستعماري الاستيطاني الأنجلو-ساكسوني.
جـ) الحركة الإمبريالية التي حولت الصهيونية إلى كيان استيطاني هي حركة عالمية رغم أصولها الغربية، فقد جعلت العالم كله مجالًا لحركتها والتهامها وافتراسها. والإمبريالية “عالمية” لا لأنها حركة نشأت بين كل البشر، وإنما لأنها حركة حولت البشر كلهم إلى مُستعمِر أو مُستعمَر، وتكتسب الصهيونية صفة العالمية من ارتباطها بالإمبريالية الغربية العالمية.
د) يلاحظ أن الأدبيات السياسية الغربية، الصهيونية وغير الصهيونية، تستخدم كلمة “عالمي” بمعنى “غربي”. ولعل هذا يعود إلى أن الإنسان الأبيض في الغرب في القرن التاسع عشر كان يتصور أنه مركز العالم وقمة رقيّه، وأن الحضارات الأخرى حضارات متخلفة ستتطور لتلحق به وتصل إلى النموذج الحضاري العالمي نفسه. ويلاحظ أن هرتزل يتحدث في كتاباته عن ضرورة إقامة المشروع الصهيوني بضمان القانون الدولي العام، ويعني بذلك “القانون الغربي”. ولذا، والتزامًا بالدقة، يجب أن نتحدث عن “الصهيونية الغربية”، ويمكن أن نشير إلى “الصهيونية الغربية التي يُقال لها عالمية”.
2- التحدي الحضاري الإسرائيلي:
هذا مصطلح تغلغل تمامًا في الخطاب السياسي العربي، بل وفي الوجدان العربي، وهو يفترض أن التجمُّع الصهيوني يمثل كيانًا حضاريًّا مستقلًّا متفوقًا على الكيان الحضاري العربي، وأن هزيمة العرب العسكرية هي نتيجة تخلفهم الحضاري، وأن العرب لو حذوا حذو الصهاينة لحققوا الانتصار عليهم.
والتحدي الحضاري هو عملية تغطي كل جوانب الحياة، حيث يطرح الآخر رؤية للحياة وأسلوبًا لتنظيمها يحققان نجاحًا على جميع المستويات، ويحققان كل إمكانيات الإنسان كإنسان. فالتحدي الحضاري ليس مجرد إنجاز تكنولوجي أو تفوق عسكري، وإلا اضطررنا للقول بتفوق التتار على العرب لأنهم عبروا نهر دجلة على جسر من المخطوطات العربية، ولقلنا بتفوق البرابرة على الرومان لأنهم نجحوا في غزو روما وتحطيم منجزاتها الحضارية. ومن ثم، فمن الصعب قبول مثل هذا المعيار؛ لأنه معيار أحادي يتجاهل الوجود الإنساني المركب، ولأن التفوق العسكري في نهاية الأمر ليس هو التفوق الحضاري. وقد تحوّل هذا العنصر الوحيد إلى المعيار الأوحد بتأثير الحضارة الغربية ذات الرؤية الداروينية الصريحة، التي منحته مركزية لا يستحقها.
وإذا نظرنا إلى التجمُّع الاستيطاني الصهيوني الذي يمثل “التحدي الحضاري” – حسب رؤية البعض – لوجدنا بالفعل مجتمعًا حقق تفوقًا عسكريًّا لا يمكن إنكاره (وإن كان هذا التفوق العسكري أصبح موضع تساؤل بعد إخفاقاته العسكرية المتكررة، سواء في الانتفاضة الأولى أم الثانية، وبعد الحرب السادسة مع لبنان)، ولكنه تفوق لم يُحرَز بإمكانياته الذاتية، وإنما بسبب الدعم العسكري الغربي. بل إن التجمُّع الصهيوني ككل لا يعتمد على موارده الطبيعية أو الإنسانية، وإنما يعتمد على الدعم المستمر من الولايات المتحدة والدول الغربية ويهود الغرب.
