
بسم الله الرحمن الرحيم
“قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين”.
الحمد لله رب العالمين، مؤيد المجاهدين، وناصر المؤمنين، ومذل الأحزاب والمستكبرين، والصلاة والسلام على نبينا المجاهد الشهيد، وعلى آله وصحبه، ومن جاهد جهاده، وبعد…
يا أبناء شعبنا العظيم المجاهد الصامد الأبي، يا أهل الله وخيرته في عباده، يا مجاهدينا الأبطال، يا رجال الله وحملة اللواء في كل ميادين وجبهات ومواقع الجهاد والقتال والمواجهة، يا جمهور أمتنا الكبيرة الممتدة، يا كل أحرار العالم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تدخل اليوم معركة طوفان الأقصى وهذه الحرب الهمجية على شعبنا شهرها السادس، ولا يزال العدو المجرم يمارس ضد شعبنا محرقة نازية حقيقية، قتلًا وتجويعًا وتشريدًا وتدميرًا، ويحتقر كل قوانين العالم وأدبياته وأنظمته البائسة التي تقف عاجزة أمام كيان محتل غاصب، مجرد من كل قيم الإنسانية. ويقف شعبنا أمام عدوان أمريكي صهيوني غير مسبوق في التاريخ، لتؤسس هذه المعركة، بقدر الله تعالى، مرحلة جديدة ليس على مستوى غزة وفلسطين فقط، بل على مستوى العالم، مرحلة عنوانها أن الحق لا ينتزع إلا بالقوة والسلاح، وأن على كل طالب حق ألا ينتظر سرابًا من قوى دولية تمرست على قهر الشعوب واستعباد الأمم، وأن المجتمع الدولي وقوانينه البالية مجيرة لحماية الظلم والقهر والعدوان بسطوة القوى الباطشة الباغية، وعلى رأسها الإدارة الأمريكية. ولقد فهم شعبنا ومقاومتنا هذه المعادلة مبكرًا، لذلك كانت مقاومة شعبنا وثورته المتجددة، ولذا كانت ملحمة السابع من أكتوبر التي جاءت ردًا على عدوان متواصل منذ عقود، بلغ ذروته في محاولة تهويد وهدم المسجد الأقصى، استفزازًا لمشاعر كل فلسطيني وعربي ومسلم في العالم.
وتصاعدت العربدة الصهيونية مع وصول أكثر حكومة تطرفًا ونازية إلى سدة الحكم في الكيان، كانت تخطط قبل السابع من أكتوبر لما تقوم به اليوم في غزة والضفة والقدس، مستندة إلى إرث توراتي مزعوم يدعو علنًا لحرق وقتل وتدمير الأمم الأخرى، ومستقوية بعصابات المغتصبين الصهاينة الذين بدأوا منذ زمن حربهم الدينية المقيتة ضد أقصانا وشعبنا ومقدساتنا وأرضنا. إنهم حكومة قاتلة مجرمة، لو كان في العالم عدل وحق مصان، لكان قادتها اليوم مدانين بتهمة ارتكاب المحرقة ضد شعب وأمة. ولكنها شريعة الغاب التي ينعقد فيها ما يسمى بمجلس الأمن، فترتفع فيه يد ظالمة مرتجفة لتعطل كل محاولة، ولو شكلية، لنصرة المظلومين وردع المعتدين.
يا أهلنا، يا شعبنا، يا أمتنا، أمام هذا الواقع وهذا العدوان، فإننا في كتائب القسام والمقاومة الفلسطينية حملنا أرواحنا على أكفنا ولا نزال. أدركنا أن العدو الذي لا يفهم إلا لغة القوة لن يردعه بيان ولا مؤتمر ولا تنديد ولا حتى قرار دولي. فأعددنا له ما يسوءه وكنا قدر الله عليه، فقاتلنا ولا زلنا نقاتل منذ عقود طويلة، وها نحن نقاتل في معركة طوفان الأقصى لليوم الرابع والخمسين بعد المئة، ولا زلنا نكبد هذا العدو المأزوم وجيشه الباغي المجرم خسائر كبيرة وفادحة في صفوف ضباطه وجنوده ومرتزقته وآلياته، ولا زال لدينا المزيد بقوة الله وعونه طالما استمر العدوان. ولن يهنأ هذا العدو على أرضنا براحة ولا هدوء، ولن يفلح في جلب الأمن لا لجمهوره ولا لجيشه المرتعد المرتبك، قبل أن يعطي شعبنا حقوقه وينهي احتلاله لأرضنا ومقدساتنا.
