طوفان الأقصى: ديسمبر، ج4
- فريق تحرير الروزنامة
- 2 أكتوبر، 2024
- 0 تعليق

التعتيم
في الرابع والعشرين من ديسمبر، وفي محاولةٍ جديدة لطمس الحقيقة وتعتيم الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، أصدرت الرقابة العسكرية الإسرائيلية أوامرَ مشددةً لوسائل الإعلام، تحظر من خلالها تناول 8 قضايا حساسة دون موافقة مسبقة من الرقيب العسكري. وبادٍ بكل تأكيد أن الأمر يعدو كونه مجرد قرار رقابيّ، بل هي خطوةٌ لتعزيز سياسة الصمت والتضليل؛ حيث يراد للعالم ألا يرى سوى ما يسمح به الاحتلال؛ ليُخفي تحت قناع الرقابة وجهه الحقيقي الملطخ بدماء الأبرياء. هذه القيود الصارمة تأتي لتغلق ما تبقى من نوافذ الضوء التي قد تكشف عن المجازر المستمرة منذ استئناف العدوان.
الاستيطان والتهجير وخطط ما بعد الحرب
في أوج الصراع، وداخل الأروقة المظلمة، يناقش قادة الاحتلال خططهم لما بعد الحرب. يتحدثون عن “مناطق آمنة” داخل القطاع، هؤلاء يتعاملون مع غزة على أنها هبة تُقسم وتُسجَّل ملكيتها بعد كل موجة دماء. نتنياهو الذي يصافح مفاوضيه بيد ويحمل آلة الدمار بالأخرى، يفكر مع المسئولين الأمريكيين بخصوص “اليوم التالي” للحرب، حيث تُدمَّر المقاومة، ويُجرَّد القطاع من سلاحه، ويُفرض عليه شبح جديد من الاحتلال المتواري خلف شعار الأمن والردع.
تتوالى الأخبار عن خطط تهجيرٍ ممنهج تُعد للفلسطينيين، ليست بالبنادق هذه المرة، بل عبر “مبادرات اقتصادية” مغلفة بشعارات التنمية والإغاثة. إنه وضع (فوز – فوز)، تحصل الدول المحيطة على أموال المشاريع الوفيرة في مقابل قبول هجرة الفلسطينيين “طوعًا”، كأنهم أرقام بلا وطن، أو أمتعة جامدة تُنقل من مكان لآخر. وبالتوازي مع هذه الجهود، يكثف الاحتلال البناء الاستيطاني في القدس المحتلة، وتسعى حكومته إلى ابتلاع مزيد من الأرض، وكأنها تسابق الزمن لصياغة واقع جديد على الأرض، واقع تغيب معه ملامح المدينة، وتضيع فيه حقوق الشعوب.
لقد أدرك النابهون في وقتٍ مبكر نوايا الاحتلال، وسمعنا كلام “شاينا لو” المتحدثة باسم المجلس النرويجي للاجئين عندما قالت: إن ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزة يؤكد نيتها تهجير السكان باتجاه شبه جزيره سيناء المصرية، والعالم لا يلقي بالًا لهذا الأمر حتى الان … إن غزة تعيش كارثة إنسانية، 80% من السكان يسكنون في الجنوب بعدما طلبت منهم إسرائيل إخلاء شمال القطاع، اليوم يطالبونهم بالانتقال نحو رفح، وبعدها لن يكون أمامهم إلا الدخول إلى سيناء هربًا من الضغط العسكري.
يفكر “نتنياهو” في كل ما يمكِّنه من إزاحة الفلسطينيين من طريقه، مهما كلف الأمر، ماذا عن تعزيز مكانة عشائر مسلحة وجهات محلية ودعمها بحيث تتمكن من السيطرة على أجزاء من قطاع غزة؟ الأمر كله بالنسبة لهم لعبة نفوذ، وليست حياة شعب. ربما هذا هو “الشكل الاستراتيجي الصحيح” الذي عناه وزير المالية سموتريتش بحيث يفضي إلى أن تكون هناك هجرة تسمح لهم بالعيش في قطاع غزة، ألا تراه يقول بصراحة: لن نسمح بوضع يعيش فيه مليونا شخص هناك … إذا ظل هناك 100 – 200 ألف عربي في غزة؛ فإن كل الحديث حول اليوم التالي للحرب على غزة سيكون مختلفًا تمامًا.