وهذا التجمُّع الصهيوني هو مجتمع ذو توجه عسكري واضح، تهيمن عليه المؤسسة العسكرية التي ليس لها أي غياب ملحوظ، لا بسبب غيابها، وإنما بسبب حضورها الكامل العضوي في كل مؤسسات التجمُّع الصهيوني.
وهذا التجمُّع الاستيطاني الإحلالي، شأنه شأن كل الجيوب الاستيطانية الإحلالية، مبني على الحد الأقصى من العنف الموجَّه ضد الآخرين وضد الذات، فهو مبني على أكذوبة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، وهي أكذوبة لم يعد يصدقها حتى الصهاينة أنفسهم، وهو يحاول أن يكتسب شرعية وجوده إما من خلال قصص ومفاهيم توراتية (لا يؤمن بها معظم المستوطنين الصهاينة ذوي التوجه العلماني الشامل)، أو مفاهيم جيتوية حلولية عضوية لا تختلف كثيرًا عن الأساطير النازية العرقية، ولكنه يكتسب شرعية وجوده في واقع الأمر بالطريقة الغربية المألوفة، أي بقوة السلاح.
وهذا التجمُّع لا توجد فيه حضارة متجانسة، فكل مستوطن أحضر معه من وطنه الأصلي خطابًا حضاريًّا مختلفًا، وادّعت الدولة الصهيونية أنها ستمزج الجميع في بوتقة يهودية عبرانية جديدة ليخرج منها مواطن جديد، وما حدث هو أن الخطاب الحضاري الجديد المزعوم لم يتشكّل، وظهر بدلاً منه واقع حضاري غير متجانس، وأصبح الخطاب الحضاري المهيمن هو خطاب الراعي الإمبريالي، أي الخطاب الأمريكي.
باختصار شديد، التجمُّع الصهيوني ليس مجتمعًا، وإنما هو “تجمُّع” غُرِس في المنطقة ليقوم بدور عسكري لصالح الحضارة الغربية، ومن ثم فهو يشكل تحديًا عسكريًّا وحسب، لا تحديًا حضاريًّا. بل إنه تحدٍّ عسكري جعلنا ننحرف عن الاستجابة للتحدي الحضاري الأصلي الذي طرحته علينا الحضارة الغربية الحديثة، وهو: كيف نؤسّس مجتمعًا حديثًا في إطار منظوماتنا القيمية والحضارية.
ولعلنا لا ندعي حين نقول إن التحدي الحضاري لأمة أنتجت ابن خلدون والمتنبي والغزالي وابن رشد، ينبغي أن يأتي من شعب أو حضارة أنتجت أرسطو وماركس، وألا يهبط إلى مستوى بناء حضاري متخلف تسيطر عليه الأفكار الجيتوية، ويتزعمه أمثال شارون وأولمرت، ومن قبلهما بن جوريون، الذي يتصور أنه يحدد سياسة بلاده الخارجية وتحركات جيوشه حسب رؤى العهد القديم وأقوال التلمود وأساطير الأولين بشرط أن يكونوا من اليهود.
ولذا يمكن أن نقول: “التحدي الحضاري المزعوم…”
3- المؤامرة اليهودية:
من المصطلحات والمفاهيم التي سادت في الخطاب السياسي العربي مصطلح “المؤامرة اليهودية”.
ولتفكيك هذا المصطلح يجب أن نشير ابتداءً إلى أن العقل الإنساني، إن لم يجد نموذجًا تفسيريًّا ملائمًا لواقعة ما، يميل إلى ردّها إلى يد أو أيادٍ خفية تُنسب إليها التغييرات والأحداث كافة. فالأحداث – حسب هذا المنظور – ليست نتيجة تفاعل بين مركب من الظروف والمصالح والتطلعات والعناصر المعروفة والمجهولة من جهة، وإرادة إنسانية من جهة أخرى، وإنما هي نتاج عقل واحد وضع مخططًا جبّارًا وصاغ الواقع حسب هواه، وهو ما يعني أن بقية البشر إن هم إلا أدوات.