يا شعبنا وأمتنا، ويا أحرار العالم، إننا في كتائب الشهيد عز الدين القسام وفي مطلع الشهر السادس من معركة طوفان الأقصى، وعلى أعتاب شهر رمضان المبارك، نؤكد على ما يلي: أولاً، نبارك لشعبنا العظيم ولأمتنا الإسلامية قرب حلول شهر رمضان المبارك، شهر الطاعات والجهاد والانتصارات. وإن كان المسلمون في بقاع الدنيا يستعدون لاستقبال رمضان، فقد قدمنا قربانًا لله شلالًا من الدماء الزكية والأرواح الطاهرة. استقبلناه بذروة سنام الإسلام، الجهاد والرباط والقتال في زمن عز فيه الرجال.
فيا عابد الحرمين، لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب. من كان يخضب خده بدموعه، فنحورنا بدمائنا تتخضب. وإذ يقف الصهاينة الشردمة أمام أمة المليارين على أعتاب رمضان المبارك، فلا يعيرونا همية لقدسية مسجدهم الأقصى، الذي يخططون (وإن زعموا غير ذلك) للتضييق على أهله وفرض القيود على التعبد فيه، استمرارا للحرب الدينية المعلنة. وإذ لا يراعون حرمة لدماء بريئة هي أقدس عند الله من حرمة الكعبة المشرفة، فإننا بهذه المناسبة ندعو كل أبناء شعبنا في الضفة والقدس وفلسطين المحتلة عام 48 إلى النفير والزحف نحو المسجد الأقصى والرباط فيه، وعدم السماح للاحتلال بفرض الوقائع على الأرض. فالأقصى لنا وجزء من عقيدتنا، ومن أجله انطلق طوفان الأقصى، ومن أجله قدم أهلنا كل ما يملكون، وشاء الله أن يشرف كل بيت في غزة بهذا الشرف العظيم. فما من بيت إلا فيه شهيد أو جريح أو أسير من أجل الأقصى، فهنيئًا لغزة وأهلها هذا الشرف.
وإن من واجب كل حر أن يلتحم بتضحيات أهل غزة ومقاومتها، وأن يبذل كل نفيس من أجل أولى القبلتين، لإفشال مخطط العدو بتقسيمه زمانيًا ومكانيًا، وصولًا إلى هدمه وإقامة الهيكل المزعوم. كما ندعو مجاهدي ومقاومي وجماهير أمتنا في كل مكان لإعلان النفير لمواجهة غطرسة الاحتلال في كل ميدان للقتال والمواجهة، وفي كل ساحة للاحتجاج والتظاهر. وليكن شهر رمضان المبارك، كما كان دوما، امتدادًا لبدر وللفتح الأعظم، وتصعيدًا لطوفان الأقصى في كل الساحات والجبهات داخل فلسطين وخارجها. فقد أعذرت غزة إلى الله ودافعت عن ثالث الحرمين بلحمها الحي وبجوع أبنائها، وقدمت وتقدم كل ما تستطيع.
فهبوا يا أحرار شعبنا وأمتنا، وأعلنوا نداء: لبيك يا أقصى في كل الميادين،
ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز.
ثانيًا، إن مجاهدينا في كل مواقعهم وعقدهم يواصلون، بعون الله، معركة التصدي للعدوان في كل نقاط ومحاور المواجهة، حيثما يتواجد جيش العدو وقواته الباغية على أرض قطاعنا. ويتمتع مجاهدونا بمعنويات عالية وروح قتالية منقطعة النظير، ويسطرون بطولات عظيمة، وهم جاهزون لمزيد من الإثخان في العدو بتأييد الله ومعيته. وقد تمكن مجاهدونا، بفضل الله تعالى، خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة من تنفيذ عدد كبير من العمليات النوعية من خلال وحدات مختارة من كتائب القسام، حيث أوقعت العدو في كمائن محكمة في مناطق القتال، ففجرت آليات العدو، ونفذت عمليات قنص للضباط والجنود، واستهدفت مبانٍ تحصن بها جنود العدو، وذكّت تحشداته بالقذائف. وتركزت العمليات في مناطق التوغل في جنوب وشمال قطاع غزة، مما نعلن عنه أولًا بأول، ونبث بعض ما وثق من مشاهد منه بفضل الله تعالى وعونه.
