خوارزميات الإبادة: كيف تحول إسرائيل الذكاء الاصطناعي إلى سلاح استعماري؟
- فريق تحرير الروزنامة
- 9 أبريل، 2025
- 0 تعليق

“فهذه فلسطينُ قد اجتمعتْ الأُمَمُ على أن تُمَكِّنَ فيها لأنذالِ يهود مكانًا يَتبوَّأُهُ طُغاةُ المالِ وطواغيتُ الفُجورِ وأبالسةُ الشر، وقد أخذوا يَمُدُّونَهم بالمالِ والسلاحِ ليَقهروكُم وتكونَ لهم الكِبرياءُ في هذه الأرض.”
لما قال الأستاذ محمود محمد شاكر هذا القول، مؤكدًا لم يكن يتصور أن السلاح الذي تُمد به إسرائيل سيكون سلاحًا لا يخضع للرقابة البشرية المباشرة، لا يستهدف به جندي من جنود العدو رجلًا من أعدائه، ولا يمكن أن يُوجَّه مباشرة لقصف منطقة أو دقِّ حي أو مهاجمة قوة مسلحة مرصودة..
شبحٌ لا يُرى، يتحرك في عوالم البيانات والبرمجيات، لا ينصاع لضمير يتردد، بل يتغذى على أوهام الحياد التكنولوجي ليصنع بطشًا أعظم: آلات تتعرف على الوجوه في زحام الشوارع فتُسلم أصحابها للاعتقال، وخوارزميات تتنبأ بالحراك قبل أن يولد، وطائرات لا تكلُّ من التحليق فوق الرؤوس، تُطلق الصواريخ بمعادلات رياضية لا تعرف الرحمة.
يجب أن تعرف شعوبنا المسلمة اليوم ما يرتكبه الكيان الهمجيُّ المجرم في حق إخواننا في فلسطين، وأن يروا هذا المارد الذي أطلقوه من قمقم التكنولوجيا، يفتك بالكرامة، ويُمزِّق حجاب الخصوصية، ويحول الأرض المحتلة إلى مختبرٍ مفتوحٍ لتجارب الرقابة الذكية، حيث تُصمَّم أدواتُ الإبادةِ الحديثة وتُعايرُ فاعليتُها بكمِّ الدماءِ التي تُراقُ في ظلِّ صمتِ العالم.
حربٌ لا تُعلن، يشعلها “أباطرة السيليكون” بدم بارد، فيُمدون المحتل ببرامجَ ترى كل شيء، وتحسب كل حركة، وتُحيل الإنسان إلى رقمٍ في قاعدة بيانات… أو هدفٍ في شاشة قناص!
الذكاء الاصطناعي في خدمة القتل المُمنهج: كيف تُحوِّل التكنولوجيا غزة إلى مختبرٍ للرعب؟
باتت الحروب الحديثة تعتمد على أنظمة ذكاء اصطناعي تُحوِّل ساحات القتال إلى مختبراتٍ لتجاربَ قاتلة، لا تُفرّق بين المدني والمقاتل، ولا تُحاسب على أخطائها. في غزة، تحولت هذه الأنظمة إلى أدواتٍ لتنفيذ إستراتيجيةٍ ممنهجة تهدف إلى تطبيع القتل الجماعي تحت غطاء “الحداثة التكنولوجية”، حيث تُستخدم الخوارزميات في كل مرحلة من مراحل الحرب: من جمع الاستخبارات عبر اعتراض الاتصالات وتحليل الصور الفضائية، إلى تحديد الأهداف بناءً على كلماتٍ مفتاحية أو أنماط حركةٍ غامضة. هنا، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة مساندة، بل أصبحت شريكًا أساسيًّا في صناعة الموت.
1. الخوارزميات تُصدر أحكام الإعدام: آليات عمل أنظمة القتل الذكية
يعتمد الجيش الإسرائيلي على أنظمة ذكاء اصطناعي مثل “غوسبل“ و”البشارة” لتنفيذ هجماته، لكن هذه الأنظمة ليست سوى واجهةً تقنيةً لإخفاء فوضوية القتل. فـ”غوسبل” –وفقًا لمجلة “بوليتيكو”– يُحلل البيانات عبر خوارزميات التعلم الآلي لتحديد الأهداف في دقائق، بدلًا من الأسابيع التي تتطلبها الطرق التقليدية. المشكلة أن هذه الأهداف تشمل المدارس، المستشفيات، المساجد، ومقرات منظمات الإغاثة، التي تُقصف رغم تقديم إحداثياتها الدقيقة للاحتلال.