ومن أهم تجليات هذا النموذج الاختزالي ما يُقال له: “المؤامرة اليهودية الكبرى” أو “المؤامرة اليهودية العالمية”، التي تفترض أن أعضاء الجماعات اليهودية يكونون كُلاً واحدًا متكاملاً متجانسًا، وأن لهم طبيعة واحدة، وأن اليهودي شخص فريد لا يخضع للحركيات الاجتماعية التي يوجد فيها، ولا ينتمي إلى الأمة التي يعيش بين ظهرانيها، وهو يقف دائمًا مقابل الأغيار (غير اليهود)، إذ إن ثمة خاصية ما في اليهود، وخصوصية كامنة فيهم، تجعل من العسير على كل المجتمعات الإنسانية دمجهم أو استيعابهم.
ويتسم اليهود – حسب نموذج المؤامرة الكبرى – بالشر والمكر والرغبة في التدمير (فهذه أمور وُجدت في عقولهم بالفطرة، وهي بُعد أساسي وثابت في طبيعتهم)، وسلوكهم هو تعبير عن مخطط جبّار وضعه العقل اليهودي، الذي يخطط ويدبّر منذ بداية التاريخ، والذي وضع تفاصيل المؤامرة الكبرى العالمية لتخريب الأخلاق وإفساد النفوس حتى تزداد كل الشعوب ضعفًا ووهنًا، بينما يزداد اليهود قوة، وذلك بهدف السيطرة على العالم (وربما لإنشاء حكومة عالمية يكون مركزها أورشليم – القدس).
والتاريخ اليهودي بأسره – وفق هذا التصور – إن هو إلا تعبير عن هذا النموذج وهذه المؤامرة الأزلية المستمرة، واليهود من ثم مسؤولون في كل الأزمنة والأمكنة عن كل الشرور والمنكرات؛ فهم على سبيل المثال أراقوا دم المسيح (حسب الرواية المسيحية)، وهم الذين وضعوا السم للرسول ﷺ، وهم وراء مؤامرة عبد الله بن سبأ ثم أتباعه من بعده للقضاء على الإسلام، وهم الذين قاموا بدسّ الإسرائيليات دَسًّا على الدين الحنيف، بل ويُنسب إليهم ذبح الأطفال واستخدام دمهم في صنع خبز الفطير الذي يأكلونه في عيد الفصح.
وفي العصر الحديث، يرى التآمريون أن اليهود وراء أشكال الانحلال المعروفة والعلنية (وغير المعروفة والخفية) في العالم الغربي والعربي، بل وفي كل أرجاء العالم. فهم – حسب هذا التصور – وراء المحافل الماسونية التي أسسوها أداةً لمؤامراتهم، وهم وراء البهائية التي تسعى لإفساد الإسلام وكل العقائد، وهم الذين أدّوا إلى ظهور الرأسمالية بكل بشاعتها، والبلشفية بكل إرهابها، والإباحية بكل تدميرها. وهم يسيطرون على رأس المال العالمي، والحركة الشيوعية، ويتحكمون في الصحافة ووسائل الإعلام، وهم الذين ضغطوا على الإمبراطورية البريطانية وجعلوها تصدر وعد بلفور، وهم الذين أسقطوا الدولة العثمانية من خلال يهود الدونمة، وهم الذين يُحرّكون الآن اللوبي اليهودي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، ويوجهون الإعلام الأمريكي، ويجندون الصوت اليهودي، وذلك حتى يُسخّروا الولايات المتحدة ويرغموها – بما لديهم من نفوذ وسطوة وهيمنة – على تحقيق مآربهم وتنفيذ مصالحهم.
وهم على اتصال بعالم الجريمة للمساعدة في إفساد العالم.
والصهيونية، وفق هذا المنظور، ليست ظاهرة مرتبطة بحركيات التاريخ والفكر الغربي، وليست مرتبطة بظهور الإمبريالية الغربية وهيمنتها على العالم، وإنما هي مجرد تعبير عن هذا الشرّ الأزلي الكامن في النفس اليهودية، الذي يتبدى في الغزو الصهيوني لفلسطين، والسوق الشرق أوسطية… إلخ.