ثالثًا، أمام ما يتردد بين الحين والآخر من تقدم أو اختراق أو تراجع في ملف مفاوضات التهدئة، فقد بات من الواضح أن حكومة العدو تستخدم الخداع والمراوغة، وتتسم بالتخبط والارتباك. وإننا إذ تعاملنا بإيجابية ولا زلنا مع الوسطاء، فإن أولويتنا القصوى والأولى بإنجاز تبادل الأسرى هي الالتزام التام بوقف العدوان على شعبنا بشكل كامل، وما يترتب عليه من انسحاب للعدو، وإغاثة لشعبنا، وعودة نازحيه، وإعادة الإعمار. وهذه القضايا الأساسية والإنسانية لا تنازل عنها، ولا يفيد ولا يهم شعبنا ومقاومتنا أي تطرحات لا تتضمن هذه المسلمات الإنسانية. فلا شيء مقدم لدينا على تضميد جراح شعبنا الذي يتعرض للإبادة جراء تمسكه بحقوقه ودفاعه عن أرضه ومقدساته. وإن تباك الإدارة الأمريكية على أعداد محدودة من أسرى العدو، أمام تجاهلها للمذابح والإبادة الجماعية والمحرقة التي يتعرض لها شعبنا، فضلاً عن تجاهلها لآلاف الأسرى من أبناء شعبنا، يؤكد ازدواجية معايير هذه الإدارة ومن يدور في فلكها، وعدم اكتراثهم لا لحقوق إنسان ولا لقانون دولي مزعوم.
رابعًا، إن العقلية المريضة للصهيونية الإرهابية، من تجويع وتهجير وقتل وتدمير وترويع، وحرق المكتبات، وتدمير الآثار التاريخية، والبنى التحتية، والمؤسسات المدنية، يطبقها جيش العدو بحذافيرها. ويرتكب جرائم مروعة تضاهي ما يعرف بالمحرقة النازية، بل تعدت بشاعة النازية الجديدة إلى حرب تجويع متعمدة، يشاهد فيها العالم قتل الآباء الساعين إلى قوت أبنائهم، وتجويع الأطفال وقتلهم جوعًا ومرضًا، في أبشع جريمة حرب غير مسبوقة. حتى إن بعض الدول المتواطئة مع العدو باتت في موقف عصيب، لا تهتدي لوسيلة تبرر بها هذه المحرقة، وتعجز عن التماهي مع هذا المستوى من الانحطاط. وهنا نؤكد أن هذه المجاعة ألقت بظلالها على كل مكونات شعبنا في غزة، بما في ذلك أسرى العدو الذين يعيشون ذات المستوى من الجوع والحرمان الذي يعيشه شعبنا، ويعانون من نقص الغذاء والدواء. وإن عددًا من أسرى العدو يعانون سوء التغذية والجفاف والهزال، وبات المرض يهدد حياة عدد منهم في ظل عدم توفر الدواء والغذاء المناسب لهم، فضلًا عن تعرضهم للقصف والقتل في حوادث كثيرة أعلننا عنها مرارًا. فإذا كانت عائلات هؤلاء الأسرى معنية بحياتهم، فلتعلم أن حكومتهم ومجلس حربهم يتلاعبون بحياة أبنائهم، ويصرون على استلامهم في توابيت. فالكرة في ملعبهم لإنقاذ من يمكن إنقاذه منهم.
ختامًا، يا أهلنا، يا شعبنا العظيم، يا رأس مالنا، ويا تاج رؤوسنا، تحية لكم من أبنائكم في ثغور الرباط ومواقع القتال الذين جعلوا جهادهم لله وفي سبيل الله، فقاتلوا عن شرف هذه الأرض بدمائهم وجهادهم. تحية لأرواح شهدائنا الأبرار الأطهار الذين يغسلون بدمائهم عار أمة عاجزة، والتحية لجرحى الأبطال الذين تشهد آلامهم وجراحهم على بطولة شعب عظيم. ولأسرى الأحرار القابعين في عرائن الأسود، يقدمون لله وللوطن زهرة الأعمار. والتحية لكل أسرة وعائلة شردت من بيتها تحت وطأة العدوان الهمجي، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب. وما النصر إلا صبر ساعة. والتحية لعاصمتنا المقدسة، ولأقصانا الأسير، ولمقاتلي أمتنا الأبطال في كل الساحات، ولأرواح شهدائهم على طريق القدس، وللبطولاتهم في لبنان واليمن والعراق، وكل جبهة تقاتل معنا. وإننا إذ يضلنا شهر عظيم مبارك، ندعو كل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بإعانتنا وإمدادنا بالدعاء والتضرع لله جل شأنه أن يعجل بنصره وفرجه لشعبنا وأهلنا، وبطشه وعذابه وإذلاله لعدوه وعدونا.
وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم،
وإنه لجهاد نصر أو استشهاد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