الادعاء الإسرائيلي بأن “القرار النهائي يتخذه إنسان” ينهار أمام الحقائق: فالنظام صمم لزيادة سرعة تحديد الأهداف، ما يعني ضمنًا التضحية بالدقة. تقول هايدي خلاف، خبيرة التعلم الآلي: «معدلات الخطأ المرتفعة في أنظمة الذكاء الاصطناعي تجعل الاستهداف الآلي أشبه بإطلاق نار عشوائي». بل إن الجيش نفسه اعترف بأنه ضرب 12 ألف هدف في 27 يومًا فقط، وهو رقمٌ يُنذر بكارثة إنسانية، خاصة مع اعتماد النظام على تصنيفاتٍ غامضةٍ مثل “أهداف القوة” التي تُوسع دائرة الاستهداف لتشمل مدنيين.
2. التكنولوجيا العالمية تغذي آلة الحرب: من جوجل إلى “أوبن إيه آي”
لا تقتصر المشاركة في الجرائم على الاحتلال وحده، بل تمتد إلى شركات التكنولوجيا التي تقدم أدواتها كسلاحٍ فعّال. فمنذ عام 2021، وفرت شركات مثل جوجل وأمازون خدمات سحابية وَنماذجَ ذكاء اصطناعي مُخصصة لدعم العمليات العسكرية، وتصاعد هذا التعاون بعد أكتوبر 2023، مع تحول إسرائيل إلى الاعتماد المُكثف على منصات مايكروسوفت السحابية لمعالجة البيانات الحربية.
الأمر لا يتوقف عند توريد التكنولوجيا كمنتَجٍ جاهز، بل يتعداه إلى دمجها مباشرة في الأنظمة القتالية. فعلى سبيل المثال، تُستخدم تقنيات “بالانتير” (المتخصصة في تحليل البيانات الاستخبارية) في تعقب الفلسطينيين وتصنيفهم، بينما تُوظف تطبيقات مثل “جيميناي” لترجمة المحادثات المسرّبة وربطها بقوائم الاستهداف. الجيش الإسرائيلي، بدوره، يحوّل هذه الأدوات إلى أسلحة ذكية تُنفذ عمليات الاغتيال والمراقبة دون حاجة إلى قرارات بشرية واعية.
المُفزع في الأمر أن هذه الشركات تُدرك جيدًا أن دقة أنظمتها لا تتجاوز 25% في أفضل الحالات، وأن أخطاءها تؤدي إلى قتل مدنيين بأعدادٍ هائلة، لكنها تُصر على التعاون العلني مع الاحتلال تحت ذرائع تجارية. هذه ليست “شراكة تقنية” بريئة، بل تواطؤٌ مُمنهج يجعلها شريكةً في جرائم حربٍ محتملة، وفقًا للقانون الدولي.
3. الثغرة القانونية: عندما تتحكم الآلة بمصير البشر
في ظل فراغٍ تشريعي دولي، تتحول التكنولوجيا إلى ملاذٍ للاحتلال لتنفيذ جرائمه بعيدًا عن المحاسبة. فالقوانين الحالية لا تُجرم استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب، ولا توجد آلياتٌ لملاحقة الشركات الموردة للتكنولوجيا القاتلة. بل على العكس، تحظى هذه الممارسات بدعمٍ مباشر من قوى عظمى مثل وزارة الدفاع الأمريكية والاتحاد الأوروبي، التي تُقدم غطاءً سياسيًّا وتمويليًّا لها.
المشكلة لا تكمن فقط في غياب القوانين، بل في استغلال التعقيد التقني كذريعة للإفلات من العقاب. فحجج مثل “صعوبة تتبع قرارات الخوارزميات” أو “سرية الشيفرات البرمجية” تُستخدم لتعطيل التحقيقات الدولية، حتى عندما تُظهر الأدلة الميدانية أن أنظمةً مثل “البشارة” و”اللافندر” تُنتج أخطاءً مُميتةً بشكلٍ منهجي.
هذا الوضع يُغذي سيناريو كارثيًا: تحويل الذكاء الاصطناعي إلى بشير حروب المستقبل، حيث تُباد مدنٌ بأكملها عبر خوارزمياتٍ لا يُسأل عنها أحد، بينما تُختزل الضحايا في تقارير إحصائية جافة. الأخطر أن بعض الدول بدأت تُقلد النموذج الإسرائيلي، مستفيدةً من الصمت الدولي لتطوير أسلحتها الذكية.