ومن أهم إفرازات هذا التصور الاختزالي الوثيقة المسماة “بروتوكولات حكماء صهيون”.
وقد ساعد على نشر التصورات التآمرية عن اليهود شعائرهم الدينية المركبة، التي لا يستطيع كثير من الناس فهمها، كما ساهمت النزعة الحلولية الانعزالية في الدين اليهودي، والتصورات اليهودية الخاصة بالشعب المختار والمركزية الكونية والتاريخية التي يضفيها اليهود على أنفسهم، في تعميق شكوك غير اليهود فيهم.
ومما لا شك فيه أن وجود اليهود بوصفهم جماعات وظيفية متفرقة داخل عديد من المجتمعات الغربية، تنتظمها شبكة من العلاقات التجارية الوثيقة التي تحقق من خلالها قدرًا كبيرًا من النجاح التجاري والمالي، قد عمّق الرؤية التآمرية لليهود.
وقد بلغت هذه الشبكة قمة تماسكها وقوتها في القرن السابع عشر، حين كانت تنتظم يهود الأرندا في شرق أوروبا، ويهود البلاط في وسطها وغربها، ويهود السفارد في البحر الأبيض والدولة العثمانية وشبه جزيرة أيبيريا والعالم الجديد، وخلق هذا الوجود الإحساس بالتنسيق فيما بينهم.
ومع ضعف المجتمعات الغربية وبنائها القيمي بسبب انتشار قيم النفعية والعلمانية، ومع تركز اليهود في كثير من الحركات العلمانية والفوضوية، تعمق الإحساس بأن ثمة مؤامرة يهودية تهدف إلى السيطرة على العالم كما تهدف إلى إفساده.
وفي العصر الحديث، قام العالم الغربي – الذي يدّعي العلمانية وفصل الدين عن الدولة – بالمساعدة في تأسيس الدولة المسماة اليهودية ودعمها.
وتقوم الولايات المتحدة بالتغاضي عن سلوك إسرائيل الاستعماري الاستيطاني، وعن توسعها المستمر، وعن غزوها للبلاد المجاورة لها، وعن قمعها المتوحش لثورة الشعب الفلسطيني، وتدخل معها في اتفاقات تعاون استراتيجي، وتزودها بالسلاح، وتسمح لها باستخدام الأسلحة النووية، وتستخدم حق الفيتو إن حاول مجلس الأمن أن يفرض على إسرائيل تنفيذ قرارات هيئة الأمم المتحدة، في الوقت الذي تغزو فيه الدول العربية بحجة أنها تمتلك أسلحة دمار شامل، وأنها ترفض تنفيذ قرارات هيئة الأمم.
وازدواجية المعايير هذه تجعل البعض في العالم العربي يتصورون أن “اليهود” يهيمنون على القرار الأمريكي، وأن هذا جزء من محاولة السيطرة على العالم، متناسين أن الاستراتيجية الإمبريالية الأمريكية لا علاقة لها بإسرائيل أو باليهود، وإنما هي نتيجة قرارات اتخذها صناع السلاح وأصحاب الاحتكارات في الولايات المتحدة.
إلا أن الباحث المدقق سيكتشف أن الرؤية الاختزالية التآمرية لا تختلف في أساسياتها مطلقًا عن الرؤية الاختزالية الصهيونية لليهود؛ فكلا الفريقين يرى اليهود من خلال رؤية واحدية اختزالية ساذجة تقوم بتبسيط دوافعهم ووجودهم في التاريخ، إذ إنها تُسقط عنهم زمنيتهم وتركيبيتهم وإنسانيتهم.
فبدلاً من رؤية أعضاء الجماعات اليهودية كجزء من تواريخ بلادهم وحضاراتهم، فإنها تنظر إليهم باعتبارهم كيانًا واحدًا متماسكًا فريدًا يتحرك داخل تاريخه اليهودي الخاص، بمعزل عن المجتمعات التي يعيشون فيها.
