غسَّان كنفاني

كلام الجرائد لا ينفع يا بني، فَهُم – أولئك الذين يكتبون في الجرائد – يجلسون في مقاعد مريحة وفي غرف واسعة فيها صور وفيها مدفأة، ثم يكتبون عن فلسطين، وعن حرب فلسطين، وهم لم يسمعوا طلقة واحدة في حياتهم كلها، ولو سمعوا، إذن، لهربوا إلى حيث لا أدري.

أرض البرتقال الحزين ــــ غسان كنفاني.

هو الأديب الذي جنى عليه أدبه حين رسم به صورةً من معاناة شعبه.، علمنا أن حمل البندقية ليس أسمى من حمل القلم، وأن الجهاد على الثغور، والمرابطة على السلاح لقتل صهيوني، قد يكون أخف وطأةً على الاحتلال من المرابطة في المحافل الثقافية. وأن دوي المدافع ليس أسمى من دوي الأقلام؛ فصرير القلم مخيف ومرعب كطلقة البندقية. وكما تترصد إسرائيل المجاهدين والقادة، فهي تترصد الأدباء والشعراء. وقد نظن أن الفدائي هو من حمل البندقية، أو من يخطط لعملية استشهادية ينفذها في جنود الصهاينة. لكن… علمنا غسان أن الأدب يظل غصَّة في حلوق الأعداء، حتى بعد زوالهم، وأن الفدائي قد يكون أديبًا يخطُّ بقلمه مجازر الاحتلال، ويحاربهم، ويفضحهم؛ لأن جرح اللسان كجرح اليد.

كان يُنَكِّل بالصهاينة في مقالاته، ورواياته، وقصصه، وكان يُسجِّل للعالم حقيقة المأساة والفاجعة التي لحقت بفلسطين في ظل حالة من التخاذل والعجز العربي. كان يرسم صور العناء الفلسطيني بإسقاط الواقع البائس على شخصياته الأدبية؛ فقد استمد أدبه من واقع إجرام الصهاينة وتخاذل العرب، أحسب أنه لا مجال فيه لتهويلٍ أو مبالغةٍ من خيال الكاتب.

وُلد يوم 9 إبريل/نيسان 1936 في مدينة عكا، لأسرة ميسورة، وكان والده محاميًا مثقفًا. نشأ في بيئة لا ينقصها المال، ولا تفتقر إلى العيش الهنيء؛ لولا أن كدرت صفوها نكبة 1948، فذاق حينها معنى التشرد والنزوح، متجرعًا معاني الخوف والشتات، وشاهدًا على مآسي الطرد والتهجير والقتل، مفتقرًا إلى عيشه الأول ورغد بيته في عكا.

وكلما حاول النسيان، ذكرته المأساة بمخيمات اللجوء في لبنان. عانى من التنقُّل، ولم تعرف حياته الاستقرار؛ من لبنان إلى سوريا، حتى حطَّ رحاله في يافا، حيث كان بيت والده مقابلًا لتل أبيب. وهناك شهد غسان معارك عدة مع الصهاينة، والجرائم التي مارسوها في حق أصحاب الأرض.

التحق غسان بمدرسة “الفرير” في يافا، وأحب الأدب وعشقه، فكان قارئًا نهمًا. درس الفرنسية، وتعلّم الإنجليزية حتى أتقنها؛ فأصقلت مهاراته الأدبية، وأضاف بها لأدبه سلاحًا قويًا يُناضل به الصهاينة ويفضح جرائمهم. عاد إلى سوريا مرة أخرى مع عائلته، وبدأ طريقه في الأدب في سنٍّ صغيرة بكتابة القصص القصيرة، فكان كاتبًا ساخرًا، وأديبًا رقيقًا يُحسن الغزل والتشبيب، وله باعٌ في نقد القصة والشعر؛ فهو مبدع وفنان من طراز رفيع.

لكن ما دامت فلسطين محاصرة، فكل أقلامها أسيرة النكبة؛ فقد حصر غسان جُل قلمه في تصدير معاناة فلسطين. عمل مُعلمًا في سوريا، تابعًا لوكالة الغوث للاجئين، وتلك الوظيفة لم تكن كأي وظيفة له؛ فهو أديبٌ بارٌّ بقضية شعبه، وأسيرٌ لمعاناة لم يتجاوزها، بل حاصر نفسه بها وتشبث بأدب المقاومة. وقد شغلته قضيته كأي مقاوم فلسطيني، وقد أصقل عمله المباشر مع أطفال المخيم قلمه، وأضاف للأدب العربي، ولأدب المقاومة، صورًا جديدة لم يطرقها أحدٌ قبله.

عمل في مطعمٍ، وفي توزيع الصحف، وكان مكافحًا صلبًا؛ ولأنه كان يعلم أنَّ له شيئًا في هذا العالم، فقد بقي يقاوم ويشن على الاحتلال حربًا ظهر فيها صرير أقلامه. عمل مُدرِّسًا في الكويت، وكان يكتب في الصحف الكويتية موقِّعًا باسم «أبو العز»، حتى حطَّ رحاله في بيروت مع صحيفة «الحرية» التابعة للقوميين العرب. حينها تجلَّى اسم غسان بين الأدباء، وحصل على الجنسية اللبنانية. كتب عن جرائم السجون والأسرى، وجنايات الاحتلال على الأطفال، وانتهاك الحرمات وسرقة الأرض، وعن الموت، والقصف، والجوع، والفقر، وسطَّر للتاريخ فظائع ورزايا ألمَّت بالفلسطينين فردًا فردًا.

وكان غسان ينادي بالكفاح المسلح، ويؤكد أنَّ تحرير فلسطين يحتاج عمَلًا جماعيًّا، وأنه لا بد من جهاد كل العرب. كان يندِّد بالتخاذل، ويعمل في جبهاتٍ وجوانب متعددة، وقد ساهم في وضع الاستراتيجية السياسية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وشارك في بيانها التأسيسي، وكان متحدثها الرسمي.

من رواياته:

«رجال في الشمس»، «ما تبقَّى لكم»، «أم سعد»، «عائد إلى حيفا»، و«مَن قتل ليلى الحايك؟».
ومن مجموعاته القصصية: «القميص المسروق»، «موت سرير رقم 12»، «أرض البرتقال الحزين»، و«عن الرجال والبنادق».

كتب عن شعراء الأرض المحتلَّة، وأصدر في الدراسات الأدبية: «أدب المقاومة في فلسطين»، و«الأدب الصهيوني»، و«الأدب الفلسطيني المقاوم». فقد كان غسان مهتمًّا بشعراء المقاومة، يكتب عنهم ويعرِّف العالم بهم، حتى ترصَّد له “الموساد” الإسرائيلي في العاصمة اللبنانية بيروت في 8 تموز/يوليو 1972، في حادث مأساوي استُشهد فيه هو وابنة أخته لميس بانفجار سيارته. وبحسب لجنة التحقيق التي شكلتها الجبهة الشعبية، نتج الانفجار عن عبوة ناسفة قدِّر وزنها بتسعة كيلوغرامات وُضعت تحت مقعد السيارة وانفجرت عند تشغيلها. فغاب عنَّا وجه شهيدٍ مقاومٍ طالما أزعج الاحتلال وألحق به عنتًا عظيمًا، وتُرجمت بعدها أعماله إلى لغات عدَّة.