4. الصندوق الأسود: كيف يتهرب العالم من مواجهة “الذكاء القاتل”؟
رغم الدمار الواضح في غزة، ترفض إسرائيل الكشف عن تفاصيل استخدامها للذكاء الاصطناعي، بينما تتجاهل الولايات المتحدة –الحليف الرئيسي– المطالبات بمراقبة هذه الانتهاكات.
نانسي عقيل من مركز السياسة الدولية تنتقد هذا الصمت: «إسرائيل تستخدم الذكاء الاصطناعي عمدًا لاستهداف المدنيين، وليس لزيادة الدقة». أما شان شيخ من مركز الدراسات الاستراتيجية، فيشير إلى أن «البيانات الضبابية تجعل من المستحيل تحديد مدى مسؤولية التكنولوجيا عن المجازر».
الغموض المتعمد يُحوّل الحرب إلى “صندوق أسود” –كما تصفها سارة ياغر من “هيومن رايتس ووتش”– حيث تُخفي إسرائيل آليات عمل أنظمتها خلف ذرائع أمنية. حتى الاتفاقيات الدولية تبدو عاجزة: فإسرائيل لم تُوقّع على معاهدة الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في الحروب، التي وقعتها 50 دولة، بينما تُصر الإدارة الأمريكية على التعامل مع القضية كخطرٍ نظري، رغم إصدارها أوامر تنفيذية لتقييد التكنولوجيا.
5. حرب البيانات: عندما تصبح التكنولوجيا سلاحًا للاستعمار الجديد
الذكاء الاصطناعي في يد الاحتلال ليس مجرد أداة عسكرية، بل هو أداة استعمارية تُعيد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا. فمن خلال أنظمة مثل “غوسبل”، تُحوّل إسرائيل الأرض الفلسطينية إلى شبكةٍ من النقاط الرقمية القابلة للإبادة، بينما تُختزل حياة المدنيين إلى “بيانات ضوضاء” يُتغاضى عنها. المشهد الأكثر قتامةً هو تحالفُ القوى الاستعمارية القديمة مع شركات التكنولوجيا لكتابة فصلٍ جديدٍ من القمع، حيث تُستخدم الشيفرات البرمجية لطمس الهوية الفلسطينية، وتبرير جرائم الحرب بلغة “الكفاءة التقنية”.
هذه ليست حربًا على حماس فحسب، بل هي حربٌ على مستقبل الإنسانية نفسها. فكل ضحيةٍ تُقتل بذكاءٍ اصطناعي، وكل منزلٍ يُدمر بخوارزمية، هو إعلانٌ عن عالمٍ جديدٍ تُحكمه الآلاتُ لا الأخلاق، وتُدار فيه الحروبُ بواسطة مُعادلاتٍ رياضيةٍ لا تعرف سوى الأوامر!
الذكاء الاصطناعي التوليدي: أداة قمعٍ جديدة في يد الاحتلال
في ظل صمتٍ دوليٍ مُريب، استطاعت إسرائيل أن تُحوِّل فلسطين إلى مختبرٍ مفتوحٍ لأخطر تجارب الذكاء الاصطناعي العسكري، حيث بدأت تطوير أنظمة توليدية تُمكّنها من تصنيع واقعٍ موازٍ تُبرر فيه جرائمها. هذه الأنظمة ليست مجرد أدوات مراقبة، بل هي أذرعٌ إلكترونيةٌ تنسج سيناريوهاتٍ استخباريةً مزيّفة، تُحلل من خلالها الصور الفضائية ولقطات الدرونز لتوليد تقارير تُضخم “التهديدات الأمنية”، وتُبرر عمليات الاغتيال والهدم. فمثلاً، تعتمد خوارزميات مثل “غوسبل” على الذكاء التوليدي لتحويل البيانات الخام –كإشارات الهواتف أو أنماط الحركة– إلى قوائم استهدافٍ فورية، دون أي تحقق ميداني. النتيجة؟ إبادةٌ ممنهجةٌ لحيواتٍ بأكملها تحت ذريعة “الكفاءة التقنية”، حيث قُتل أكثر من 50 ألف مدني في غزة، بينهم أطفالٌ وُلدوا تحت القصف، وكبارٌ عاشوا عمرهم تحت الاحتلال ليموتوا تحت رحمة الخوارزميات.