هكذا، يعاد تشكيل الهندسة الديموغرافية على وقع القصف، وتُرسم الخرائط الجديدة بدماء الأبرياء، وتتداخل الجرائم العسكرية مع المخططات السياسية، ليُختزل وطنٌ بأكمله في مشاريع عقارية، وأسلاك شائكة، ومؤامرات تهجيرٍ بلا نهاية.
الدعم الغربي – مصلحتي أولًا
لا شيء أدلَّ على عمق العلاقات بين القوى العظمى وقوى الاستعمار إلا تلك التفاهمات التي تُدار في الخفاء ويجلِّيها الواقع المر حين تسيل الدماء. في قلب المعركة على أرض غزة، تعكس الأحداث ذروة التحالف بين الولايات المتحدة والاحتلال الصهيوني، حيث تنساب الطائرات محملةً بآلاف الأطنان من العتاد الحربي المتقدم، ويمتدُّ الجسر الجوي الذي تأخذ من خلاله الأسلحة الفتاكة طريقها إلى مجرمي الحرب لإبادة المدنيين. عدد من الطائرات يهبط في مطارات فلسطين المحتلة، كل واحدة محملة بأدوات الدمار وأسلحة الخراب، بينما تظل أصوات المدافع وقذائف الدبابات تُسمع من السماء شاهدة على الدعم الأمريكي العسكري الملموس.
لا يتوانى الرئيس الأمريكي عن تقديم هذا الدعم السخي الذي تُساق فيه القنابل الخارقة للتحصينات، والقذائف التي تدمر البيوت وتقتل الأطفال، ولو اقتضى الأمر استخدام صلاحيات الطوارئ لتمرير صفقات أسلحة جديدة دون الحاجة لموافقة الكونجرس. مئات الملايين تُضخُّ لتجهيز الدبابات التي تجوب غزة وتدك بيوتها، في الوقت الذي يعلن فيه وزير الدفاع الأمريكي، لويد أوستن، صراحةً أن دعم أمن إسرائيل غير قابل للتفاوض، فيما يغض الطرف عن المذابح والجرائم التي تُرتكب بحق المدنيين.
وتطل إدارة بايدن بوجه يكسوه التعجب، معلنة أنها لم تعثر على دليل واحد يشهد باستهداف إسرائيل للمدنيين، وتتغاضى عن آلاف الأرواح التي تسقط في القطاع المحاصر.
وبينما تُكافح الدول العربية لتمرير قرار في مجلس الأمن يقضي بوقف إطلاق النار، تقف الولايات المتحدة دونه بالمرصاد، وتستخدم الفيتو لضمان استمرار الاحتلال في عدوانه، محولة مجلس الأمن إلى أداة تُدعم بها سياسات الاحتلال. وفي الجمعية العامة، تقف الولايات المتحدة بين دول عشر عارضت قرارًا يطالب بوقف إنساني لإطلاق النار، في مشهد يؤكد انحياز السياسة الأمريكية الكامل – مهما تبدلت الوجوه – للاحتلال، حتى على حساب الإنسانية.
ورغم هذا الدعم اللامحدود، تظل نظرة الاحتلال إلى حلفائه قائمة على النفعية التامة، لا يرى فيهم أكثر من أدوات لتحقيق مصالحه، هذا وزير مالية الاحتلال يقول: نكن احترامًا كبيرًا للولايات المتحدة، أفضل حليف في العالم، وللرئيس بايدن، وهو صديق حقيقي، لكننا “لن نترك مصيرنا أبدًا في أيدي الأجانب”.
هذه هي القاعدة إذن: مصلحة الاحتلال تظل دائمًا فوق كل تحالف، مهما بلغ سخاؤه ودعمه.