وبسبب هذا الاتفاق بين الفريقين، نجد أن كلاً من التآمريين والصهاينة يتحدثون عن “الشعب اليهودي عبر التاريخ”، وعن “الشخصية اليهودية في كل العصور”، وعن “العبقرية أو الجريمة اليهودية” في كل زمان ومكان، وهكذا.
والخلاف بين التآمريين والصهاينة لا يوجد في التشخيص، أو في الوصف، أو في المنطلقات، أو المسلّمات، ولا حتى في الحل، وإنما في آليات الحل فحسب، أي أن الاختلاف بينهم اختلاف إجرائي بسيط وليس كليًّا وشاملًا. فكلا الفريقين يطرح حلًّا بسيطًا لمشكلة الكيان اليهودي المتماسك الفريد الذي يرفض الاندماج، ألا وهو ضرورة خروج اليهود من أوطانهم.
ولكن بينما يرى التآمريون وأعداء اليهود أنه لا مناص من استخدام العنف في هذه العملية (من طرد وإبادة)، فإن الصهاينة يرون أن الحركة الصهيونية يمكنها أن تشرف على عملية الخروج هذه بطريقة منهجية منظمة بحيث لا يوجد أي مبرر للعنف.
ومع هذا، لا يستبعد الصهاينة استخدام العنف كآلية لإخراج اليهود من أوطانهم، كما حدث عام 1951م، حينما ألقى عملاء إسرائيل القنابل على أماكن تجمع أعضاء الجماعة اليهودية في العراق، لدفعهم للهجرة منها إلى الدولة الصهيونية الناشئة، وكما يحدث الآن حينما تضغط الحركة الصهيونية على الولايات المتحدة لتغلق أبوابها أمام اليهود السوفييت، بحيث يُضطرون إلى الهجرة إلى إسرائيل.
وفكرة المؤامرة أكذوبة تلائم معظم الأطراف المشتركة في الصراع الإسرائيلي؛ فإسرائيل تستفيد كثيرًا من هذا الفكر التآمري، لأنه يضفي عليها من القوة ما ليس لها، ومن الرهبة ما لا تستحق، وهو في نهاية الأمر يجعلها تكسب معارك لم تدخلها قط.
كما أن الحكومات الأمريكية المختلفة تفسّر للزعماء العرب عجزها عن مساعدة الحق العربي بتعاظم النفوذ الصهيوني وهيمنة اليهود على القرار الأمريكي.
أما الحكومات العربية، فتفسر تخاذلها وهزيمتها أمام العدو الصهيوني على أساس الأسطورة المريحة نفسها، وبالتالي يجد كل من أطراف الصراع تفسيرًا يبدو معقولًا ومقبولًا لوضعه أمام نفسه وأمام جماهيره.
ويجب الإشارة إلى أن إنكار وجود مؤامرة لا يعني إنكار وجود مخطط، فالمخطط هو خطة أو إستراتيجية تُعبّر عن مصالح دولة ما أو مجموعة من الدول (كما يتصورها أصحابها)، وهي تتبدى من خلال أنماط متكررة لها مسار يعبر عن منطق داخلي يمكن فهمه والتصدي له بمخطط مضاد. فأصحاب المخطط المعادي لنا بشر، ونحن بشر، والحرب بيننا سجال، إلى أن ينصر الله من ينصره.
أما المؤامرة، فهي خطة سرّية وضعها في الظلام بضعة أفراد، دوافعهم خسيسة شريرة، يحاولون قدر طاقتهم الحفاظ عليها طي الكتمان، ويقومون على تنفيذها.
ولأن المؤامرة ليست جزءًا من نمط، فإنها لا تتبع مسارًا مفهومًا، وليس لها قوانينها الداخلية الخاصة والخارجية العامة.
ويجب الإشارة إلى أن أصحاب المخطط يمكنهم استخدام المؤامرات لتنفيذ المخطط، ولكن تظل المؤامرات هي الآلية، والمخطط هو النمط الأساسي الكامن.