المفارقة الكبرى تكمن في أن هذه التقنيات تُصنَّع في مختبرات “جوجل” و”أمازون” و”مايكروسوفت”، التي تزعم التزامها بمبادئ أخلاقية، بينما تبيع خدماتها السحابية للاحتلال لمعالجة بيانات المراقبة الجماعية. ففي عام 2023 وحده، زوّدت هذه الشركات الجيش الإسرائيلي بخوادم قادرة على تحليل مليارات النقاط البياناتية المُسربة من هواتف الفلسطينيين ووسائل تواصلهم، والتي تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء التوليدي على توقع تحركاتهم وتصنيفهم كـ”تهديدات” بناءً على معاييرَ عنصرية. حتى عمليات التزييف العميق (Deepfake) دخلت على الخط: ففي تقارير صحفية، كُشف عن إنشاء فيديوهات مُفبركة تُظهر نشطاءً فلسطينيين وهم يهاجمون مواقع إسرائيلية، لتبرير قصف أحياء سكنية كاملة.
من التحالف التكنولوجي إلى الإبادة المُعجَّلة:
لم يعد القصف الإسرائيلي يحتاج إلى قراراتٍ بشريةٍ مُتعمدة، فأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي حوّلت الحرب إلى عمليةٍ آليةٍ تشبه ألعاب الفيديو. خذ مثالاً على ذلك: نظام “البشارة” (Habsora) الذي طوّرته شركات إسرائيلية ناشئة بدعمٍ أمريكي، والذي يُنتج ما يصل إلى 200 هدفٍ يوميًّا عبر تحليل صور الأقمار الصناعية وبيانات الاتصالات. هذا النظام –المُصمم أصلاً لـ”تقليل الأخطاء”– يُنتج في الواقع أخطاءً قاتلةً بنسبة 75%، وفقًا لتقارير منظمات حقوقية، إذ يُصنف المدارس والمستشفيات كـ”معاقل إرهابية” لمجرد وجود إشارات اتصالٍ قريبة منها. بل إن الجيش الإسرائيلي اعترف بأنه يعتمد على هذه الأنظمة لـ”تسريع وتيرة الحرب”، وهو ما يفسر تدمير 12 ألف مبنى في غزة خلال شهرٍ واحد، بينها 72 مدرسة و23 مستشفى، دون أي محاسبة دولية.
الأمر لا يتوقف عند الاستهداف العشوائي، بل يتعداه إلى حربٍ نفسيةٍ مُمنهجة: فتقنيات التوليد اللغوي (LLM) مثل “شات جي بي تي” تُستخدم لاختراق المحادثات الفلسطينية وترجمتها، بينما تُوظف خوارزميات التعلم العميق لإنشاء محتوى دعائي يُصور الاحتلال كـ”ضحية” تُدافع عن نفسها. وفي منعطفٍ أكثر قتامة، بدأت إسرائيل في استخدام طائرات مسيرة ذاتية القيادة –مشابهة لتلك التي تختبرها الولايات المتحدة في مشروع “الجيل الجديد من السيطرة الجوية”– لتنفيذ اغتيالاتٍ دون أي تدخل بشري، حيث تُقرر الخوارزمية مكان الضربة ووقتها بناءً على المعادلات الرياضية.
الغربُ الشريكُ الصامتُ: كيف تُموِّل الديمقراطيات آلة القتل الذكية؟
وراء كل خوارزمية قاتلةٍ تُستخدم في فلسطين، هناك دعمٌ غربيٌّ مُباشر. فالولايات المتحدة –التي تُصدر خطاباتٍ عن “أخلاقيات الذكاء الاصطناعي”– تُموّل عبر وكالة DARPA تطوير أنظمة إسرائيلية مثل “اللافندر”، الذي يُصنف الفلسطينيين كـ”مطلوبين” بناءً على تحليلاتٍ مشبوهة. الاتحاد الأوروبي من جهته، يُقدم منحًا بحثيةً لشركات إسرائيلية ناشئة متخصصة في المراقبة الذكية، بينما تُدرب جامعاتٌ أوروبيةٌ مهندسين إسرائيليين على تقنيات التعلم الآلي. حتى الشركات الخاصة مثل بالانتير (Palantir) –التي شاركت في تجسس وكالة الأمن القومي الأمريكي– تُزوّد الاحتلال بمنصات تحليل بياناتٍ تُستخدم لتعقب الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، وتحويل حياتهم إلى سجلاتٍ رقميةٍ قابلة للتدمير.
هذه الدول تُدين نظريًّا “انتهاكات الذكاء الاصطناعي”، لكنها ترفض فرض عقوباتٍ على إسرائيل، بل تُجدد اتفاقيات التعاون التكنولوجي معها سنويًّا. ففي فبراير 2024، وقعت وزارة الدفاع الأمريكية عقدًا مع شركة إلبيت سيستمز الإسرائيلية لتطوير أنظمة استهدافٍ بالذكاء الاصطناعي، بينما تستخدم إسرائيل نفس التقنيات لقصف مخيمات اللاجئين. هذا التناقض يكشف أن “الأخلاق التكنولوجية” الغربية مجرد واجهةٍ لإخفاء تواطئها في إبادة شعبٍ أعزل، بينما تُحَوَّل فلسطين إلى نموذجٍ مُصغّرٍ لحروب المستقبل، حيث تُباد المدن بأكملها عبر ضغطة زر.
الاحتلالُ الرقميُّ الجديد: عندما تصبح الأرض سجلاً في قاعدة بيانات
لا يقتصر خطر الذكاء الاصطناعي على تسريع القتل، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية. فمن خلال أنظمة مثل “غوسبل”، تُحوّل إسرائيل المدن الفلسطينية إلى شبكةٍ من النقاط الرقمية، يُعاد رسم حدودها وفقًا لمعاييرَ أمنيةٍ توليدية. المستوطنات تُبنى الآن بناءً على تحليلاتٍ خوارزميةٍ “تثبت” حاجة إسرائيل لـ”مناطق عازلة”، بينما تُهدم المنازل الفلسطينية لأنها تقع في مسار “المخاطر المُحتملة” التي تحسبها الآلة. حتى الهوية الثقافية تُستهدف: فتقنيات التزييف العميق تُستخدم لطمس المعالم الفلسطينية في الخرائط الرقمية، وتزوير التاريخ لتصوير الاحتلال كـ”حقٍّ ديموغرافي”.
هذا النموذج ليس حكرًا على فلسطين. فالصين –التي تراقب الإبادة الإسرائيلية باهتمام– بدأت بالفعل في استخدام تقنيات مشابهة لقمع الإيغور، بينما تستعد روسيا لتوظيف الذكاء التوليدي في حربها على أوكرانيا. العالم يقف على حافةِ عصرٍ جديدٍ من الاستعمار، حيث تُحكم الشعوبُ عبر خوارزمياتٍ لا تعترف بإنسانيتهم، وتُباد جماعاتٌ بأكملها لأنها تُصنف كـ”بيانات شاذة” في نظامٍ رقميٍّ لا يرحم. الفلسطينيون اليوم هم طليعة ضحايا هذا التحول، لكنهم لن يكونوا الأخيرين ما دام العالم ينظر إلى التكنولوجيا كسلعةٍ محايدةٍ، لا كسلاحٍ استعماريٍّ بدمٍ بارد.
حين تصبح الشيفرة البرمجية سلاحًا… من يدفع الثمن؟
ليست طائرات “إف-16” ولا الدبابات هي أخطر أسلحة الاحتلال اليوم…
فخلف شاشات الحواسيب في تل أبيب وسيليكون فالي، تُخَطَّط أبشع جرائم العصر الحديث:
- أنظمة مثل “غوسبل” – المُصممة في معامل إلبيت سيستمز بتمويل أمريكي – تحوِّل دموع الأمهات إلى “بيانات ضوضاء”.
- خوارزميات “البشارة” – المبنية على سحابة مايكروسوفت – تَعتبر أنفاس الأطفال في غزة “تهديدًا إحصائيًا”.
- منصات بالانتير – التي تُديرها أيادٍ في واشنطن – تبيع دم الفلسطيني كـ”منتجٍ رقمي” في سوق الأسلحة الذكية.
لكن الأخطر من هذه الأنظمة نفسها، هو الصمت العالمي المُطبق الذي يلفها. فبينما تُحرق غزة بخوارزميات “مُتقدمة”، تلهث شعوبُ العالم وراء آخر إصدارات “آيفون” المصنوع بشرائح من نفس التكنولوجيا القاتلة!
في الجزء الثاني من هذا الملف:
- سنعرض المستندات التي تثبت تورط شركات تكنولوجيا تدعي “الحياد” في صناعة أدوات القتل.
- سنسمي الأسماء: من مهندسي السيليكون الذين يصممون الخوارزميات، إلى مساهمي البورصة الذين يموّلونها.
- خريطة التطبيع التكنولوجي من وادي السيليكون إلى مستوطنات الضفة.
هل تعلم أن هاتفك الذكي قد يكون جزءًا من هذه الشبكة الشيطانية؟! اكتشف كيف تُستخدم بياناتك في تدريب أنظمة القتل، وما الذي يمكنك فعله اليوم لقطع دعمك غير المباشر عن آلة الاحتلال.
